الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 11:19 م القاهرة القاهرة 18.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أسطورة أطلس حامل الكون

نشر فى : الأربعاء 18 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 18 أبريل 2012 - 8:00 ص

 إذا أردت أن تتعرف على حالة الفكر السياسى فى دولة ما، اقرأ بعناية ثم حلل خطب وتصريحات المرشحين لانتخابات الرئاسة أو البرلمان، وتابع بدون انفعال اتجاهات أجهزة الإعلام، وبخاصة الأعمدة الرئيسة فى الصحف وبرامج الفضائيات والمشاركين فيها.

 

 لخصت السطور السابقة نصيحة من صديق أقدر حسه السياسى، وأستطيع أن أزعم أنه من خلال متابعة للقاءات وتصريحات السادة المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية المصرية، وبرامج كلام فضائى اخترتها عشوائيا، أننى كونت فكرة لا بأس بها عن الفكر السياسى السائد بين معظم أفراد الطبقة السياسية التى تستعد لتولى إدارة مستقبل مصر، تماما كما أستطيع الزعم بأننى كونت بالفعل فكرة عامة عن خلاصة تطور اتجاهات الفكر السياسى الأمريكى فى السنوات الأخيرة من خلال متابعتى تفاصيل الحملة الانتخابية الأمريكية.

 

 لا أبالغ إن قلت إن ما توصلت إليه عن أمريكا يمكن أن يثير الر عب فى قلوب كثير من أعضاء النخب فى أوروبا و أمريكا اللاتينية وربما فى أقاليم أخرى. لن يأتى الرعب لمجرد فوز ميت رومنى أو غيره من مرشحى الحزب الجمهورى، بل سيأتى فى كل حال حتى وإن فاز باراك أوباما. لماذا الرعب؟

 

●●●

 

قبل ستين عاما، أو أقل قليلا، كتبت آين راند  Ayn Rand  رواية اشتهرت وجرت طباعتها مرات عديدة وكان عنوانها Atlas Shrugged. ولعلها كانت من المرات النادرة فى التاريخ أن تتحول رواية إلى نظرية فلسفية ومدرسة فكرية تخرج منها الألوف من السياسيين والحكام.

 

 تدور القصة حول دولة اسمها الولايات المتحدة تصادف أن تولت أمورها حكومة تصورت أن من واجباتها التدخل فى الاقتصاد والمجتمع وفرض الضرائب.

 

عاش فى هذه الدولة مجموعة من أصحاب الملايين ناضلوا ضد شعب من «الشحاتين».  بلغ إعجاب الكاتبة بهؤلاء الأغنياء حد تشبيههم بالإله «أطلس» الذى حمل فى الاسطورة على ظهره «الكون». ولكنها تعود فتتهمهم بأنهم ارتكبوا خطأ جسيما عندما انسحبوا من الحرب ضد الفقراء وتركوا الحكومة تتدخل فى شئون الدولة، فسقطت الأمة وكادت الدولة «الولايات المتحدة» تنفرط لولا ظهور بطل شجاع من بين المليونيرات واسمه فى الرواية جون جالت John Galt  ، اشتهر بالجشع المتناهى والأنانية المفرطة، وكلاهما كانا من عناصر القوة التى فرط فيها الأغنياء حين انسحبوا من الحرب فخسروا الثروة والمكانة وانتصر الغوغاء.

 

أطلق البطل حملة بشعار أن الفقراء يجوعون ويموتون بسبب تدخل الحكومة وبرامجها الاجتماعية، وأن الأغنياء يجب أن يستعيدوا صفاتهم الحميدة التى كادوا يفقدونها أمام زحف أفكار ومبادئ شريرة وخطيرة مثل العدالة والمساواة والحقوق. تقول الكاتبة راند، على لسان بطل الرواية، إن الأنانية هى الشىء الطبيعى، أما التنازل لآخرين أو التهادن معهم والتعاطف مع ظروفهم فهو الشر بعينه.

 

لا حق للفقير أن يعيش. الفقراء يستحقون الموت. الأمر الطبيعى فى العلاقات بين البشر هو إيثار النفس وحب الشخص لذاته وليس لأى إنسان آخر. ويجب أن يقتنع الأغنياء بأنهم غير مدينين لأحد أو لبلد بشىء، وأن يعملوا بكل ما أوتوا من ثروات ونفوذ ليختاروا حكومات تقوم بوظائف محدودة ومحددة، وهى الأمن الداخلى والقضاء والجيش ولشىء آخر.

