الأحد 18 نوفمبر 2018 5:31 م القاهرة القاهرة 23.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

للحقيقة صدمة أخرى

نشر فى : السبت 19 أبريل 2014 - 9:25 ص | آخر تحديث : السبت 19 أبريل 2014 - 9:25 ص

للحقيقة صدمتها لكنها ضرورية لتجاوز أزمة اقتصادية وصلت إلى تخوم الإفلاس. وهناك احتمالات لصدمة أخرى تأخذ من البلد تطلعه لرفع المظالم الاجتماعية التى استدعت ثورتين.

من ناحية اقتصادية فإن خفض الأحمال على فاتورة دعم الطاقة مسألة لا مفر منها ومن ناحية اجتماعية فإنه يترتب على أية إجراءات جراحية أعباء اجتماعية جديدة فوق طاقة التحمل. بين خفض الأحمال وطاقة التحمل سؤال بلا إجابة: من يدفع تكاليف الإصلاح المالى والاقتصادى المقبل؟.

هناك فارق جوهرى بين دعوة الرأى العام لتقبل صدمة الحقيقة وبين المراوغة فى متطلبات العدل الاجتماعى.

الحقائق بأرقامها تقول إن عجز الموازنة يزيد على نحو مضطرد ومعدل الدين العام يرتفع بصورة خطيرة والدعم يستهلك ربع إجمالى النفقات العامة والمصانع شبه معطلة والسياحة شبه متوقفة والنمو الاقتصادى أقل مما يحتاجه المجتمع لخلق فرص عمل جديدة.

بلغة الأرقام نفسها فإن نسب الفقر تجاوزت أية حدود فربع السكان يفتقدون أية شروط إنسانية للحياة والنسب تتضاعف فى مناطق الصعيد المهمل، ومعدلات البطالة فاقت قدرة أى مجتمع على التماسك وتنذر بنتائج اجتماعية وسياسية وأمنية وخيمة.

عندما يكون (٤٠٪) تقريبا من الشرائح السنية الشابة عاطلون فإننا أمام مجتمع عاطل يخاصم فرصه فى المستقبل ويخصم من قدرته على تجفيف الإرهاب وحصاره.

الأرقام المعلنة تعطى فكرة عن الحقيقة لكنها لا تعكسها تماما. المواطن العادى يعاينها بنفسه فى الأسواق وحركة البيع والشراء ووطأة الحياة اليومية دون مذكرات رسمية ترصدها فى جداول.

وهو مستعد، على ما تراهن التصريحات الرسمية المتواترة، لتحمل صدمة الحقيقة وتكاليفها لكن بغير الطريقة التى تنتهجها الحكومة الآن.

تحت وطأة التصدعات الاقتصادية المتفاقمة، وأزمات الوقود تتصدرها، فإن المواجهة تقتضى مصارحة كاملة بالخطط الحكومية دون اللجوء إلى العبارات المستهلكة التى تطلق عليها أوصاف «ترشيد الدعم» و«تحريك الأسعار» و«وصول الدعم لمستحقيه» و«عدم الإضرار بمحدودى الدخل».

الكلام عن رفع الدعم واضح وصريح والإجراءات تلازمه والكلام الآخر مراوغ ومخاتل بلا دليل جدى عليه.

بمعنى آخر فإن الحماية الاجتماعية غائبة للطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقرا وعوزا وتكاليف الإصلاح الضرورى سوف تتحملها كالعادة هذه الفئات قبل غيرها، فأسعار السلع الأساسية سوف ترتفع ومعدلات التضخم سوف تجهز على أية معنى للحياة الإنسانية.

هناك كلام رسمى عن توسيع قاعدة المستفيدين من معاش الضمان الاجتماعى وكلام آخر عن الكروت الذكية فى الحصول العادل على الطاقة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام لتصحيح الأوضاع التعليمية والصحية المتدهورة بعوائد ما يجرى خصمه من فاتورة دعم الطاقة لكنه يفتقد أية صدقية.

العدالة تقتضى أن تكون الإجراءات متزامنة على الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية تخفف الأحمال المالية ولا تلقى بأعباء جديدة على مجتمع يئن.

أسوأ ما فى الاقتراب الضرورى من ملف الطاقة أن يجرى بالعقلية القديمة التى أطاحت بنظام «حسنى مبارك» أو عشوائية الهواة التى قضت على حكم الإخوان المسلمين.

الملف نفسه مزمن لا هو جديد ولا فكره مختلف عما تبنته الحكومات المصرية المتعاقبة التى وجلت من تكاليفه السياسية والاجتماعية والأمنية.

مكاشفة المجتمع بحقائق الموقف الاقتصادى إيجابى حتى يكون طرفا فى تحمل المسئولية وأعبائها لكنها قد تتحول بقصر نظر إلى وسيلة تستدعى بها الخطط القديمة من الأدراج دون حوار جدى يضمن سلامة المجتمع وأمنه بإجراءات حماية اجتماعية ملزمة قبل رفع الدعم عن الطاقة.

المجتمعات تتكاشف بالحقائق وتتحمل صدمتها سعيا لحلحلة أزماتها لا التورط فى أزمات أفدح.

والمصارحة لا تعنى على أى نحو إعلان نصف الحقيقة وإخفاء النصف الآخر، فهناك طلب على رفع الدعم عن الطاقة لتوفيق الأوضاع مع صندوق النقد الدولى، وسواء جرت مشاورات معه قبل الإعلان عن هذه الخطوة أو لم تجر فإن النتائج واحدة.

هذا طلب رئيسى للصندوق وجرت الاستجابة له.

وهناك طلب خليجى مماثل من الدول التى ساعدت بإمداداتها البترولية على خفض مستويات الأزمة فمن غير المتصور أن تستمر المساعدات إلى غير أجل.

روشتة صندوق النقد الدولى لا تأبه بالضمانات الاجتماعية. وهنا منزلق جديد فى بلد العدالة الاجتماعية قضيته الأكثر إلحاحا.

الكلام الإنشائى أن الشعب مستعد للتضحية وقادر على المعجزات أقرب إلى أوهام تخامر أصحابها، فالناس تضحى عندما ترى أمامها مصلحة عامة تتصدر ما عداها وأملا فى المستقبل وتحسن الأحوال وأن التكاليف لا يتحملها كالعادة الفقراء والمعوزون.

تجربة «جمال عبدالناصر» ملهمة فى مواجهة الحصار الاقتصادى الغربى الذى تعرضت له مصر فى الخمسينيات.

دعا فى خطاب علنى إلى التقشف والتحمل، وأخذ يضرب أمثلة بخفض استهلاك السكر فى أكواب الشاى واستبدال «الفريك» بالأرز، وكلما ضرب مثلا بسيطا على قدرة تحمل المصريين أكدت الهتافات أنها ماضية معه حتى نهاية التحدى. كتب الشاعر الكبير «صلاح جاهين» أغنية أنشدها «عبدالحليم حافظ» عن الحصار الاقتصادى وتحديه. كانت مصر تبنى مستقبلها والناس تصدقه.

مسألة بناء المستقبل حاسمة فى التقبل الشعبى لأية إجراءات جراحية، أما الإقدام على أية إجراءات جراحية بلا توافق وطنى واسع وخطط معلنة تخفف وطأتها الاجتماعية فهو «عمل انتحارى» يقوض الثقة العامة فى الحكم الانتقالى وما بعده.

ربما ترى الحكومة الحالية أن الوقت حان للتخلص مرة واحدة وللأبد من «عقدة ١٩٧٧»، ففى يناير من ذلك العام أصدر الرئيس الأسبق «أنور السادات» قرارات اقتصادية مفاجئة رفعت أسعار السلع الرئيسية وبينها الخبز والوقود. نشرت الصحف على صفحاتها الأولى جداول الأسعار الجديدة. كانت صدمة رفع الأسعار هائلة بالمعنيين السياسى والاجتماعى وقوضت شرعية الحكم كله وكادت تطيحه بمظاهرات مليونية سدت شوارع العاصمة وانتقلت شراراتها إلى مناطق أخرى باتساع الخريطة المصرية.

فقد الأمن سيطرته بصورة كاملة واضطر «السادات» إلى إلغاء رفع الأسعار قبل نزول الجيش إلى الشوارع المضطربة وفرض حظر التجوال فيها.

العقدة استحكمت وتحولت بمضى الوقت إلى «عقيدة أمنية».. والحكومات المتعاقبة تجنبت أية إجراءات مفاجئة ولجأت إلى وسائل جديدة لتمرير السياسات نفسها ودفع نظام الحكم فى النهاية ثمنا باهظا لاستهتاره بشعبه وحقوقه الاجتماعية.

لم يكن أحد فى مواقع القرار بعد يناير (٧٧) مستعد لأسباب أمنية قبل أية أسباب أخرى أن يكرر الخطأ نفسه لكنه لم يكن مهيأ أن ينظر فى المظالم الاجتماعية التى تنهش فى مواطنيه.

الظروف تختلف والتاريخ لا يعيد نفسه لكن دروسه تظل ماثلة وأى استهتار مماثل ثمنه فادح. التضحيات ممكنة بشرط خفض الظلم الاجتماعى وأن يكون الأمل فى المستقبل له أساس يستند عليه فى خطط معلنة.

هناك توقعات متواترة أن الاقتصاد المصرى مرشح للخروج من أزمته فى غضون ثلاثة أعوام وأنه قد يضخ فى شرايينه خلال هذه الفترة نحو (٧٠) مليار دولار لكن من يدفع تكاليف الإصلاح المالى والاقتصادى؟.

هذا هو السؤال المحورى فى القصة كلها، فقد حقق «نظام مبارك» معدلات مرتفع فى النمو الاقتصادى ومعدلات مرتفعة أخرى فى الفقر المدقع.. وكانت نهاياته فى خياراته.