السبت 22 سبتمبر 2018 3:58 م القاهرة القاهرة 33.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

يناير» ملهم للإصلاح الصحى

نشر فى : السبت 17 يناير 2015 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 17 يناير 2015 - 8:00 ص

يقترب الخامس والعشرون من يناير ليسجل مرور أربع سنوات طوال، شهدت أحداثا درامية هائلة فى مسار تاريخنا الحديث، عبرت من خلالها الجموع الشعبية عن توقها العارم إلى التغيير وتدشين عهد جديد فى تاريخنا السياسى واﻻقتصادى، وعبرت عن رغبة وإرادة فى إعادة بناء الوطن وإعادة بناء الدولة التى كانت قد وصلت إلى مرحلة من اﻻنهيار والفشل، تبدت أبرز مظاهره فى انتشار البطالة وفى تدهور منظومتى التعليم والصحة وغيرها من محاور التنمية اﻷساسية.

وكان ملف الصحة على وجه الخصوص مع نهاية 2010 نموذجا لفشل الدولة، ببروز اتجاهات وسياسات حكومة من رجال اﻷعمال لم تستثن وزارة الصحة تسعى إلى خصخصة الخدمات الصحية، وفى مقدمتها التأمين الصحى اﻻجتماعى أحد أهم إنجازات الدولة منذ منتصف الستينيات لضمان العدالة اﻻجتماعية فى تحمل أعباء الخدمة الصحية، كما تبدى الفشل فى انتشار اﻷزمات الصحية وتفشى أوبئة صحية جديدة مهددة للحياة، مثل إنفلونزا الخنازير والطيور والتى عالجت اﻷمر وقتها الحكومة بالقضاء على الخنازير والطيور الداجنة، التى تشكل حجر الزاوية فى اقتصاديات ريفية منزلية صغيرة.

كما تبدى الفشل فى ارتفاع نسب اﻷمراض الكارثية كالسرطان وأمراض الكبد الفيروسية ومضاعفاتها والفشل الكلوى، كنتيجة طبيعية لتدهور محددات الصحة اﻻجتماعية كمياه الشرب والصرف الصحى والبيئة والسكن، إلى جانب ارتفاع معدﻻت الفقر والعوز واﻷمية.

وتراجعت رغم ذلك مخصصات اﻹنفاق العام الصحى إلى الحدود التى ﻻ يمكن اﻻعتماد عليها، قياسا بدول مماثلة فى المنطقة (أقل من 3% من مخصصات الموازنة العامة للدولة) وفى المقابل زيادة نسب ما تنفقه اﻷسر واﻷفراد من جيوبهم للحصول على الخدمات الصحية الضرورية والدواء، الذى يتم أغلبه فى القطاع الخاص، ما يحرم فئات واسعة غير قادرة من المواطنين من الحصول على الخدمات الضرورية لهم بسبب العوز والفقر.

وجاء «يناير» الملهم ليكشف إضافيّا مدى ضعف كفاءة وهشاشة النظام الصحى القائم فى مواجهة ما حدث من حوادث دامية وإصابات بالغة وأمراض كارثية.

•••

وﻷن التاريخ معلم ويشير إلى أن التغيرات الكبرى اﻷساسية فى حياة اﻷمم (كالثورات واﻻنتفاضات الواسعة التى تزيل نظما حاكمة وتفرض ضرورة أن يستبدل بها أخرى) باعتباره أمرا غير متكرر فى فترات قريبة قبل مرور قرن أو نصف قرن من التاريخ.

من هنا كان على الحالمين بالتغيير واﻹصلاح الصحى أن يكونوا مستعدين للإمساك بعزم بالفرصة! لإحداث نقلة نوعية فى إصلاح النظام، فهل فعلوا ذلك؟

لقد شهدت ميادين الثورة نشوء ظاهرة جديدة على البلاد، وهى مستشفيات ميدانية تطوعية بإمكانيات متواضعة لمواجهة الموقف المتفجر فى ظل عجز المنظومة الصحية الرسمية عن ملاحقة الموقف.

كما شهدت قاعات الجامعات والمنظمات غير الحكومية واﻷحزاب نشاطا متوهجا من جماعات الضغط فى المجال الصحى، وتصاعدت اﻷنشطة الدعوية لبرامج الحق فى الصحة ولجانه التى ناقشت محاور اﻹصلاح الصحى عبر حوارات جادة، انتهت بوضع ملامح لسياسات واستراتيجيات جديدة تحدد خريطة طريق إعادة هيكلة النظام وإصلاح محاوره فى تمويل وتنظيم وتقديم الخدمات وفى حوكمته حوكمة رشيدة.

كما ارتفعت اﻷصوات المطالبة بإنشاء لجان لحقوق المرضى والمطالبة بإنشاء مجلس أعلى للصحة يمثل فيه أصحاب المصلحة فى مخرجات النظام الصحى، كما مارست جماعات الضغط آليات المطالبة بالتغيير، مما أدى إلى استبدال قرابة سبعة وزراء للصحة لم يستطيعوا فى أغلبهم مواجهة ضرورات اﻹصلاح أو مواجهة المواقف الملتهبة، سواء ما يتعلق بعلاج فشل المنظومة الصحية فى إجراءات عاجلة ووضع خطط قابلة للتغيير فى المدى المتوسط والطويل، إضافة إلى ما يتعلق بحقوق المرضى أو حقوق مقدمى الخدمات الصحية من أعضاء الفريق الصحى.

وتحقق اﻹنجاز اﻷساسى لجماعات الضغط فى المجال الصحى فى المشاركة الفاعلة فى صياغة مادة 18 لدستور 2014/2013 والتى جاءت إلى حد كبير ملبية لتطلعات وأحلام اﻹصلاحيين فى المجال الصحى، حيث نصت المادة ﻷول مرة فى تاريخنا الحديث على الحق فى الصحة كالتزام على الدولة بضرورة احترامه وحمايته والسعى إلى تنفيذه دون تمييز.

كما نصت بجلاء على التزام الدولة بتخصيص نسبة من اﻹنفاق الحكومى على الصحة، ﻻ تقل عن 3% من الناتج اﻹجمالى المحلى.

كما تلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين، يغطى جميع اﻷمراض وينظم القانون إسهام المواطنين فى اشتراكاته أو إعفائهم منها طبقا لمعدلات دخولهم.

ويجرم اﻻمتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حاﻻت الطوارئ أو الخطر على الحياة.

كما تلتزم الدولة بتحسين أوضاع اﻷطباء وهيئات التمريض والعاملين فى القطاع الصحى إلخ. ما يعد إنجازا غير مسبوق ينتظر أن يتحول إلى حقيقة على أرض الواقع فى المستقبل القريب.

•••

وفى المحصلة النهائية لما حدث فى السنوات اﻷربع الماضية، فيما يتعلق بمجمل الخدمات الصحية التى كانت قائمة، نستطيع اﻹشارة بلا مبالغة إلى أن أغلب هذه التحديات قد تفاقم. فما زالت جهات تقديم الخدمات الصحية فى تبعثرها وتعددها دون تنسيق أو تكامل، وهو ما ينعكس فى هدر الموارد المحدودة، وما زالت معايير اﻹتاحة للحصول على الخدمات تفتقد اﻹنصاف والمساواة، وما زالت التغطية الصحية للسكان بالحماية التأمينية تتسم بالقصور رغم صدور قوانين للتأمين الصحى على المرأة المعيلة واﻷطفال تحت سن المدرسة والفلاحين، وهى فى مجملها قوانين سياسية تفتقد آليات التنفيذ الفعلي!

وما زال اﻹنفاق العام على الرعاية الصحية يتسم بالتدنى فى موازنة 2015/2014 رغم زيادته الرقمية بقيمة تسعة مليارات جنيه، وما زال اﻹنفاق الذاتى غير المنظم وغير المنخرط فى وعاء تأمينى يتجاوز كل المعدلات المقبولة عالميّا ليصل إلى 72% من اﻹنفاق الكلى وما زالت انتهاكات الحق فى الرعاية الصحية وسوء اﻷداء وأخطاء المهنة تصدم اﻷعين والقلوب (حوادث نادين شمس وغيرها) ومسلسلات اﻹهمال وسوء الممارسة تثير اﻷحزان على مصير الضحايا، وما زالت محددات الصحة اﻻجتماعية فى حالها المتدنى الذى يهدد المواطنين باﻷوبئة القديمة والجديدة (إنفلونزا الطيور حصبة) إلخ، تلك التى تخلصت منها الكثير من بلدان العالم، وما زال السوق الطبية تتسم بالفوضى والعشوائية بلا دور للمنظم القوى الذى يخطط لتحقيق ما ورد فى الدستور من قيم العدالة واﻹنصاف.

فهل يناير 2015 من جديد ﻹصلاح النظام الصحى جذريا وحقيقيا؟

•••

إن اﻷنظمة الصحية هى أنظمة شديدة التعقيد وغالبا ما يكون رد فعلها على المبادرات الثورية هو اﻻلتفاف واﻻحتواء، فالمستفيدون من الوضع الراهن أقوياء، وسوف يستمرون فى مقاومة التغيير اللازم.

ورغم أن يناير قد بلور مفاهيم جديدة فى ملف الصحة تستلهم احتياجات المواطنين الحقيقية فى علاقتها بالمؤسسات الصحية التى نشأت إجمالا فى نطاقات سلطوية، حيث كان المواطن دائما هو الطرف اﻷضعف وهو مجال استثمار فى مرضه، فإن تسليع الصحة يخلق ما يسمى فى علم اﻻقتصاد (use over exchange) أو وضع القيمة التبادلية لتوليد اﻷرباح وفائض القيمة وهو ما ﻻ يصح فى صحة وكرامة اﻹنسان، وربما يصح فى صناعة السيارات أو اﻷجهزة المنزلية، وﻷن الفقر كان ولايزال هو السبب اﻷكبر فى المرض فإن الفقر للأسف يعتبر عاملا يتجاوز السيطرة المباشرة للطب ووزير الصحة بطبيعة الحال، لذا برزت ضرورات إنشاء المجلس اﻷعلى للصحة، الذى يضم فى جنباته ووظائفه متغيرات حقيقية، تشمل كل اﻷطراف الفاعلة والمؤثرة فى صنع السياسات الصحية عموما، وفى تحديد الموارد اللازمة ﻹحداث التغيير الحقيقى فى ملف الصحة لينسجم مع شعارات يناير الخالدة: عيش، حرية، كرامة إنسانية.

علاء غنام مسئول الحق فى الصحة فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وخبير فى إصلاح القطاع الصحى
التعليقات