الخميس 15 نوفمبر 2018 1:32 م القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

كل هذا الانسداد السياسى

نشر فى : السبت 18 أبريل 2015 - 8:40 ص | آخر تحديث : السبت 18 أبريل 2015 - 8:40 ص
  • القنوات السياسية فى حالة انسداد يكاد يكون كاملًا.. والحوار العام فى حالة مماثلة.

 

هذا ينذر بمخاطر لا يمكن تجنبها وأزمات تطرق الأبواب بقسوة رغم أى تقدم حدث.

فكرة الحوار ذاتها افتقدت صدقيتها واحترامها فى الخطاب الرسمى.

فى الحوار الذى أطلقته الحكومة لتعديل القوانين المنظمة للانتخابات النيابية لم تأبه بأية مقترحات قدمتها الأحزاب والقوى السياسية وتحولت جلساته إلى ما يشبه أعمال السيرك، كل شىء صاخب لكن بلا مهارة وإمتاع.

المشهد نال من هيبة الدولة ومستوى كفاءتها وشكك فى قدرتها على إدارة أية توافقات عامة.

لم يكن هناك جدول أعمال واضح للحوار وتضاربت من فوق منصته تصريحات رئيس الحكومة مع تصريحات وزير العدالة الانتقالية، كأننا أمام حكومتين إحداهما تقول إنها منفتحة على كل المقترحات والأخرى تعلن أن المسألة محسومة مسبقا وأنه لا نية للأخذ بأية مقترحات.

ولم يكن هناك معيار مقنع لاختيار المدعوين للحوار فاختلطت الأوراق بفداحة بين السياسى والأمنى وبين من له حظوظ انتخابية ومن هو هامشى تماما فى أية حسابات.

قوضت المشاحنات، وبعضها مبتذل، أية رهانات على الحوار، أى حوار، كأنه كان مقصودا الإساءة لأية أدوات ديمقراطية.

المعنى أننا ذاهبون إلى انتخابات نيابية بلا أدنى توافق على قوانينها وشكوك قوية فى عوارها السياسى قبل الدستورى.

تعقيم البرلمان من السياسة ينزع عنه أية شرعية دستورية، أيا كانت تصريحات وزير العدالة الانتقالية، وينقل التفاعلات من تحت قبته إلى الشوارع المفتوحة.

وهذا مشروع اضطراب سياسى لا يحتمله بلد منهك يتعافى بالكاد.

ورغم ضعف الأحزاب الذى لا يمارى فيه أحد فإن الحملة عليها تستهدف تقويضها بدلا من تقويتها والنيل من التعددية السياسية والتداول السلمى للسلطة وأية قيمة ديمقراطية أخرى منصوص عليها فى الدستور كأنه قد جرى تعليق العمل به دون إعلان.

أمام مثل هذه الحملات الممنهجة تتراجع فرص التوافق الوطنى فى لحظة صعبة من التاريخ المصرى، فالصراخ الإعلامى لا يؤسس لوعى حقيقى والإقصاء السياسى لا يفضى إلى إرادة عامة.

ما تحتاجه مصر الآن أن تعرف أين تقف بالضبط.. ما الذى أنجزته وما هى التحديات المحدقة.. أين الثغرات المحتملة ولماذا التضحيات التى قد يبذلها مواطنوها حتى يروا ضوءا فى نهاية النفق.

وكل ذلك كلام فى السياسة يستدعى فتح قنوات الحوار لا سدها.

فى الحوار فرصة لاستكشاف مواهب البلد وتجديد نخبها السياسية، والتجديد غير الاصطناع والاقناع غير الفرض.

بمعنى أوضح فإن انفتاح المجال العام يؤدى إلى حلحلة أزمة سياسية مزدوجة تعترض المستقبل المصرى وفرصه فى بناء دولة حديثة.

لا طبقة رجال دولة على شىء من الكفاءة والتماسك فى الوفاء بأدوارها الطبيعية والأداء العام يميل فى الغالب إلى أعمال الهواة.. وهذه حقيقة لا سبيل إلى إنكارها وصداها واصل إلى مراكز القرار فى العالم بأسره.

ولا طبقة سياسية على شىء من الوضوح فى أفكارها وبرامجها والقدرة على العمل والتأثير وتحمل مسئولية التحول إلى مجتمع ديمقراطى حر وإنفاذ القيم الدستورية.. وهذه حقيقة أخرى تنذر بتقويض أية تطلعات لتثبيت الدولة وتأكيد طبيعتها الحديثة.

الانكشاف المزدوج يضع البلد كله أمام المجهول ويصعب التعويل على بقاء الأمر الحالى على ما هو عليه.

فى الحالتين هناك فقر مدقع فى الرؤى والتصورات والأفكار وغياب شبه كامل لأى معنى جدى فى العمل السياسى.. كأنه يمكن التخلص من صداعه ببعض العقاقير البيروقراطية والأمنية.

من حقنا أن ننظر فى المرآة ونطل على الحقائق التى يعرفها العالم وهو يراهن على صعود مصرى جديد لأسباب تتعلق بالموقع الجغرافى وأهميته القصوى على خرائط الإقليم.

ومن واجبنا أن نصحح ما هو مختل لا أن نكابر فيما لا تصح فيه المكابرة.

الفراغ السياسى كالتجويف فى أى بناء، قد تراه قويا لكنه لا يصمد لأية زلازل محتملة.

فى غياب التصورات والأفكار الملهمة تتصاعد مخاوف العودة إلى الماضى وسياساته ماثلة فيما هو معتمد الآن اقتصاديا، وهذا نذير باحتمال الدخول فى احتجاجات اجتماعية لا قبل لأحد على تحمل فواتيرها.

سؤال العدالة الاجتماعية يسبق غيره من الأسئلة وغياب الحوار العام قد يفتح أبواب جهنم على البلد كله إذا ما رفعت شريحة أخرى من دعم الطاقة بينما تتمتع «رأسمالية مبارك» بكل الإعفاءات والمميزات باسم دعم الاستثمار.

الكلام فى العدل الاجتماعى هو كلام فى السياسة والأمن والحرب على الإرهاب.

الحكومة تعترف أنها ليست سياسية وأن وزراءها اختيروا وفق معايير القدرة على العمل والإنجاز، بعض الكلام أقرب إلى الصحة فليس من الضرورى أن يكون الوزير سياسيا بالمعنى الحزبى وقد تزكيه خبراته الفنية فى تخصصه لتولى منصبه وبعض الكلام أقرب إلى التهويم، فالمنصب التنفيذى بطبيعته هو منصب سياسى.

من مسئولية السلطة، أية سلطة، أن تضع أجندة الحوار العام قبل أية أطراف أخرى، وهذه مسئولية تكاد تغيب تماما.

باليقين فهناك اختراقات حقيقية فى أكثر من ملف غير أن كل تقدم وراءه ثغرة من ملفات الأمن القومى الضاغطة إلى قضايا المواطنين العاديين التى تتعلق بحياتهم اليومية.

بمعنى آخر لا يوجد سياق سياسى يضمن التماسك الوطنى الضرورى فى لحظة تحديات كبرى.

تغلق القنوات السياسية حيث يجب أن تفتح ويتعطل الحوار العام حيث يجب أن يحضر.

فى الأزمات الوجودية التى تتعرض لها مصر على حدودها المباشرة أو عند منابع النيل لا حوار جدى من أى نوع مع أية قوى سياسية يبين الحقائق ويساعد على أوسع توافقات وطنية ممكنة، ولا هناك حوار فى الأزمة اليمنية وحدود الدور المصرى فيها، ما هو ضرورى وما هو محظور، وذلك كله موضوع أزمات داخلية محتملة إذا اختلت الحسابات.

فى حرب ضارية مع الإرهاب لا تصلح الوسائل الأمنية وحدها، والكلام العام عن أننا صامدون فى مواجهته وقادرون على دحره فى النهاية صحيح فى مجمله لكنه يفتقد إلى أية تفسير مقنع لأسباب ارتفاع وتيرة عملياته فى سيناء والداخل معا رغم كل الدماء والتضحيات التى بذلت.

فى غياب السياسة تقدم الإعلام لملء الفراغ، غير أنه افتقد لعوامل كثيرة قوة دفعه واستحال إلى نوع من الهيستيريا التى لا تقنع أحدا أن هناك دولة تثق فى نفسها وفى شعبها وبات عبئا على نظام الحكم.

بعبارة واحدة فإن الانسداد السياسى هو «كعب أخيل» الذى تنفذ منه كل السهام.