الجمعة 21 سبتمبر 2018 6:53 م القاهرة القاهرة 30.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

تغير الخريطة السياسية فى مصر

نشر فى : الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 19 يونيو 2012 - 8:00 ص

فى أسبوع واحد تغيرت الخريطة السياسية لمصر تغيرا جذريا ومتسارعا لم يكن احد يتصوره، وذلك بصدور حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وقيام المجلس العسكرى بإصدار إعلان دستورى تكميلى، وظهور مؤشرات اولية على فوز محمد مرسى فى انتخابات رئاسة الجمهورية (هذا المقال مكتوب قبل إعلان النتيجة النهائية). ومع اهمية تحليل نتائج الانتخابات الرئاسية فى حد ذاتها، إلا أن تقديرى ان التغير العام فى الخريطة السياسية أهم بكثير من مجرد فوز مرشح على آخر، وان استيعاب هذه الخريطة ضرورى من أجل وضع أولويات سليمة للمرحلة المقبلة.

 

أهم ما يميز اللحظة الراهنة هو التركيز الكامل للسلطة فى يد المجلس العسكرى. فبصدور حكم حل مجلس الشعب انتقلت اليه سلطة التشريع وصار مرة أخرى الجهة الوحيدة المختصة بإصدار القوانين (بما فيها قانون الموازنة العامة الجديدة). كذلك فبموجب الإعلان الدستورى المكمل الصادر أمس الأول يمكن ان تنتقل إليه أيضا صلاحية تشكيل الجمعية التأسيسية التى سوف تكتب الدستور بعد ان كانت من صلاحيات البرلمان إذا تعثرت الجمعية الحالية (حسب فهمى من المنشور فى الصحافة). فإذا أضفنا إلى ما سبق ان المجلس العسكرى لايزال مسئولا بشكل فعلى وكامل عن إدارة شئون البلاد وعن أعمال السلطة التنفيذية، وان رئيسه أصبح هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتبين ان المجلس العسكرى صار قابضا على جميع الصلاحيات التنفيذية والتأسيسية والتشريعية والعسكرية فى البلد، وهذا تحول وخروج بالغ الأهمية عن المسار الديمقراطى الذى كان مقدرا ان يكتمل مع نهاية المرحلة الانتقالية. قد يقال ان ما حدث مجرد عودة للوضع الذى تلا تنحى الرئيس السابق فى فبراير من العام الماضى حينما اجتمعت الصلاحيات التشريعية والتنفيذية فى المجلس العسكرى، واننا بالتالى «نبدأ من جديد». ولكن المقارنة غير سليمة لأن الفراغ المفاجئ فى الحكم فى أعقاب تنحى الرئيس السابق جعل من الضرورى وقتها ان تنتقل السلطات كلها إلى المجلس العسكرى بوصفه المؤسسة الوحيدة القائمة وقتئذ بينما نحن الآن فى منتصف طريق التحول الديمقراطى الذى يفترض ان يؤدى لتوزيع وتوازن السلطات لا إلى عودة تركزها فى جهة واحدة. يضاف إلى ذلك ان الوضع الحالى يعيد الجدول الزمنى لاستكمال انتقال السلطة إلى الحكم المدنى إلى حالة جديدة من الغموض، بعد ان كان نهاية يونيو الحالى تاريخا مستقرا ومقبولا من الناس.

 

من جهة أخرى، وفى اطار رسم الخريطة السياسية الجديدة، فإن رئيس الجمهورية لن يكون بوسعه ان يشكل عنصر توازن فى مواجهة تركز السلطات فى يد المجلس العسكرى برغم انه سيكون رئيسا منتخبا من الشعب بشكل حر ومباشر، لأن صلاحياته ستظل محدودة للغاية بسبب عدم وجود نص دستورى يوضح هذه الصلاحيات فى الوقت الحالى، ولأن الذى سيتحكم فى تشكيل الجمعية التأسيسية التى ستكتب الدستور هو أيضا المجلس العسكرى. صحيح ان الرئيس القادم ستكون له سلطة تعيين الحكومة وعزلها، ولكن يصعب تصور ان يكون ذلك بمعزل عن رغبة وتوجيه المجلس صاحب السلطات الفعلية كلها. فإذا أضفنا إلى ما سبق ان الرئيس الجديد سيأتى على اساس حصوله على ما يزيد بقليل على نصف أصوات الناخبين وبالتالى انه يعبر عن انقسام بالغ فى المجتمع، ولو أخذنا فى اعتبارنا ان الإعلان الدستورى المكمل ينزع عنه سلطة رئاسة الجيش ولا يمنحه أية سلطات تنفيذية محددة، لأدركنا انه سيكون رئيسا شرفيا إلى حد كبير، وان سلطة الحكم بمفهومها الواقعى ستكون فى مكان آخر.

 

من التغيرات الكبرى التى علينا ان ندركها أيضا انه حينما تركزت السلطات لدى المجلس العسكرى فى اعقاب التنحى، كان هناك عنصر توازن مهم وهو الملايين من جماهير الثورة التى كانت لاتزال تشغل الميادين وتذكر من بيده الحكم ان إرادة الشعب هى مصدر الشرعية وان الجماهير قادرة على تصحيح أى انحراف فى المسار، على الأقل من وجهة نظرها. نحن الآن أمام وضع مختلف تماما، وبدلا من ان يكون اجتماع السلطات لدى المجلس العسكرى مصدرا للقلق ومحلا للرفض من الناس باعتباره يتعارض مع آمالهم فى مولد نظام ديمقراطى حقيقى، فإنه فى تقديرى (وبشكل انطباعى لا تدعمه أرقام ولا معلومات محددة) تحول إلى مصدر ارتياح وترحيب لدى قطاعات واسعة من الشعب المصرى بسبب حالة الخوف السائدة فى المجتمع، الخوف من عدم الاستقرار، ومن الانهيار الاقتصادى، ومن الوضع الأمنى، ومن نقص الوقود، ومن الطائفية، ومن الشلل الحكومى، ومن غياب قيادة للبلد يثق فيها الناس، وهى نتيجة مؤسفة ولكن يلزم تقديرها واستيعاب أهميتها والتعامل معها باعتبارها جزءا من الواقع السياسى الذى نعيشه.

 

معنى ذلك كله اننا نجد انفسنا، ونحن فى نهاية المرحلة الانتقالية التى كان يفترض ان تنتهى ببناء مؤسسات الجمهورية الديمقراطية وانتقال السلطة إلى الحكم المدنى، أمام وضع معاكس تماما، إذ لا برلمان، ولا جمعية تأسيسية، ولا دستور جديدا، والرئيس القادم بلا صلاحيات، والجماهير القادرة على إحداث توازن غائبة عن الساحة، وكل ذلك موضع ترحيب من قطاعات واسعة فى المجتمع. هذا وضع مؤسف والمسئولية فيه تقع على كل الأطراف: على المجلس العسكرى أولا لأنه كان ولايزال المسئول عن إدارة البلاد وعن تردى الوضع الأمنى والاقتصادى الذى دفع بالناس إلى اليأس من التغيير ومن الديمقراطية، ولأنه أيضا المسئول عن حالة الفوضى الدستورية العارمة التى انتابت المرحلة الانتقالية وكانت نتيجتها المباشرة الحكم بعدم دستورية قانون الانتخاب ويبدو انها سوف تستمر فى ظل الإعلان الدستورى المكمل. وجماعة الإخوان المسلمين مسئولة أيضا لأنها فى اللحظة التاريخية التى سنحت لها لكى تتحول من تنظيم سرى إلى حزب سياسى ومن قوة معارضة إلى القيادة والحكم لم تتمكن من الارتفاع لمستوى المسئولية والتعامل مع قوى المجتمع وتنوعه ومطالبه برغبة حقيقية فى المشاركة والتعاون بل أظهرت ميلا للانفراد بالقرار وللإقصاء لمسه الناس بسرعة بالغة وعبروا عن استيائهم منه. والتيار المدنى الواسع عليه مسئولية أيضا بسبب تفرقه وتشتته بين عشرات الأحزاب ومرشحى الرئاسة والمواقف المتضاربة والتجاهل التام لمشاعر المواطنين الباحثين عن حلول لمشاكل يومية ملحة، ثم الاندفاع غير المحسوب نحو تقسيم المجتمع إلى فريق إسلامى وآخر مدنى وكان هذه هى القضية الوحيدة المطروحة فى المجتمع.

 

النتيجة اننا فى الحقيقة ــ وبعد عام ونصف ــ قد عدنا إلى نقطة البداية أو ما دونها، وهذا يتطلب من جميع القوى السياسية ان تعيد حساباتها وان تعيد تقييم تجربتها خلال العام الماضى وان تعود إلى اتفاق على أمر واحد على الأقل، ولو استمر خلافها على باقى الأمور، وهو ضرورة اعادة الديمقراطية الناشئة إلى مسارها الصحيح، مهما كانت التضحيات ومهما كان القدر المطلوب من الاعتراف بالأخطاء السابقة. يجب ان يتم تشكيل جمعية تأسيسية تعبر عن رأى المجتمع بشكل سليم وليس عن الإرادة المنفردة لا للتيار الإسلامى وحده ولا للمجلس العسكرى بمفرده. ويجب ان يعاد انتخاب برلمان بأسرع وقت ممكن حتى ينتزع للشعب مرة أخرى حقه الأصيل فى ان تكون سلطة التشريع بيد نوابه المنتخبين وحدهم. وعلينا ان نضغط بكل قوة لكى تتحدد سريعا وبوضوح صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب. وعلينا أخيرا ان نسعى لبناء أحزاب أقوى وأكثر تنظيما ووضوحا فى المواقف والبرامج. اليوم نجد أنفسنا ليس فى نهاية المرحلة الانتقالية التى كنا نتمنى انتهاءها بشكل إيجابى، بل فى مطلع مرحلة انتقالية ثانية ستكون اكثر صعوبة وأكثر غموضا لو لم تتحد القوى السياسية فورا وراء العمل على إنقاذ الديمقراطية الوليدة فى مصر.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.