الأحد 18 نوفمبر 2018 5:34 م القاهرة القاهرة 23.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إسقاط العروبة بالإسلام السياسى

نشر فى : الأربعاء 19 يونيو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 19 يونيو 2013 - 8:00 ص

تتعرض العروبة، فكرة وعقيدة وهوية، لحملة شرسة تصورها بدعة مستوردة، تارة، وترى فيها طورا تزويرا للهوية الإسلامية لهذه المنطقة التى لا يستطيع الإسلاميون إنكار أنها فى الأصل «عربية» وإن كانت أكثرية العرب من المسلمين، لكن للمؤمنين بالمسيحية واليهودية وحتى للأقليات المعدودة من المنتمين إلى عقائد أو مذاهب سابقة على الأديان السماوية (الأزدية مثلا) مكانهم ومكانتهم فى المجتمعات العربية.

 

ولقد تبلورت فكرة العروبة عبر مقاومة الجهود الاستعمارية خلال عصور طويلة من المنازعات والمواجهات بين «الأقوى» من الدول الأجنبية التى تقاسمت الأرض العربية وقد توزعها أمراء وقادة من المماليك بعد انهيار الخلافة العباسية التى كانت نظريا تمثل امتدادا للصيغة الإسلامية للحكم بعدما بات الإسلام مصدر السلطة.

 

وهكذا فقد كانت العروبة مشروع توحيد الأمة أما الإسلام السياسى بنسخه المتطرفة إلى حد تدمير الذات فقد تجاوز بخطره حد تدمير فكرة الأمة بهويتها العربية إلى تدمير مكوّناتها، فضلا عن أنه حمّل الدين الحنيف من أخطاء التصنيم والتفسير المغرض ما لا يطيق.

 

وليس من المبالغة القول إن النسخ المتعددة والمتعارضة والمشوّهة والمشبوهة لتنظيمات الإسلام السياسى، بأصولياته وسلفياته وعدائيته لتقدم المجتمعات واندفاعاته المرتجلة إلى اتهامها بالكفر، تتهددها بالتدمير لا سيما وأنه ينسب لنفسه دور المرجعية النهائية ليس للدين فقط بل لكل ما يتصل بالقيم والمبادئ والسلوك الإنسانى فى الحياة وبعد الموت.. وقبل ذلك كله وبعده: السياسة!

 

إن أولى النتائج وأخطرها لهذه الممارسات التى تتزايد حدة وعنفا يوما بعد يوم تتجلى فى تفسخ المجتمعات الوطنية والقومية بعدما ضربت تنظيمات الإسلام السياسى، إخوانية وسلفية، لحمة الشعب الواحد باستخدام تفسيرات هجينة للقيم الدينية التى تحض على الوحدة فى إطار القيم والمصالح وسلامة الوطن الذى يكون لأبنائه جميعا أو لا يكون أبدا.

 

من أين تجىء بدعة المفاضلة بين الدين والوطن بين وحدة المجتمع على قاعدة الأخوة والشراكة فى المصير وبين تقسيمه إلى مؤمنين وكفرة، وإلى مطهرين وأنجاس، مما يلغيهم كمواطنين أصحاب حق مقدس فى بلدانهم التى حفظوا هويتها وسلامتها فى عصور القهر الاستعمارى؟

 

الأمة بأبنائها كافة والوطن بأهله والشعب بوحدته. وتقسيم الشعب بحسب أديانه وطوائفه وعلى قاعدة أن الأكثر تعصبا وتطرفا هو الأعلى درجة فى الإسلام هرطقة سرعان ما يمكن تحويلها إلى سبب لتفجير حرب أهلية مفتوحة بين المسلمين أنفسهم، خصوصا وأن فى الإسلام مذاهب وشيعا عدة، وكذلك إلى مدخل لاضطهاد أتباع الديانات الأخرى التى لم تشكل خطرا على الدين الحنيف فى أى يوم مما يدفعهم إلى الهجرة ويغرى قوى الاستعمار الأجنبى بالتدخل بذريعة حماية الأقليات.

 

 ●●●

 

 

لولا العروبة التى بلورها استعادة الوعى بالهوية القومية لما أعيد الاعتبار إلى الدين الإسلامى الذى كانت السلطنة العثمانية قد شوّهت مفاهيمه وأساءت إلى قيمه.

 

فمع التخلى عن الخلافة كمرجعية عليا للسلطة فى الدولة الإسلامية انفرط عقد المسلمين والعرب خصوصا وأن الولايات غدت «دويلات متخاصمة» فى ظل «خليفة» لا يملك ولا يحكم ولكنه يغطى بلقبه السامى ووهجه المستمد من التمثل بمؤسسة الخلافة فى فجر الإسلام شرعية السلطة القائمة بقوة الأمر الواقع.

 

حاولت السلطنة العثمانية تتريك جميع «رعاياها»، وبالذات العرب منهم، بأكثريتهم الإسلامية، فى حين راعت «هويات» المسيحيين واليهود تجنبا لاستفزاز الغرب المسيحى. صيّرت كل عربى مسلم عثمانيا أو تركيا من الدرجة الثانية وتعاملت معهم باحتقار.

