الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 5:50 ص القاهرة القاهرة 17.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

القمة تنجح بفلسطين.. أو تربح إسرائيل!

نشر فى : الثلاثاء 17 مارس 2009 - 9:23 م | آخر تحديث : الثلاثاء 17 مارس 2009 - 9:23 م

 ليس مبالغة القول إن مشروع المصالحة بين الفصائل الفلسطينية يقرر نجاح القمة العربية، نهاية الشهر الجارى فى الدوحة، أو فشلها. ففلسطين، بداية وانتهاء، هى السبب فى القمة وليست نتيجتها.

(1)
تكبر القمة فتدانى مستوى فلسطين فى وجدان العرب، فتنجح، كحدث سياسى،أو تتصاغر عنه فتتفجر الخلافات العربية، تحت عناوين شتى، وتنهار القمة دون هدفها، ليكشف انهيارها أن إسرائيل أقوى حضورا فى القمة من فلسطين، مما يحرفها عن المسار الصحيح ويرميها فى هاوية العبث بالقضية المقدسة للعرب أجمعين.

ففلسطين هى نصاب اجتماع العرب وقاعدة انتباههم إلى مستقبلهم، إن هم تواطأوا عليها ــ لتصغيرها بحيث تدانى أحجامهم ــ تفجر اجتماعهم وخاب سعيهم، وإن هم توافقوا عبرها كان ذلك عنوان النجاح وباب النجاة من الوضع الخانق الذى يعيشون فيه أسرى الهوان وافتقاد القدرة على القرار.

ومع أن عناوين القمم العربية كانت متعددة على امتداد تاريخ اعتمادها محطة للتلاقى والتشاور ومحاولة التوافق ولو على السير بخطى أضعفهم، فإن موضوعها الأساسى الدائم كان فى حال القوة: فلسطين، وفى حال الضعف: إسرائيل!

ففلسطين هى المعيار الفعلى لحضور العرب أو غيابهم ــ بانعدام القدرة على التأثير ــ على المستوى الدولى: بها يتأكد وزنهم ودورهم، فإذا ما ضعفوا وغرقوا فى الهوان اجتمعوا على محاولة تصغيرها وتقزيمها ليتحرروا من وهجها ويهربوا من عبئها بالتنازلات الخطيرة.

المعادلة كانت واضحة دائما: يصغر العرب، دورا وتأثيرا، بمقدار ما يبتعدون عن فلسطين ويحاولون التنصل منها، ويكبرون حين يرتفعون إلى مستواها ويؤكدون جدارتهم بالمسئولية عنها بوصفها «القضية المقدسة» فعلا التى عليها يتوقف حضورهم ودورهم فى منطقتهم ومن ثم فى العالم كله.

وفلسطين «القضية» تستعصى على التذويب، ثم إن التجارب على امتداد ستين عاما أو يزيد قد أثبتت أنه يستحيل تصغيرها.

لقد جرب النظام العربى، مرارا وتكرارا، تصغير هذه القضية بقصد استيعابها والتصرف بها.. لكنه كان يفاجأ، فى كل مرة، بأن العالم ينظر إليها بتهيب. إذ إنه يراها بأبعادها الكاملة من خلال مشروعه التدميرى الشامل للوطن العربى (الكبير) ليصير «الشرق الأوسط الجديد» الذى ينسب إلى جغرافية الآخرين فى الغرب، والذى مرتكزه إسرائيل.

(2)
وبهذا المعنى فإن« إسرائيل» هى بديل العرب مجتمعين وليست بديل دولة من دولهم بالذات. ولا مجال للشراكة وتقاسم المقاعد. فإسرائيل مشروع إمبراطورى حقيقى بديل من العرب جميعا، وليست دولة وافدة على المنطقة احتلت بعض أرضها فى فلسطين فاكتفت بها وتطلعت إلى جيرانها تصالحهم وتطلب ودهم وتشاركهم حياتهم وكأنها بعض أهلهم.

إنها تريد وتعمل لأن تأخذ منهم مع الأرض كل ما يجعلهم أمة بدءا بمسيرتهم عبر التاريخ، بمراحله المختلفة، وإنجازاتهم وإسهامهم الحضارى فى السياسة والفن والثقافة والعلم والأدب والفكر وصولا إلى الموسيقى والغناء ــ الموشحات الأندلسية مثلا ــ وانتهاء بأصناف الأكل وبينها الحمص والفول والطعمية (التى يسميها المشارقة الفلافل).

نادرا ما نظر العرب ــ عبر أنظمتهم السياسية ــ إلى فلسطين فرأوها وعرفوها بحجمها الحقيقى، ليس فقط على الأرض، بل فى الوجدان والذاكرة والتاريخ والعقيدة والدين، وليس فقط فى ماضيها، بل فى تأثيرها على حاضرهم ومن ثم على مستقبلهم. ولكى يعرفوا فلسطين حقيقة فإن عليهم أن يعرفوا إسرائيل، فخطورة إسرائيل هى المقياس الأدق لتحديد حجم فلسطين ومدى تأثيرها فى الحاضر والمستقبل.

وهكذا فان بعض الأنظمة العربية قد عرف العدو، أى إسرائيل، فرآه أقوى مما كان يقدر فخافه أكثر مما ينبغى، فهرب إلى مهادنته والصلح معه ولو بشروط غير لائقة ولكنها تضمن السلامة.

وبعض الأنظمة أخذته العزة بالإثم فاستعظم قدراته واستصغر عدوه الإسرائيلى فقرر أن يمضى إلى مواجهته من دون استعداد، أو برغبة فى إحراج منافسيه وخصومه العرب بجرهم إلى المعركة قبل الاستعداد اللازم لمواجهة عدو على هذا المستوى من القوة، فكانت الهزيمة حتمية، لان العدو يمتلك أسباب القوة ماديا وعمليا، عسكريا واقتصاديا، وسياسيا وهذا هو الأخطر لأن هذا العدو يمكنه، ولأسباب متعددة، أن يجمع فى نفسه العالم كله تقريبا.

فالداخل العربى دواخل، ليست موحدة، ولا هى على الطريق إلى الوحدة، والخارج ليس جهات ومناطق، بل عقائد وأفكارا ومصالح قد تتناقض فيما بينها، ولكنها تتقاطع عند المشروع الإسرائيلى بالمصالح كما بالواقعية السياسية المغلفة للأفكار والعقائد.

وهناك بين الأنظمة العربية من رأى فى القضية استثمارا سياسيا، فحاولت أن تبيع وأن تشترى لنفسها مكانة على حساب القضية. ولعلها فى لحظات توهمت أنها قد نجحت فصغرت القضية وجعلتها على مقاسها. لكن فلسطين كانت تفاجئ الجميع أنها أكبر فى الخارج من أن يمكن بيعها، وأكبر فى الداخل من أن يمكن استعمالها سلما للوصول إلى السلطة ثم يجرى تحطيم السلم حتى لا يصعد عليها آخرون.

لكل نظام عربى تجربته مع القضية التى غالبا ما كانت الذريعة للانقلاب وإسقاط السلطة المفرطة بالحقوق أو المنحرفة.

(3)
وليس أكثر من الأنظمة التى أسقطت بسبب اتهامها بالتخلى عن فلسطين إلا تلك، أقامها نفر من الثوار (مخلصين أو مغامرين) مستفيدين من وهج فلسطين.

وبصرف النظر عن الفروق السياسية بين الأنظمة التى كانت قائمة زمن الهزيمة الأولى، سنة 1948، فإن فلسطين كانت الذريعة لأول انقلاب على السلطة السياسية المنتخبة فى سوريا 1949(انقلاب حسنى الزعيم)..

كذلك كانت الهزيمة العسكرية فى مواجهة إسرائيل على أرض فلسطين السبب المباشر والاسم الحركى لثورة 23 يوليو( تموز) 1952فى مصر. وبطبيعة الحال فإن العجز عن مواجهة إسرائيل فى حرب1967كان السبب المباشر فى أخطر هزيمة عسكرية ــ سياسية ــ ثقافية لحقت بالعرب فى العصر الحديث.

برغم ذلك فإن توالى الارتدادات العكسية قد أكد أن العرب لم يغادروا ميدان فلسطين: لا مصر خرجت نهائيا من الميدان ، بل هى عادت إليها بالرغبة فى الثأر لكرامتها (ولفلسطين) عبر حرب الاستنزاف التى بلغت الذروة فى العبور العظيم 1973.

كذلك فإن ثورة مايو 1969فى السودان كانت فلسطين أول شعاراتها، وثورة القذافى فى الفاتح من سبتمبر فى ليبيا 1969كانت «القدس» كلمة السر فيها.

