الإثنين 11 ديسمبر 2017 2:07 ص القاهرة القاهرة 15.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

المواجهة الدينية الشاملة لما بعد داعش

نشر فى : الخميس 16 نوفمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 16 نوفمبر 2017 - 9:25 م
الآن، والخلافة الإسلامية الداعشية المزعومة تلفظ أنفاسها فى العراق وسوريا، وتصبح سلطة بلا أرض، يطرح الكثيرون السؤال التالى: وماذا بعد داعش، وقريبا ماذا بعد أخواتها؟

السؤال مركب يشمل السياسة والأمن والإرهاب المجنون والتناغم مع الاستخبارات الدولية والثقافة الدينية. ولذلك فالإجابات متعددة.

من أبرز الإجابات على هذا السؤال هى بعض الإجابات الرسمية من أن الوقت قد حان لتعديل مناهج تعليم الدين الإسلامى فى المدارس والجامعات، ولضبط أساليب ووسائل عرض الدين الإسلامى على معتنقيه وعلى غيرهم من الناس الآخرين سواء فى المساجد والحسينيات أو وسائل الإعلام المختلفة. المنادون بتلك الخطوة الإصلاحية ينادون بعدم التطرق للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشروح الفقهية التى قد يشتم منها، على سبيل المثال، المناداة بالجهاد الحربى لمحاربة الكفار ونشر الدين الإسلامى، أو توجيه النقد لأصحاب الديانات الأخرى.

كما ينادى هؤلاء بإشراف الدولة على خطب المساجد وتحديد الخطوط الحمر التى يجب أن لا يتخطاها خطباء المساجد والمتحدثون على وسائل الإعلام المختلفة.

ويضيف البعض بأهمية تدريس مختلف المذاهب الإسلامية من أجل تقليل الانطواء المتعصب على المذاهب، وبالتالى تقليل حدوث الصراعات المذهبية.

لكن، هل أن مثل تلك الخطوات الخجولة ستكون كافية لحماية الشباب المسلم، عربا وغير عرب، من تأثيرات مجانين الإسلام السياسى المتطرفين المتزمتين المنادين بضرورة محاربة العالم كله باسم الشعارات الإسلامية التى يرفعونها؟ ذلك أن موضوع الجهاد الإسلامى العنيف المشوه لروح الإسلام وقيمه لا يتلخص فى تفسيرات بليدة لبعض الآيات القرآنية ولبعض الأحاديث المنسوبة للنبى الكريم ولأقوال متناثرة لهذا الفقيه أو ذاك. فالموضوع هو أكبر وأعقد وأخطر من ذلك بكثير، ويحتاج إلى مواجهة شاملة.

***

لنضع جانبا المواجهات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولنأخذ، على سبيل المثال، المواجهة الدينية. فى هذا الحقل توجد إشكاليات كبرى فى مصدرين أساسيين من مصادر الدين الإسلامى: الأحاديث المنسوبة إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) والتراث الفقهى. وهى إشكاليات تتعلق بمنهجية التدوين، وبالتأثر الواضح بتقلبات السياسة وصراعات الحكم، وبالكذب المتعمد سواء على الرسول الكريم أو على هذا الإمام أو ذاك الفقيه المشهور، وبعلاقة المصدرين بما جاء فى القرآن الكريم.

لنذكر أنفسنا بالفترة الزمانية الطويلة فيما بين موت الرسول عليه الصلاة والسلام وبين تدوين الأحاديث المنسوبة إليه، بموضوع الذاكرة الإنسانية الشائك وتغيير الألفاظ والمعانى فى تلك الذاكرة بمرور الزمن، بالنقاشات الحادة حول الإسناد والتنقيح، بموضوع مدى الالتزام بالأحاديث الأحادية والذى لايزال معنا، بادعاءات البعض من إمكانية نسخ آيات قرآنية من قبل أحاديث نبوية، بمقدار الإضافات على كتب الفقه الشهيرة من قبل تلاميذ مؤلفيها، بموضوع الصراعات الدموية حول مكانة الرأى والعقل فى فهم القرآن وتفسيره وبالنسبة لقدمه أو خلقه، بالكتابات الناقدة الكثيرة الحديثة حول ما جاء فى مصادر فقهية من مثل صحيح البخارى أو صحيح مسلم أو كتاب الكافى أو غيرها.

لنذكر أنفسنا بكل ذلك لنعرف أننا أمام تراث هائل يحتاج إلى أن يحلل بموضوعية تامة، وأن ينقد بهدوء وعدم تشنج، وأن ينقح من كثير من الشوائب التى ألصقت به، وأن يستفاد فى تجديد فهمه من مختلف علوم العصر الإنسانية والاجتماعية والطبيعية. 

ولأنه بهذا الحجم وبتلك التعقيدات فإنه سيحتاج إلى جهد مؤسساتى قائم على إمكانيات الرسمى وإمكانيات المجتمعى، وإلى استقلالية تبعده عن انتهازيات السياسة واستغلالها للدين، وإلى شجاعة تتخطى المذاهب والحساسيات الطائفية.
إنه جهد للقيام بخطوات تفصل التاريخ عن الدين وتنهى سوء فهم تاريخى لدين فطرة لا يحتاج إلى كل التعقيدات والإضافات التى فرضته صراعات البشر عليه.

عند ذاك، وعند ذاك فقط، سنرى انعكاسا لذلك الجهد ونتائجه على المناهج الدراسية والخطابات الدينية فى المساجد والحسينيات وعلى منابر الإعلام المختلفة. عند ذاك سنسد الطريق أمام مجانين الجهاد الإسلامى المتخلفين فى الفكر والضمير الدينى.

***

لنذكر أنفسنا أخيرا بأن ذلك الموضوع لا يقف عند حدود ساحة الدين، ذلك أن تأثيراته البالغة على السلوكيات الاجتماعية، والأوضاع النفسية للفرد المسلم، والمنطلقات الثقافية للمجتمعات، والممارسات السياسية فى الدول العربية والإسلامية، مساوية فى أهميتها للجوانب الدينية البحتة.

لقد جرت محاولات فردية كثيرة فى الماضى والحاضر لمواجهة نقاط الضعف فى هذا التراث، وذلك من أجل إرجاع مكانة القرآن الكريم الواضح السمح فى حياة المسلم والتى أضعفها ذلك التراث عبر القرون، لكن ذلك لم يكن يكفى. لقد أضاع الجنون الجهادى العنيف المتخلف كل تلك الجهود وأزاحها من الطريق.

الآن، وقد بدأت تلك الظاهرة بالانحسار، سواء لعنفوانها أو لمموليها من استخبارات وحكومات، فإن الفرصة سانحة لاجتثاث المصادر المبهمة التى سمحت لتلك الظاهرة بالبروز وبنشر الخراب والدمار.
الترقيعات لن تفيد، المواجهة الجذرية هى الحل.

 

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات