الأربعاء 21 نوفمبر 2018 2:52 ص القاهرة القاهرة 20.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

عودة إلى الشاذلى

نشر فى : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 17 فبراير 2014 - 6:20 ص

كأنه مشهد مقتطع من التراجيديات الإغريقية.

فى اللحظة التى حُمل فيها جثمان الفريق «سعد الدين الشاذلى» قبل ثلاث سنوات على عربة عسكرية فى جنازة مهيبة كانت طائرة الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» تحمله إلى شرم الشيخ مخلوعا من سلطة بقى فيها ثلاثين سنة متصلة.

لم يكن ممكنا للمؤسسة الوطنية العسكرية أن تودع أحد أبرز قادتها فى تاريخها بأكبر قدر من الاحترام لدوره المحورى فى حرب أكتوبر لولا أن «مبارك» قد غادر السلطة فى اليوم نفسه.

فى العلاقة المعقدة بين الرجلين ظلال متداخلة بين «العسكرى» و«السياسى».

كلاهما بخلفية عسكرية وله دوره فى تلك الحرب لكن الخيارات السياسية تناقضت بفداحة.

القصة كلها خارج سياق الحوادث المتدافعة فى بلد قلق على مستقبله، لكن المستقبل نفسه لا يمكن الوصول إليه بسلام إن لم نتعلم شيئا من التاريخ.

ما بين «السياسى» و«العسكرى» فإن تجربة الفريق «الشاذلى» تستحق الوقوف عندها مع قدوم رجل جديد من داخل المؤسسة العسكرية إلى مقدمة المشهد السياسى.

فى ألغاز العلاقة بين «الشاذلى» و«مبارك» طبائع رجال تناقضت، أولهما يمتلك جسارة القرار واعتداده بنفسه ساعده فى صنع أسطورته الخاصة وجلب عليه مشكلات لا نهاية لها طوال تاريخه العسكرى والسياسى معا.. وثانيهما كفء ومنضبط فوجئ فى منتصف السبعينيات بتعيينه نائبا للرئيس رغم أنه لم يعهد عنه اهتمام بالسياسة وقضاياها أو كانت له آراء يحاور فيها آخرين من زملائه العسكريين على ما يقول وزير الإعلام الأسبق «محمد فائق» الذى ربطته به صلة زمالة فى مطلع الخمسينيات.

لا العسكريون على قالب واحد ولا السياسيون من طينة واحدة.

بعد نكسة يونيو (١٩٦٧) ظهر جيل جديد من القادة العسكريين على درجة عالية من الكفاءة وصلوا إلى مناصبهم باعتباراتها قبل أى شىء آخر، فالبلد فى حالة حرب والمهمة يتولاها من يقدر عليها.

هكذا صعد «الشاذلى» إلى رئاسة الأركان وتقدم «مبارك» إلى قيادة القوات الجوية. لم تنطو العلاقة بينهما فى بدايتها على ارتياح متبادل وتحولت بالوقت إلى كراهية متبادلة.

هو أحد الضباط المصريين الكبار الذين امتلكوا رؤية استراتيجية أوسع مما هم مكلفون به ولديه قماشة سياسية. أصاب وأخطأ لكنه بقى رجلا يعتد بشخصيته ومواقفه ولا يبدى استعدادا للتنازل عما يعتقد فيه مهما تكلف من مصاعب وتضحيات.

جلس على مقعد الفريق «عبدالمنعم رياض» رئيس أركان القوات المسلحة الذى استشهد على الجبهة الأمامية فى مارس (١٩٦٩).. وكلاهما امتلك استعدادا لرؤية مسارح القتال فى امتداداتها السياسية والاجتماعية، فلا استراتيجيات معلقة فى الهواء ولا حرب بلا مجتمع يوفر لها ما تحتاجه من تضحيات.

«رياض» انحاز بدرجة أكبر إلى تجربة يوليو. «إذا أردت أن تقول عنه بلغة المصطلحات السياسية التى شاعت بعد رحيله أنه ناصرى فأنت لا تفارق الحقيقة» على ما يقول الأستاذ «محمد حسنين هيكل» بينما «الشاذلى» أقرب إلى الوطنية المصرية بمعناها العام دون أن يكون ناصريا. يحترم تجربتها وزعيمها كأى ضابط وطنى آخر إلا أنه لا ينتسب لمشروعها.

فى اعتقاد «هيكل» فإن أحدا لا يضاهى «رياض» فى سلامة رؤيته الاستراتيجية، فهو ضابط مدفعية ينظر لبعيد ورؤيته ثبت صوابها، فقد ألح على الرئيس «جمال عبدالناصر» ألا يقبل صلحا مع إسرائيل حتى لو أعادت الأراضى المصرية المحتلة كاملة بلا قيد أو شرط فـ«القتال ضرورى لسلامة المجتمع وقيمه الأخلاقية» لكن الإدارة السياسية للحرب أفضت إلى عكس ما طلب وألح عليه.

«الشاذلى» تصادم مع الرئيس «أنور السادات» فى إدارته للحرب للرؤية ذاتها فى خطوطها العامة غير أن جسارته فى أى وقت وتحت كل ظرف نالت من أدوار أكبر يستحقها، والجور على حقه التاريخى.

لنحو أربعة عقود جرت أكبر عملية تزييف ممنهجة لأعظم حروبنا الحديثة. مرة لُخصت بطولاتها وتضحياتها فى «السادات» «بطل الحرب والسلام» ومرة أخرى لخصها خلفه فى «صاحب الضربة الجوية». بإقالة رئيس أركان الحرب الفريق «الشاذلى» وبعدها بفترة وجيزة الرحيل المبكر للمشير «أحمد إسماعيل على» قائدها العام وتغييب صور قادة كبار آخرين استحالت الدراما التاريخية الكبرى فى تاريخنا الحديث إلى مسألة دعائية تبالغ فى دور من يجلس على مقعد الرئاسة وتحاول أن تأخذ من الحرب ما يضفى على سياساته شرعية تفتقدها.

جرى تهميش «الشاذلى» بصورة كاملة فى احتفالات أكتوبر. لم يدع إليها أبدا أحد أبرز أبطالها منذ صدامه الشهير مع الرئيس «السادات» فى إدارة «ثغرة الدفرسوار» أثناء الحرب إلى رحيله عن الحياة كلها فى (١١) فبراير (٢٠١١).. ومسحت صورته من لوحة قيادة الجيش فى غرفة العمليات فى «بانوراما أكتوبر».

الأدهى من ذلك كله أن «مبارك» وضعه فى السجن عقب عودته مباشرة من منفاه الاختيارى بتهمة إفشاء أسرار عسكرية فى مذكراته عن حرب أكتوبر وكاد أن يفعلها مرة أخرى بتهمة تقويض الروح المعنوية فى الجيش.

فى مطلع القرن الجديد ألقى «الشاذلى» محاضرة عن تحديات الأمن القومى بمنتدى يترأسه الدكتور «عبدالعزيز حجازى» رئيس الوزراء الأسبق. انتقد بتوسع الترتيبات الأمنية فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية محذرا من احتمالات اجتياح إسرائيلى لسيناء فى أربع وعشرين ساعة. التحذير نفسه أكده نائب رئيس الجمهورية الأسبق «حسين الشافعى» فى تصريح متزامن.

فى اليوم التالى التقى المشير «محمد حسين طنطاوى» الرئيس الأسبق «مبارك» مشتكيا من تصريحات «الشاذلى» التى نشرتها صحيفة مصرية معارضة وتأثيرها السلبى على الروح المعنوية للقوات المسلحة، فإذا كانت إسرائيل بوسعها احتلال سيناء بيوم واحد فما معنى التدريبات التى تقوم بها القوات المصرية؟

ما حذر منه «الشاذلى» يستند إلى حقائق الترتيبات الأمنية وما قاله «طنطاوى» يدخل فى ضرورات أخرى.

كان يمكن للقصة أن تنتهى عند هذا الحد غير أن حضور «الشاذلى» فيها استدعى تعقيدات علاقاته بـ«مبارك» ووجدت نفسى فى اليوم التالى مستدعى باعتبارى رئيسا لتحرير الجريدة التى نشرت تصريحاته للتحقيق أمام المدعى العام العسكرى.

بدأ اللواء «محمد عبدالعزيز الشيخ» يتلو لائحة الاتهامات واحدا إثر آخر مذكرا بالعقوبات الواردة فى القانون. كانت نبرات صوته حاسمة لكن وقع حروفها انطوى على شىء من عدم الاقتناع بدواعى التحقيق. وبغض النظر عن اعتقادات المدعى العام العسكرى فإن التحقيقات استمرت وهاجس «الشاذلى» حاضر فى الجو العام.

لعبت التطورات الإقليمية دورا جوهريا فى إغلاق الملف الحساس، فقد صعد «إريل شارون» إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية وكان محرجا أمام العالم العربى إحالة نائب رئيس جمهورية أسبق ورئيس أركان حرب أكتوبر وصحفيين لمحاكمة عسكرية بتهم تتعلق بتحذيرات من خطر اجتياح إسرائيلى محتمل.

الفريق «الشاذلى» تابع بوسائله التحقيقات الجارية وألم بأسرارها. ألغى ندوة بنقابة الصحفيين حول كامب ديفيد وترتيباتها الأمنية الخطيرة على سلامة الأمن القومى حتى لا يسوء موقفى معفيا الأطراف كلها من الحرج وبدا ذلك محزنا للغاية فما هو مطلوب بالضبط أن يصمت للأبد.

صمته لم يطل وعاود الكتابة بذات الجريدة «العربى» متابعا بعين عسكرية خبيرة وقائع الحرب على العراق فى عام (٢٠٠٣).

فى مشهد لا يفارق ذاكرتى رأيته قرب الغروب قادما ليسأل عن تفاصيل جرت فى التحقيقات وهو يخرج من سيارته البيجو الزرقاء أمام البوابة الخارجية للجريدة قافزا كمظلى يحتفظ بكامل لياقته البدنية رغم تقدمه فى العمر. فى «الشاذلى» شىء من حيوية التاريخ وفى «مبارك» شىء آخر من بلادته على ما يقول رجل ثالث من داخل المؤسسة نفسها يتطلع إلى دور محورى فى المشاهد السياسية.