بل إن فلسطين كانت المدخل للتغيير فى سوريا، إذ كانت نجدة المقاومة الفلسطينية المحاصرة فى الأردن، الذريعة للتغيير فى دمشق بالحركة التصحيحية التى قادها حافظ الأسد فى خريف 1970 .

.. وحين انتقلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، بعد اتفاق القاهرة 1969، وبعد الصدامات فى الأردن، والتغيير فى سوريا، صارت بيروت «عاصمة القضية الفلسطينية»، بعد دمشق فى فترة التأسيس، والقاهرة فى مرحلة الوعى بخطورة القضية، وعمان بعد التحول إلى الكفاح المسلح، ولا، لبنان بتكوينه الهش أعجز من أن يتحمل أثقال قضية عظمى بحجم فلسطين فقد كان بديهيا أن يتفجر كيانه المركب عبر حرب أهلية بدأت محلية، ثم صارت عربية ــ عربية، فدولية ــ دولية، حتى اطمأن العدو الإسرائيلى أن الكل مشغول عنه وبه فقام باجتياح لبنان من جنوبه وحتى عاصمته بيروت(التى احترقت ولم ترفع الأعلام البيضاء) فى صيف 1982، مستهدفا طرد المقاومة الفلسطينية، مفترضا أنه بذلك يقضى على فكرة المقاومة وبالتالى على فلسطين، نهائيا.

(4)
لكن فلسطين التى احتل الإسرائيلى أرضها فطرد أهلها منها واصلت حضورها، بل إن قداستها قد تزايدت، ورسوخها فى النفس والفكر والعقيدة قد تعمقت فصار لها من القداسة مثل ما للدين وأكثر.. وهذا بين ما يفسر تحول حركة الكفاح المسلح التى كان لها شعارات عقائدية وطنية وقومية ويسارية وماركسية متطرفة، إلى«الجهاد» بمعناه المقدس.

******
من هنا فإن فلسطين ليست مسألة خارجية: إنها قضية داخلية فى كل بلد عربى.. وهى لا ترتبط فقط بالوجهة السياسية العامة للنظام المعنى، بل إنها تسكن وجدان المواطنين جميعا، سواء منهم المقهورون بذل الهزيمة فى المواجهات السابقة، أو المسكونون بقهر العجز عن تحرير الإرادة لتحرير الأرض، أو المستكينون فى اطمئنانهم إلى أن إسرائيل قد ربحت جولة لأن العرب كانوا غافلين أو مقصرين أو تائهين عن أسباب قوتهم، وأنهم لا بد سينتبهون، غدا أو بعد غد، إلى أن لا وجود لهم ولا قيمة ولا قدرة على استنقاذ مستقبلهم إلا عبر مواجهة المشروع الإسرائيلى لاستعادة حقهم فى أن يكونوا أمة ذات دور وذات تأثير، وذات مستقبل.

إن فلسطين ليست قضية جيل واحد أو جيلين.. إن نضال شعبها يمتد منذ عشرينيات القرن الماضى وحتى اليوم، عبر انتفاضات وإضرابات صارت تاريخا وثورات مسلحة ونضالا سياسيا متصلا، تتبدل أطواره ولكنه لا يتوقف أبدا..

قد يصاب جيل باليأس أو يتهالك فى طلب السلطة أو تتحقق أمنيته فى الشهادة، أو يعفيه التقدم فى السن من مواصلة الجهاد، لكن القضية تكبر ولا تصغر. يأتى الجيل الجديد ليتابع المسيرة، لا من حيث توقف الجيل السابق، بل من حيث كانت البداية أحيانا، ولا يستسلم.

إن العالم كله موجود فى حوار الفلسطينيين والعرب جميعا. لهذا كله فإن حوار الفلسطينيين فى القاهرة وبرعايتها محكوم بالنجاح، حتى لو طال واستطال أياما وأسابيع.

لا هم يستطيعون الخروج منه بفشل قاتل، ولا القاهرة تستطيع أو تقبل أن تتحمل نتيجة الفشل، ولا العرب يستطيعون تحمل هزيمة جديدة من صنعهم هذه المرة ــ فى وجه إسرائيل. ينجح الحوار الفلسطينى فتنجح القاهرة وتنجح القمة العربية، وإلا فهى الطامة الكبرى.

الكل محكوم بالنجاح. الكل أضعف من أن يتحمل نتائج الفشل الجديد.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات