الجمعة 16 نوفمبر 2018 6:58 م القاهرة القاهرة 20.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

اطمئنان أمريكى وإسرائيلى لتغييب فلسطين

نشر فى : الأربعاء 18 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 18 أبريل 2012 - 8:00 ص

يتقدم الإسلاميون نحو مواقع القرار فى السلطة فى أكثر من بلد عربى، وإن ظلت مصر هى أرض المواجهة الأخطر.

 

وإذا كان قد بات مكررا ومعادا القول إن هؤلاء المحازبين لتيارات إسلامية متباينة الشعار والهدف لم يكونوا هم قادة الانتفاضات التى حشدت الملايين فى «الميدان»، بل ولم يشاركوا فعليا فيها إلا فى وقت متأخر وفى ظروف ملتبسة، فالواقع يؤكد أن هذه القوى كانت تملك ــ بالخبرة التاريخية ــ القدرة على المبادرة وطرح برامجها القديمة بعد إعادة صياغتها بما يتلاءم مع اللحظة السياسية الراهنة.

 

ولقد نجحت التجربة فى تونس، حتى إشعار آخر، لأن الإسلاميين وعوا ومنذ اللحظة الأولى أنهم لن يستطيعوا احتكار السلطة، حتى لو كانوا الأقوى بين التنظيمات السياسية التى قاتلها النظام حتى شرد مناضليها بين المنافى والمعتقلات وقبور الصمت. وهكذا لجأوا وبسرعة خاطفة الى إقامة تحالفات مرتجلة، لكنها تؤمن العبور الآمن إلى مشروع النظام الجديد الذى يجرى استكماله وسط تفجرات للقلق من هيمنة «الأقوى» فى هذه اللحظة، لأنه الأفضل تنظيما وليس الأجدر بأن يكون «القائد» العتيد لتونس الجديدة.

 

ولقد تواضع الإسلاميون فى ليبيا، بفصائلهم المختلفة، فلم يتصدوا لقيادة البلاد المهددة فى وحدة كيانها وقدرة «القيادة» التى استولدها ضغط الخارج (دوليا وعربيا) على تشكيل واجهة سياسية تغطى الاستباحة الأطلسية بالنار لتلك «الدولة» التى تجتمع لحماية تدفق نفطها الى أوروبا دول العالم كله، بذريعة تلبية نداء العجز العربى الذى أطلقته جامعة الدول العربية وأوصلته إلى مجلس الأمن الدولى، فكان ما كان.

 

أما فى المغرب فكان التواضع من جانب العرش، إذ قرر الملك ــ فى لحظة ارتفاع المد الإسلامى هذه ــ أن يستبدل ركيزته السياسية ممثلة، بالأحزاب التقليدية التى دمرتها تجارب تولى السلطة بينما القرار ليس فى يدها، بحزب التنمية والعدالة الذى ارتضى الدخول فى شراكة غير متكافئة لعل المثل الصارخ على اختلالها صور ولى العهد ــ الطفل وكبار القوم، مدنيين وعسكريين، يتزاحمون على تقبيل يده الشريفة!

 

ولأن للإسلاميين فى سوريا صورة غير محببة شعبيا» بسبب من تجاربهم السياسية الملطخة بكثير من دماء الاغتيالات بالرصاص أو بالتكفير»، فى العقود الماضية، فقد اجتهدوا تحت الرعاية التركية ــ أن يعدلوا فى برنامجهم السياسى العتيق، كما فى واجهة قياداتهم، بما قد يجعلهم مقبولين أمريكيًا (ومن أهل النفط)، وقد يدخلهم عصر التغيير من بوابة الديمقراطية.

 

أما فى اليمن فقد وزع الإسلاميون أنفسهم على معسكرى الحكم والمعارضة، ليضمنوا لأنفسهم حصة فى السلطة، كائنا من كان المنتصر تحت رعاية مجلس التعاون الخليجى معززا بالخوف من تنامى القوى التى تنسب نفسها إلى تنظيم القاعدة الذى يحظى برعاية قوى متعارضة، ويتلاقى على أرض «الجنوب» مع المعارضة العائدة إلى ميدان المطالبة بالانفصال وإعادة جمهورية اليمن الديمقراطية بعاصمتها عدن إلى الحياة فى «الجنوب» بعدما كان الظن أن هذا الجنوب قد عاد إلى وطنه الأم فى عام 1990 سلما ثم فى عام 1994 حربا.

 

●●●

 

على أن الامتحان الأخطر لمشروع الإسلاميين، إخوانا وسلفيين، يبقى مصر ومستقبل السلطة بل النظام فيها.. خصوصا أن مصر كانت مهد ولادة «الأخوين العدوين» اللذين يصعب تحديد حقيقة العلاقة بينهما، وهل هى علاقة تنافس قد يصل إلى الخصومة أم علاقة تكامل قد تنتهى الى الشراكة فى مواجهة القوى المنافسة من «العلمانيين» الذين قد يقتضى التكتيك تكفيرهم أو أقله فرض الامتحان اليومى عليهم فى إيمانهم، أمام مجتمع متدين عامة.

 

يتبدى للمراقب، خارج مصر، أن الإسلاميين قد نجحوا فى إثارة فوضى منظمة فى لحظة فاصلة من تاريخ أكبر وأقوى دولة عربية، بينما يعود شعبها إلى الميدان وقد أنهى عصر تغييبه وتهميشه.

 

ويُحار المتابع فى تفسير العلاقات الملتبسة بين الإسلاميين ــ بشقيهم ــ وبين المجلس العسكرى، خصوصا أن تجربة «الميدان» قد كشفت نوعا من التواطؤ بينهما فى مواجهة الشباب الذين فجروا الانتفاضة، وقادوا حركتها على امتداد شهور، حفلت بالعديد من المناورات والتحالفات المريبة والمواجهات، لكنها صبت جميعا فى مصلحة الطرفين، حتى لقد ذهب الظن بالبعض إلى افتراض وجود شراكة من نوع ما، أو من تلاقٍ فى المصالح يتصل بطبيعة نظام المستقبل فى مصر ومواقع الأطراف الفاعلة فيه.

 

ولقد عزز هذا الانطباع قدرا من الرضا الأمريكى، بل الرعاية الأمريكية، كما ذهب البعض إلى الافتراض، لهذا التحالف أو التكامل، ولو مؤقتا وبما يخرج شباب الميدان ــ بتلاوينهم الفكرية والسياسية ــ من دائرة الفعل، مستبقيا لهم شيئا من التمثيل الرمزى، للتدليل على ديمقراطية التحالف المستجد بين الخصمين التاريخيين: العسكر والإخوان.

 

ولقد تأكد هذا التحالف أو فلنعتبره تلاقيا فى المصالح، خلال الإنجاز الأول الذى استولد قيصريا ومشوها، وهو الإعلان الدستورى.. فقد وضع هذا الإعلان ألغاما قاتلة على طريق إنهاء النظام القديم، بل ومكن من مد عمره، خصوصا أنه استتبع بمحاكمة سينمائية للرئيس المخلوع حسنى مبارك ونجليه ولأركان نظامه.

 

لم تكن تلك فترة سماح للنظام القديم برئيسه وأركانه فحسب، بل لقد أمكن خلالها الإفادة من افتراق شباب الميدان، الذين حاولوا استدراك النقص فى تنظيم قواهم وتوحيد صفوفهم لخوض الانتخابات التى فرضت مواعيدها وقوانينها قبل إنجاز الدستور.

 

فى ظل هذه الظروف كان طبيعيا أن يحصد الإسلاميون أكثرية المقاعد فى المجلسين، وأن ينحسر نفوذ شباب الميدان، وأن تتظهر عوامل فرقتهم وتوزعهم على تيارات متقاربة، لكنها غير موحدة، وأن تتبلور حقيقة كانت مطموسة أو مهمشة، وهى أن أجهزة التواصل الحديثة (الإنترنت والتويتر وفيس بوك) لا تُنشىء أحزابا ولا تنفع قاعدة لجبهة سياسية بين قوة شبابية لا تملك الخبرات التنظيمية ولا هى نجحت فى التلاقى على برنامج سياسى موحد يواجهون به جحافل الإسلاميين، إخوانا وسلفيين، الأغنى بالمال والتجربة والتحالفات، فى الداخل والخارج.

 

وفى ظل هذه الظروف كان طبيعيا أيضا أن تتكشف علاقات لم تكن واضحة للمجلس العسكرى ببعض أركان النظام القديم(؟!) الذى لم يصبح قديما بعد، وأن يندفع عدد من هؤلاء إلى إعلان ترشيح أنفسهم للرئاسة فى ظروف مريبة، ووسط تشجيع معلن (بالصوت والصورة) وإحاطة عسكرية اتخذت شكل تظاهرة الشرطة العسكرية فى حماية عمر سليمان وهو ذاهب إلى تقديم ترشيحه.

 

●●●

 

وبغض النظر عن التطورات المقبلة وكيف ستحسم معركة الرئاسة، وأين سيكون موقع المجلس العسكرى ــ أو الجيش ــ فى العهد المقبل، فلابد من التوقف أمام بعض المظاهر المقلقة، ومنها:

 

أن الإسلاميين، إخوانا وسلفيين، قد أكدوا أنهم الأكثر استعدادا لخوض هذه المعركة.. فهم أصحاب الأكثرية فى المجلسين، بما يوحى وكأنهم الأعظم شعبية فى البلاد، ويهمش القوى السياسية الأخرى المختلفة عنهم ومعهم فكريا وسياسيا.. لا سيما وإن الإسلاميين منظمون ومنتظمون خلف مرشحهم كالبنيان المرصوص.

 

ثم إنهم الأغنى ماديا، والأكثر كفاءة فى إدارة المعارك، بمناوراتها وتكتيكاتها التى لا بد منها.. ومما يسهل عليهم الأمر تعدد المرشحين الآخرين، والذين يمكن الطعن فى ولائهم للثورة، باعتبارهم كانوا من أهل بيت «الطاغية».

 

إن سوابق التواطؤ أو التكامل بين العسكر والإسلاميين، منذ بدء الكلام عن تعديل الدستور ثم إجراء الانتخابات، وصولا إلى إرجاء البت بالدستور الجديد قبل معركة الرئاسة، وبحيث تجرى بموجبه، ومن خارج شبهة التواطؤ بين الطرفين، كل ذلك يطلق فى الجو شكوكا وريبة جدية.. حول «مدنية» النظام الجديد وحول ركائز الديمقراطية التى ستعتمد قاعدة له.

 

فى ظل هذه الملابسات من الطبيعى أن تسود فوضى عظيمة فى مصر بأرجائها كافة، وان تتعاظم أسباب قلق المصريين على دولتهم بنظامها الجديد.. ومن الطبيعى أن تتسع دائرة القلق، عربيا، لتشمل جميع الأقطار العربية، سواء حيث انتصر «الميدان» أم حيث ما زال فى طور التحرك سعيا إلى التغيير.

 

ولعل الإسلاميين يعتبرون أن وصولهم إلى السلطة الآن، وبعد نضال استمر طيلة عقود، سواء خلال العهد الملكى، أو بعد اصطدامهم بثورة 23 يوليو، ومن ثم عبر «تحالفهم» أو تواطئهم» مع الرئيس أنور السادات للتخلص من «الناصرين» وصولا الى «تحالفهم المؤقت» مع مبارك، هو انتصار تأخر الاحتفال به لعقيدتهم ولجهادهم الطويل، وقد حان موعد قطف ثماره الشهية.

 

ومن حق الوطنيين داخل مصر، والعروبيين فى مختلف أنحاء الوطن العربى، أن يقلقوا من هذا الهجوم الإسلامى لاحتكار السلطة فيها مع توجيه رسائل تطمين إلى الأمريكيين، وعبرهم إلى الإسرائيليين، فى حين أن هذه التيارات الإسلامية لم تجتهد كثيرا فى طمأنة شباب الميدان، ومن ثم العرب خارج مصر، إلى ثوابت سياستها الوطنية، وأولها فلسطين وهى عنوان المصير المشترك. وفلسطين هى العروبة وهى الإثبات القاطع على نجاح الانتفاضة وانتصار الميدان وفتح الباب أمام المستقبل فى مصر ــ الثورة.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات