الأحد 18 نوفمبر 2018 9:30 م القاهرة القاهرة 22.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

النم الذاتى

نشر فى : الأربعاء 17 يونيو 2015 - 8:55 ص | آخر تحديث : الأربعاء 17 يونيو 2015 - 8:55 ص

نشأنا فى عائلات تحض على الابتعاد عن ممارسة النميمة. كان مجرد الحديث عن شخص فى غيابه أمرا غير محبب، وكان الحديث بالهمس بين اثنين فى حضور جماعة أمرا مذموما. الأمر المؤكد، على كل حال، هو أنه على الرغم من هذا الحض بقيت النميمة عملا يمارسه أغلب الناس. بعض هؤلاء الناس لايزال يشعر بالذنب بعد ممارستها، والبعض الأغلب صار يعتبرها لازمة وضرورة إذا أراد الاحتفاظ بثقة أصدقائه فى الشلة وبالشعبية بين زملائه فى العمل.

***

جدد اهتمامى بموضوع النميمة ما نشرته قبل أسابيع جريدة الديلى ميل نقلا عن جريدة التليجراف، وكلاهما بريطانيتان، تحقيقا عن دراسة قام بها روبين دانبار، الأستاذ بجامعة أوكسفورد عن النميمة، وبخاصة عن النتائج التى توصلت لها الدراسة. يقرر الاستاذ دانبار أن النميمة من أهم الأشياء التى تشترك فى إبقائنا أحياء. تأملت طويلا فى قدر المبالغة المتضمنة فى هذا القرار وبمرور الدقائق وجدت نفسى أقترب من الاقتناع برأيه. النميمة بالنسبة له نشاط تحافظ به أى جماعة بشرية على تماسك نسيجها. نشأت النميمة مع نشأة الجماعة البشرية باعتبارها الأسلوب الأمثل ليتعرف أعضاء الجماعة على أهل الثقة بينهم. يبحث الإنسان دائما عن شخص يثق به، ولن يجد هذا الشخص إلا عن طريق ما يتبادله الناس همسا أو علنا من معلومات عن بعضهم البعض. أداة النميمة، منذ البداية ولاتزال، اللغة. الحيوانات بالتأكيد لا تمارس النميمة لأنها تفتقر إلى اللغة المشتركة. وطالما كانت اللغة خاصية ينفرد بها الإنسان، استطاعت النميمة الاحتفاظ بسمعتها كممارسة ينفرد بها البشر، فهى ليست كالأكل والشرب والجنس، خصائص يشترك فيها الإنسان والحيوان.

***

عشت، منذ الصغر، أتصور أن للنميمة مواقع مثلى للتفريخ وهى فى الوقت نفسه قلاع لحمايتها. لا أنسى منظر اجتماع سيدات العائلة الممتد كل صباح لشرب القهوة. فى هذا الاجتماع كان يجرى تناول الأخبار وتداولها، ثنائيا معظم الوقت وجماعيا بعض الوقت. وفيه أيضا، وأقصد الاجتماع، كان القرار يتخذ وبدون إعلان صريح، أن خبرا بعينه يجب أن يحتل مكان الصدارة فى الترويج، وأن خبرا آخر يحتاج إلى المزيد من الفحص والتدقيق والتأكد من صدقية المصادر لضمان صحته.

ما أشبه هذا الاجتماع النسوى المنعقد كل صباح قبل البدء فى مباشرة مختلف المهام المنزلية، بالاجتماع اليومى الذى يعقده المسئولون عن إصدار صحيفة ورقية. المعلومة وليس أى شىء آخر هى الدافع لهذا الاجتماع اليومى. الاجتماع النسوى كالاجتماع الصحفى هدفهما الوحيد التيقن من صدقية المعلومة وأهميتها قبل نشرها إن ثبتت أهميتها وتأكدت صدقيتها أو وأدها إن هزلت قيمتها أو حملت شرا وتهديدا. البداية واحدة أو على الأقل متشابهة. نميمة تتحول إلى معلومة. لن تستمر الصحيفة فى الصدور إذا توقف سيل النمائم، ولن تبقى «الجماعة» فى البيت والحى والمجتمع متماسكة إذا توقف تدفق الزيت اللازم لتدوير العجلة الاجتماعية، سواء على مستوى العائلة أو العمارة السكنية أو موقع العمل. بمعنى آخر لا تماسك وربما لا حياة لصحيفة أو مجتمع بدون النميمة.

***

قرأت عن قلق شديد ينتاب بعض علماء النفس نتيجة الخوف على مستقبل النميمة من هجمات التطور التكنولوجى المتسارع. يقولون إن الناس لم تعد تجد الوقت لممارسة النميمة. ربات البيوت منشغلات بالتكنولوجيا الحديثة أو بالعمل خارج البيوت، عن اجتماعات قهوة الصباح. لوحظ أيضا وبدهشة كبيرة أن المسئولين عن إصدار الصحف لم يعودوا يهتمون بانعقاد مجلس التحرير، فأكثر المعلومات تناولتها وسائط إعلامية أخرى أسرع وأكفأ. يتردد أيضا أن الصحف لا تجد الأشخاص الأقدر على التحقق من صدق المعلومة قبل نشرها، ويقال فى أوساط الصحافة الأمريكية إن مهنة الصحافة تمر بأصعب مرحلة انتقالية فى حياتها منذ أصبح الحجم الأكبر من المعلومات يتناقله الناس مباشرة عبر وسائط اجتماعية ورقمية مبتكرة دون انتظار صحافة ورقية أو حتى إلكترونية تنقلها أو تنشرها، الخلاصة فى رأى قلة غير متفائلة هى أن النميمة فقدت مكانتها، حين كانت تتألق سحرا وجاذبية بالغموض الذى يلفها.

***

سمعت من يقول ان تراجع دور النميمة وبالتالى تراجع جانب كبير من مهام الصحف، يعود إلى ميل متزايد بين الصحفيين، صغارا وكبارا، لممارسة ظاهرة «الكتابة الذاتية بطريقة السيلفى»، تقليدا لظاهرة التصوير الذاتى السيلفى؟ كتاب وصحفيون كثيرون يفضلون الكتابة عن الذات عن النزول إلى الشارع وإجراء مقابلات والبحث عن معلومات، بالنميمة أو بغيرها. أدى انتشار هذه الظاهرة فى الولايات المتحدة وغيرها إلى انحسار واضح فى أداء الصحفيين، الأمر الذى دفع بالمواطن القارئ إلى النزول إلى حلبة الصحافة ليكتب عن نفسه وعن غيره بنفسه وإلى نفسه.

***

المسألة ليست بالبساطة التى تبدو بها. إذ يسود اعتقاد بين بعض خبراء الإعلام والشبكات الاجتماعية والإعلامية أننا نعيش مرحلة ازدهار قصوى للنميمة، ولكنها النميمة من نوع مختلف وغير مألوف. درجنا على أن نعتبر كل تهامس بين اثنين يعنى إما أنهما يتبادلان التعبير عن عواطف ومشاعر حب وإما يتبادلان معلومات عن طرف غائب. الناس الآن تتبادل المعلومات، بل والعواطف أيضا، بدون أن يتهامسوا أو حتى يتلامسوا، هؤلاء الخبراء يعتبرون الفيسبوك والتويتر والرسائل النصية وعشرات الأدوات الرقمية إنما تعكس نشاطا نميميا يتجاوز أى نشاط نميمى سابق فى أى عصر وفى أى قوم.

***

أليس جديدا أن ما تعرفه الصحف من عديد التفاصيل عن حياة شخصيات فى عالم الفن والتجارة والسياسة وصل إليها عن طريق ما نشره هؤلاء المشاهير عن أنفسهم فى وسائل الاتصال الاجتماعية. هنا أيضا صارت النميمة ممارسة ذاتية، لم يعد هاما أو ضروريا شرط وجود شخصين لإنتاج نميمة، الآن يكفى وجود صفحة على الفيسبوك لتحصل على ما تريد من معلومات عن شخص يمتلك هذه الصفحة. يظن هذا الشخص أنه يهمس من خلالها إلى ذاته، أو لعله مثل أغلب «السيلفيين» يتعمد إشهار نفسه فيصبح هو نفسه مصدر معلومة ومضمونها فى آن واحد.

تظل النميمة التقليدية أفضل وأكفأ ليس فقط لأنها تؤدى وظيفة اجتماعية لها قيمة ودور فى حفظ تماسك الجماعة البشرية، ولكن أيضا لأنها تحمل فى ذاتها آليات التدقيق والتيقن .

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.