 

 الحكومة غير مسئولة عن الصحة والتعليم والمرافق الأساسية والمواصلات، فهذه جميعا يقوم بها الأغنياء فى حال كان عائدها مجزيا وإلا فلا داعى لها. يجب تلقين أبناء المليونيرات فى مدارسهم ومعابدهم وملاعبهم فكرة إن الفقراء يسعون إلى تحويل أغنياء المجتمع إلى «طفيليات»، ويدفعونهم للعيش داخل أحياء مسورة ومعزولة. من الضرورى العمل باستمرار على غرس الشعور بالاضطهاد فى نفوس الأغنياء، لأن هذا الشعور وحده كاف لإطلاق ملكات الإبداع وتعظيم الثروات. ولم يخف بعض أتباع السيدة راند اعتقاده أن التجربة اليهودية يجب أن تظل مصدر إلهام للأغنياء، فبدون الشعور الدائم عند اليهود بالاضطهاد وفرض العزلة عليهم داخل أحياء تحيط بها الأسوار، ما أبدعوا كأفراد وشعب ودولة.

 

●●●

 

تذكرت السيدة راند الروسية الأصل وروايتها وفلسفتها وأنا أتابع المؤتمرات الانتخابية التى عقدها المرشحون الجمهوريون وبخاصة نوت جينجرتتش وميت رومنى. استمعت بدهشة إلى نداءات من نوع لا حد أدنى للرواتب والدخول، لا للتوسع فى الانفاق على الرعاية الصحية والاجتماعية لغالبية السكان، لا لمساعدة من لا يساعد نفسه، لا إنفاق حكوميا على الطرق والمواصلات والصرف الصحى، لا قوانين تحمى المستهلك، لا قيود على المصانع بحجة تلوث البيئة، لا شفافية فيما يتعلق بميزانية الشركات، لا ضرائب على الدخل الفردي أو أرباح الشركات.

 

تذكرتها وأنا أتابع مؤتمرات «حزب الشاى»، حيث تتردد هذه الشعارات وتختلط مع شعارات دينية وأخلاقية، وتذكرتها وأنا أقرأ مسيرة حياة آلان جرينسبان، الرئيس السابق للمصرف المركزى الأمريكى، المسئول الأكبر عن الأزمة المالية التى هزت العالم فى عام 2007 ومازالت تسقط حكومات وتهز دعائم الاستقرار السياسى الأوروبى. كان جرينسبان يقول إن سعى رجل الأعمال ليحقق أقصى ربح هو «الحماية المؤكدة الوحيدة للمستهلك»، بمعنى آخر يرى أن الجشع هو السبيل الوحيد لحماية المستهلك، وهو صاحب العبارة الشهيرة «الرأسمالية الحرة منظومة أخلاقية متكاملة»، وهو الذى أوقف العمل بالقوانين الرقابية على المصارف وعملاء المال ورفض تعديل نظم الاقتراض، وهو الرفض الذى اعتبره الكثيرون السبب المباشر فى الأزمة المالية الأمريكية.

 

ما لا يعرفه الكثيرون هو أن آلان جرينسبان نشر كتابا بعنوان «الرأسمالية: النموذج المثالى غير المعروف»، اشتركت معه فى كتابته السيدة آين راند، التى استمرت حتى النهاية تطالب بتقليص وظائف الحكومة والتوقف عن مساعدة المحتاجين والفقراء باعتبارهم «نفاية البشر».

 

●●●

 

عاشت السيدة راند طويلا حتى هرمت وتكالبت على جسدها العلل والأمراض، وعجزت عن الاستمرار فى الإنفاق من مالها الخاص على العلاج ولم يتقدم لمساعدتها حواريوها من الأثرياء الذين تعلموا على أيديها التزام الأنانية وإيثار الذات وعدم مساعدة الآخرين.

 

ما لم أكن أعرفه، هو أن السيدة آين راند تقدمت فى سنوات مرضها وعجزها إلى أجهزة فى الحكومة الأمريكية بطلب استصدار بطاقة رعاية اجتماعية وصحية.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.