الإثنين 19 نوفمبر 2018 6:41 م القاهرة القاهرة 22°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

توسيع كامب ديفيد

نشر فى : الأحد 17 أبريل 2016 - 8:30 م | آخر تحديث : الأحد 17 أبريل 2016 - 8:30 م
بعض ما يجرى فى الظلال يفوق فى أهميته ومدى خطورته مهرجانات الأضواء.

القصة الحقيقية لم تكتب بعد لأزمة جزيرتى «تيران» و«صنافير» الاستراتيجيتين فى البحر الأحمر.

أول اسنتاج مؤكد أن اللعبة أكبر من أن تكون مصرية سعودية وتداعياتها أخطر من أن تتوقف عند سؤال: لمن تبعية الجزيرتين؟

قبل ثمانية أشهر تردد لأول مرة على شاشة الـ«CNN» تعبير: «توسيع كامب ديفيد» منسوبا إلى الرئيس «عبدالفتاح السيسى.

كان التعبير غامضا لا يجد تفسيره فى ظاهر الحوادث.

فى التوقيت نفسه أبدى رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» ضجره من فوق منصة الأمم المتحدة للمدى الذى وصلت إليه السياسات الإسرائيلية فى التنكيل بالفلسطينيين ولوح بتعليق أى التزام بـ«اتفاقية أوسلو».

كان التلويح متسقا مع تفاعلات الحوادث لكنه لم يذهب إلى نهايته ولا حل السلطة الفلسطينية التى أنشئت بموجب «أوسلو».

ورغم أن الرئيسين التقيا فى نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلا أنهما تجنبا التطرق إلى أى حديث عن أية خطوات تالية ولا أخطر أحدهما الآخر بما ينتويه.

كالعادة فى الأحداث المحورية الكبرى تأخذ قصص الظلال وقتا طويلا نسبيا حتى تتكشف كل أسرارها وحساباتها وحقائقها.

بحسب ما هو معروف فإن نقل السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية يستدعى موافقة إسرائيلية صريحة ومباشرة.

نقل السيادة يتجاوز إنزال علم ورفع آخر وإحلال وحدة شرطة بدل أخرى إلى نقل الالتزامات الأمنية وفق الملاحق العسكرية للمعاهدة المصرية الإسرائيلية من مصر إلى السعودية.

هذه مسألة استراتيجية وسياسية وأمنية وليست تطمينات مرسلة على ورق من بعيد.

بحسب ما هو معلن أوصلت السلطات المصرية «رسالة تطمينات» للإسرائيليين موقعة من ولى ولى العهد الأمير «محمد بن سلمان» بعد توقيع مشروع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية.

هذا جانب فى القصة لكنه ليس صلبها ولا حقيقتها، فالاتصالات بين الرياض وتل أبيب جارية دون إعلان وتفاهماتها لا تحتاج إلى قناة إضافية إلا بقدر ما تستكمل القواعد الدبلوماسية فى الإبلاغ الرسمى.

كل شىء رتب مسبقا على مهل فى انتظار طبخة سياسية ما بعد انتهاء الحرب السورية.

بحسب ما هو متاح من معلومات تابعت الإدارة الأمريكية اللعبة من أولها وإسرائيل دخلت فى تفاصيلها دون حاجة لوساطة مصرية تنقل الرسائل والتفاهمات.

بصورة أو أخرى بدت مصر بأحوالها الاقتصادية الصعبة الحلقة الأضعف فى قصص الظلال، لم يستمع أحد تقريبا إلى نداءاتها الخافتة بتأجيل البت فى الملف الحساس.

عندما لم تطرح القضية بشفافية على شعبها تأكد خسارتها مسبقا.

كانت الخسارة مهينة فى الشكل والمضمون للوطنية المصرية.

فى المسائل الاستراتيجية بالغة الحساسية لكل طرف أهدافه وحساباته.

بالنسبة إلى إسرائيل فهى الرابح الأول من اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية والتنازل عن الجزيرتين الاستراتيجيتين.

بتوسيع «كامب ديفيد» يمكنها طرح نفسها طرفا كامل الأهلية فى أية ترتيبات إقليمية تالية.

فى موسم الجوائز والمغارم تتراجع مصر وتتقدم إسرائيل.

قد لا تمثل مصر فى أحوالها الحالية أى تهديد جدى للدولة العبرية، فالبلد منهك وأزماته تحاصره، غير أن نزع الجزيرتين من السيادة المصرية يؤثر بعمق على أية استراتيجية عسكرية مستقبلية فى البحر الأحمر.

وفق هذا التنازل تصبح السعودية لأول مرة منذ تأسيسها مطلع الثلاثينيات من القرن الماضى«دولة جوار» لإسرائيل.

فى سنوات المواجهة العسكرية وصفت «مصر» و«سوريا» و«لبنان» و«الأردن» بـ«دول الطوق» كأنها تحيط بالمعصم الإسرائيلى وتضغط عليه.

أقصى ما كان مطلوبا من السعودية توفير الدعم المالى للذين يقاتلون.

لا يمكن إنكار دورها فى المساندة المالية غير أنه لم يتجاوز تلك الحدود.

طوال سنوات المواجهة العسكرية لم تتحرك السعودية على أى نحو ولا بأية طريقة لتؤكد أن الجزيرتين المحتلتين بعد هزيمة (١٩٦٧) سعوديتان ولا حاولت أن تكون طرفا من قريب أو بعيد من مرمى النيران.

بأية معايير سياسية وأخلاقية فإن الأرض لمن يدافع عنها والسيادة لمن يتقبل راضيا التضحية بالدم.

السيادة بالدم والتضحية لا تقل أهمية عن أحاديث الخرائط والوثائق.

أمور السيادة لا تؤخد بخفة ولا تحسم بصفقات فى الظلال.

وفق التصريحات السعودية فإنها لن تدخل فى اتصالات مباشرة مع إسرائيل، غير أن الحقائق أقوى من الدعايات.

توسيع «كامب ديفيد» يقوض أى طموح سعودى لاكتساب قيادة العالم العربى، فلأدوار القيادة تكاليف وأعباء وإلهام.

رغم التراجع الفادح فى القضية الفلسطينية إلا أنها تظل حتى الآن رمانة الميزان فى حساب ثقل الأدوار.

بنفس النظرة فالخسارة المصرية يصعب ترميمها فى أى مدى منظور.

فى نفس المشهد الإقليمى تبدو تركيا على وشك فتح صفحة جديدة فى العلاقات مع إسرائيل تتجاوز الأزمات السابقة وتتخلى بمقتضاها أنقرة عن أية التزامات جدية تجاه القضية الفلسطينية التى سوغت صعود ظاهرة «أردوجان» فى العالم العربى.

فى لعبة الصعود والتراجع تجد إيران نفسها أمام فرصة لا تعوض لاكتساب المزيد من النفوذ الإقليمى باعتبارها الطرف الأكثر ائتمانا على القضية الفلسطينية.

فى عام (١٩٧٩) دخلت إيران بثورتها الإسلامية معادلات الإقليم بخطاب جديد فى اللحظة التى خرجت فيها مصر بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

الأمر نفسه يتكرر الآن.

حيث تتراجع مصر تتقدم إيران.

فى المرة الأولى، استعادت سيناء منقوصة السيادة.

وفى المرة الثانية، تكاد تضيع الجزيرتين الاستراتيجيتين بلا إدنى محاولة لإثبات الأحقية فيهما أو السعى لطلب التحكيم الدولى حتى تقر الحقوق على نحو صحيح ومقنع فضلا عن الرفض المسبق للاستفتاء وفق ما يحتم الدستور على حقوق السيادة عليهما، فالنتائج معروفه سلفا بقدر شعور المصريين العاديين بالمهانة.

المصريون لن يتقبلوا بسهولة مشاعر المهانة والدونية.

وقد كانت «مظاهرات جمعة الأرض» إشارة رمزية أولى على مخزون الغضب المكبوت.

إذا لم يستمع لصوت المصرى العادى فإن كل المعادلات سوف تتغير بأسرع من أى توقع.

يصعب أن يمر مشروع الاتفاقية بلا أثمان مروعة.

ككرة الثلج سوف تكبر يوما بعد يوم.

قد تعود بعض الأسباب السعودية فى ممارسة الحد الأقصى من الضغوط إلى ترتيبات ما بعد «الملك سلمان» واحتمالات نقل السلطة إلى نجله الأصغر مباشرة باعتباره مهندس استعادة الجزيرتين.

أسوأ السيناريوهات تقويض أية نتائج سياسية ممكنة لزيارة العاهل السعودى إلى العاصمة المصرية وإفساد العلاقات بين الشعبين حيث كان الرهان على فتح صفحة جديدة تؤسس لعلاقات استراتيجية.

لا يشك عاقل واحد فى أهمية بناء علاقات صلبة وصحية بين البلدين الشقيقين.

بسوء فى الحسابات وتقدير العواقب لم يعد ممكنا بناء أى تحالف عسكرى أو قوة مشتركة.

السؤال التقليدى سوف يعيد طرح نفسه: من العدو؟.. وأين الجبهة؟

الإجابة لن تكون فى صالح السعودية ولا نظام الحكم الحالى فى مصر.