الأربعاء 18 أكتوبر 2017 9:21 ص القاهرة القاهرة 22.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

فى انتظار البرامج

نشر فى : الأربعاء 17 أغسطس 2011 - 10:17 ص | آخر تحديث : الأربعاء 17 أغسطس 2011 - 10:17 ص
أملى أن يكون هناك، فى مكان ما، مختبئا وراء كل هذا الانشغال الزاعق حول المبادئ الدستورية، وتشكيل الجمعية التأسيسية، وكل ما يستتبع هذا من أسئلة وإشكاليات لا شك جوهرية فى أهميتها، أملى كبير أن يكون هناك، خلف كل هذا، نشاط من نوع آخر؛ أن تكون هناك مساحة، ميدان، يحدث فيه التلاقى بين مصريين مهنيين، تقنيين، يؤمنون بثورتنا وأهدافها، ويعملون الآن على برامج ومشروعات حقيقية، ملموسة، من شأنها أن تضع أساسات صلبة نبنى عليها المجتمع الذى نحب أن يكون لنا، والتى قامت ثورتنا فى يناير تطلبه وتتمثله ــ وبين النشطاء ورجالات الدولة والعاملين بالسياسة مباشرة.

وأملى أن نرى نتيجة هذا التلاقى فى بلورة لبرامج مفصلة، تعالج قضايانا الحيوية، وبالتالى فى إعلان كل من ينتوى الترشح لمنصب سياسى فى بلادنا، من أحزاب وأفراد، برنامج انتخابى، عملى، واضح المعالم، يطرحه فى وقت قريب، يسمح للكل بدراسته والحشد له قبل الانتخابات التى تظل أملنا رغم العيوب البادية فى الترتيب لها الآن.

هذا ما أتصور أننا بحاجة إليه الآن: طروحات مختلفة حول مشكلات محددة. فحين أذهب لانتخاب من سينوب عنى فى البرلمان، من سيُشَرِّع لى ولأولادى، ومن سيرأس الحكومة التى ستدير دفة الحياة وتصنع السياسات فى بلادى، أريد أن أختار من يتقارب برنامجه أو برنامجها مع رؤيتى، وأريد، أيضا، أن يجد كل ناخب رؤية تقارب رؤيته عند أحد المرشحين. وليدخل إلى البرلمان أو إلى رئاسة الجمهورية الثانية من يتقارب برنامجه مع رؤية العدد الأكبر من المواطنين.

والنقاش حول البرامج والمقترحات العملية هو النقاش والخلاف وحتى «الخناقات» المطلوبة لنا الآن، وهو الفعل الذى سوف تنتج عنه بلورة واتضاح كيانات مجتمعية لها توجهات سياسية حقيقية وواضحة، قابلة للترجمة إلى مشروعات على الأرض، قابلة للتطور، للتعديل، وحتى للتحاور والتآلف مع غيرها.

من المفترض ــ حتى إشعار آخر ــ أن القيم الحاكمة لحياتنا فى الفترة المقبلة، فترة الجمهورية الثانية، هى قيم الكفاية الاقتصادية (عيش!) والحرية والعدالة الاجتماعية، بما يستتبع ذلك من كرامة إنسانية.

فكيف ينوى أصدقاؤنا وزملاؤنا ممن يُعدُّون أنفسهم الآن لدخول البرلمان أو قصر الرئاسة ــ كيف ينوون أن يترجموا هذه القيم إلى ظروف وممارسات واقعية يلمسها فى حياتهم اليومية ٨٤ مليون مواطن مصرى هم من سينتخبهم ويدفع رواتبهم ومصروفاتهم من كدهم ومن عرقهم؟

سمعنا من الدكتور عمرو حلمى رؤية واضحة وعادلة وثورية يرتأيها للدور المرجو لوزارة الصحة ــ بالرغم من أن وزارته وزارة انتقالية. فماذا عن التعليم، مثلا؟ أحب ان اسمع من كل مترشح ما الذى يراه بالنسبة للتعليم: ما هى أولوياته؟ أين سيبدأ؟ ما هى سياساته بالنسبة للمصاريف أو المجانية؟ والمناهج؟ والمبانى؟ والدروس الخصوصية؟ وتدريب وتحفيز المدرسين؟ ومن أين سيأتى بالميزانية لتنفيذ رؤيته؟ ثم ماذا عن المساكن؟ وماذا عن العمالة ــ أو البطالة؟ فى دراسة مهمة عن «هموم واهتمامات المواطن المصرى» للدكتورة ناهد صالح وفريق عمل من المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية (صادر عن المركز فى عام ٢٠٠٨)، نجد نتائج دالة تفيدنا كثيرا فى توجيه سياساتنا اليوم. فنجد مثلا أن فى الإجابة عن سؤال «مع من تشعر بالسعادة؟» تحظى «الأسرة عموما» بـ ٤٩.٩٪، والأبناء بـ ٢٣.٢٪، والأصدقاء بـ١١٪. أما «أين تشعر بالسعادة؟» فيجيب عنه ٧١٪ من المستفتين: «فى البيت» ومع ذلك تأتى «الحاجة إلى المسكن» كثانى احتياج لم يتمكن المواطن من تحقيقه، حيث يذكرها ١٠.٣٪ من المواطنين.

أما الاحتياج الأول فهو «الحصول على عمل» ــ يذكره ١٦.٥٪ من المواطنين، ترتفع نسبتهم إلى ١٩.١٪ إذا أضفنا من ذكروا الحصول على عمل لأبنائهم. وكما تقول الدكتورة ناهد صالح «إذا نظرنا إلى طبيعة هذه الاحتياجات نجد أن غالبيتها تمثل احتياجات أساسية وحقوقا جوهرية للإنسان أكثر منها تطلعات أو طموحات « (ص١٢٦).

أرى منظومة ــ مبهمة الآن لكن أراها ــ تستفيد ممن يعانى البطالة فتقيم المساكن والطرق وتعمر البلاد، تنهض بالتعليم، ترفض الحجر والوصاية على مجالات بحث وصناعة تنموية محورية، تخطط تخطيطا شاملا لمصر لمصلحة المصريين، وتوجِد الأموال الضرورية لهذا فى سيـاسات مالية واقتصادية تنحاز للمحرومين بالقدر الذى يعدل ميزاننا الذى رجحت كفة واحدة فيه إلى درجة أخلت بتوازن عالمنا كله.

ننظر إلى العقد الأخير فنرى محطات: مصر تنتفض استجابة للانتفاضة الفلسطينية عام ٢٠٠٠، مصر تحشد ضد الهجوم المنتوى على العراق عام ٢٠٠٣، مصر تقوم ضد تزوير الانتخابات عام ٢٠٠٥. وتمتلئ السنوات العشر بكفاحات العمال وإضرابات الموظفين، وتكاثر ونمو الحركات الشعبية ضد الفساد وضد الركود وضد التبعية، وتتفاقم أيضا ظاهرة خروج المصريين من ديارهم، سواء، للقادرين، عن طريق التوظف فى الخارج، أو تفعيل آليات الهجرة أو الحصول على جواز سفر بديل، أو، لغير القادرين، عن طريق إلقاء النفس فى البحر الأبيض المتوسط أو الصحراء الغربية لعلها تصل إلى بر يوفر لها حياة أكثر كرامة مما تجد فى وطنها.

كل هذه الظواهر هى رصد واستجابة من الشعب المصرى لمحطات على طريق يساق فيه مجبرا، يبتعد به عن الحياة التى يريدها، والمجتمع الذى يستريح فيه، وعن الصورة التى يرتضيها لنفسه. خروج الناس إلى الشوارع والميادين فى يناير وفبراير كان رفضا لهذا المسار: كان وقوفا جمعيا فى عرض طريق أوشك أن يغَرِّب المصرى عن نفسه، امتناعا تاما عن الاستمرار فيه، وإصرارا على إقصاء ومحاسبة كل من خطط لهذا الطريق، وشقه، وزجنا إليه، وساقنا فيه.

ورفعت الشعارات المبدئية الكبيرة تسجل ما فقدناه وما افتقدناه على هذا الطريق: (سبل) العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتصر على إعادة هذه القيم إلى صدر ومركز الحياة المصرية. ونزلنا إلى الميادين وقدمنا، خلال ثمانية عشر يوما، عرضا ــ كان بالأساس لنا، لأنفسنا ولبعضنا البعض ــ لكيف نرى أنفسنا وكيف نحب أن نكون. ولفت هذا العرض أنظار العالم وصار كالرؤيا لشعوبه وصار حدثا يؤرخ به.

وإذا كنا اليوم نبدو وكأننا ابتعدنا عن هذا الشكل المثالى، فلا ضرر ــ لنعتبره بمثابة «بروفة» أو حتى «قريبا: على هذه الأرض»: إعلانا لما سوف يأتى. كانت العوامل المحركة لنا هى: وحدة الهدف، الإحساس بالقدرة على التأثير فى مجريات الأمور، الإحساس بالرغبة فى الخير للآخرين. وكل هذا سوف يعود حين يشعر الناس بأننا نقف فعلا، شعبا وبرلمانا وحكومة ورئيسا، على بداية طريق نحو مجتمع عادل، نظيف، منتج، نتشارك فيه. أما العنصر المحورى، والذى بدونه لم يكن أحد ينزل إلى الشارع أصلا، فهو التفاؤل. وأزعم أننا متفائلون، رغم العثرات ورغم الغيوم، متفائلون. تقول دراسة المركز القومى للبحوث أن ٦٥٪ من المواطنين توقعوا لمصر «مسـتقبلا أحسن». وكان هذا فى عام ٢٠٠٨ ــ فما بالك بنا الآن فى ٢٠١١؟ التفاؤل واجب وطنى. ونحن فى انتظار البرامج.
التعليقات