 

انتهت الحرب بهزيمة الأتراك (والألمان) وجاء إلى المنطقة العربية مستعمران جديدان بخطط معدة سلفا لتقاسمها مع اقتطاع فلسطين لتكون أرض المشروع الإسرائيلى مستقبلا. (معاهدة سايكس بيكو، ثم وعد بلفور).

 

خرج العرب من استعمار إسلامى الشعار إلى استعمار جديد غربى الهوية لم يتعامل معهم باعتبارهم أمة لها هوية عربية واحدة، ويجمعها الإسلام، بل توزع أقطارهم التى لم يكن لها حدود معروفة (خاصة فى بلاد الشام) كغنائم حرب.. ولقد حاول العرب أن يحفظوا هويتهم برغم توزيعهم على «دول» من دون اعتبار للتاريخ وللجغرافيا أو للمصالح المشتركة.

 

فى كل هذه المراحل وفى ما أعقبها من مواجهة مع القوى الاستعمارية الوافدة لم يكن للإسلام السياسى دور يذكر. كان النضال وطنيا مع طموحات إلى التوحد عربيا، لا سيما بعدما انتبه العرب إلى خطورة المشروع الإسرائيلى المعد والمحضّر له سياسيا وعسكريا واقتصاديا لفلسطين للاستيلاء على فلسطين.

 

ومن سخريات القدر أن تركيا كوفئت لاستمالتها إلى صف الحلفاء، عشية الحرب العالمية الثانية، فمُنحت بعض الأرض السورية (لواء اسكندرون)، وهُجر كل من حاول المقاومة أو الاعتراض إلى ما تبقى من سوريا، بعد اقتطاع الأردن (وفلسطين وبعض لبنان ولواء الموصل) من خريطتها الطبيعية.

 

ذلك حديث فى الماضى، فماذا عن الحاضر؟!

 

لا شك بأن حركات الإسلام السياسى كان لها وجودها الرمزى غالبا فى مختلف البلاد العربية، مشرقا ومغربا، وهى كثيرا ما اصطدمت ببعض الأنظمة والأحزاب القائلة بالقومية العربية والمؤمنة بمصير واحد للعرب فى مختلف ديارهم، لا سيما بعدما زرعت إسرائيل فى أرض فلسطين ووفر لها الغرب (والغفلة العربية) أن تكون أقوى من الدول العربية جميعا.

 

 ●●●

 

 

والعروبة هوية للأرض وناسها ترتكز إلى الإسلام بوصفه دين الأكثرية الساحقة ولكنها تجمع إليها المؤمنين بأديان أخرى على قاعدة وحدة المجتمع ووحدة أهدافه فى التقدم والديمقراطية والعدل.

 

وعلى امتداد تاريخ المواجهات مع الاحتلال الأجنبى كانت العروبة هى الهوية الجامعة لأبناء هذه الأرض وكانت راية جهادهم من أجل الحرية والاستقلال الوطنى.

 

ومع أن الأنظمة التى حكمت باسم العروبة وتحت شعاراتها، لا سيما فى سوريا ثم فى مصر فى عهد عبدالناصر والعراق وفى ليبيا مع بدايات القذافى لم تقدم النموذج الأفضل للدولة الديمقراطية ولم تنجز من أسباب التقدم بقدر ما تعهدت ولكنها بالتأكيد قد حمت وحدة المجتمع وأضافت قوة إلى مشروع الدولة ولكنها أخفقت فى بناء المؤسسات الديمقراطية وظلت السلطة فى أيدى الأجهزة الأمنية والجيش عموما، مما تسبب فى إشاعة مناخ من القمع.

 

وها إن الإسلام السياسى الذى يتباهى هذه الأيام بانتصاره على العروبة فى أكثر من موقع، مصر، تونس، ليبيا، فضلا عن حربه المفتوحة فى سوريا، يقدم أوراق اعتماده إلى الإدارة الأمريكية مؤكدا التزامه بكل ما كان «العهد البائد» قد التزم به ومطمئنا العدو الإسرائيلى إلى أنه سيحافظ على الاتفاقات المعقودة معه.

 

والنتيجة الأولية لوصول الإسلام السياسى إلى السلطة فى أكثر من بلد عربى تتمثل فى انتشار مناخ الحرب الأهلية فى طول الوطن العربى وعرضه. فالإسلام السياسى ليس الهوية القومية لهذه الأرض ولا يمكن أن تكون برغم أن الأكثرية الساحقة من أهلها هم من المسلمين... لكنهم حتى إذا ما توحدوا بأكثريتهم فى الدين إلا أنهم فى السياسة شعوب تتوزع على قارات مختلفة ولا يجمعها جامع إلا الدين الحنيف الذى لا يمكن اتخاذه أساسا للأوطان وبالتالى لقيام الدول.     وإذا كان ثمة تزوير فاضح فى العلاقة بين الأنظمة التى حكمت بشعارات العروبة وبين شعوبها فالمطلوب إسقاط التزوير وأنظمته وليس إسقاط العروبة وتطييف السياسة بما يقسم الشعب الواحد ويفتح الباب لحروب أهلية لا تنتهى.

 

 

 

 رئيس تحرير جريدة «السفير»

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات