الثلاثاء 30 مايو 2017 1:07 ص القاهرة القاهرة 24.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في قرار منع استخدام مكبرات الصوت خلال صلاة التراويح في رمضان؟

الطريق أمامنا

نشر فى : الأربعاء 19 يونيو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 19 يونيو 2013 - 8:00 ص

خمسة وعشرون يناير كان مشحونا بالأمل، أما ثلاثون يونيو فمشحون بالإصرار.

 

لأن أى إنسان عاقل وأمين يدرك الآن أن لا طريق ولا حل ولا مخرج مما نحن فيه سوى الثورة. أعنى الثورة الحقيقية بما تتطلبه من التغيير الشامل. فالحقيقة واضحة وجلية ولا تحتاج لفهم سياسى عميق، ولا لإيمان بأى أيديولوجية، ولا حتى لتفعيل الخيال. نحن عشنا الحقيقة، ونحتاج فقط أن نصمم على ألا ننساها، ولا نتجاهلها، ولا نحاول الالتفاف عليها وعلى أنفسنا.

 

عشنا حقبة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورأينا كيف أداروا البلاد، وكيف عملوا على ضرب وإخماد الروح القادرة المشتعلة المبدعة التى استعادها الشعب فى أيامه الثمانية عشرة، وكيف أرادوا قتل الثورة وصعدوا المواجهات مع الثوار، فمضينا من التعهد بحماية الثورة وأداء التحية العسكرية للشهداء إلى المحاكمات العسكرية للمدنيين وإلى كشوف العذرية ومذابح ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد والعباسية. وكان من الصعب جدا والموجع للناس أن تصدق أن «جيشها» يذبح أبنائها، إلى أن انساب الضباط والجنود بسلاسة من القتل وفقأ العيون فى محمد محمود إلى اصطياد النساء وضربهن وسحلهن فى مجلس الوزراء فكانت اللحظة الفارقة التى أمسك بها وبآلامها شباب حملة «كاذبون» فنجحوا فى توصيل المشهد الحقيقى للناس وصار «يسقط يسقط حكم العسكر» هتافا شعبيا عاما.

 

ونعيش حقبة رئاسة إخوانية ملتبسة متخبطة، المسار الوحيد الواضح فيها هو مسار تمكين فصيل واحد من مراكز القوة والقرار. البعض (من غير الإخوان) كان يجزم دائما بعدم صلاحية الجماعة لحكم مصر، والبعض ــ وأنا منهم ــ كان يقول (بسذاجة) بأنهم فى النهاية تكوين مصرى، نابع من هذا الشعب وظروفه، وعلينا جميعا أن نعمل معا من أجل مصر. والحقيقة التى اتضحت لنا ــ والتى صَعُبَ أيضا تصديقها ــ هى أن مصر لا تعنى شيئا لهذه الجماعة، أو بالأصح، مصر مهمة ولكن فقط كموقع مركزى يُستَحوَذ عليه ليستعمل فى عملية مد ونشر السيطرة الإخوانية. ظهر هذا الاستخفاف بكرامة مصر وصورتها، وبمصالح مصر الحقيقية فى ذلك «المقلب» السخيف الذى دبرته الرئاسة حيث رأت أن فضيحة مصر عالميا وضرب مصالحها فى إفريقيا ثمن مقبول لإحراج عدد قليل ممن يعتبرهم الإخوان قيادات سياسية معارضة لهم. والذى لم أكن أستوعبه أو أصدقه أيضا هو أن الفكر الإخوانى ليس فكرا إسلاميا ذا صبغة معينة ــ محافظة مثلا، أو جامدة ــ يمكن النقاش فيها والتحاور معها، بل هو فكر طائفى بالأساس وبالتالى فهو النقيض التام لروح وشخصية مصر. وفى الواقع أن سِكَّته الوحيدة للتمكن من مصر هو أن يقتلها، يقتل مصر التى نعرفها ويستبدلها بكيان جديد يشكله ويربيه على صورته.

 

أما حقبة مبارك فعليها المسئولية الأصلية لكل ما نحن فيه، ففيها مشت الدولة فى المسار الذى حددته لها اتفاقية كامب ديفيد، فدفع الاقتصاد فى طرق ثبت فشلها، وتزاوجت السلطة ورأس المال، واستشرى الفساد، وتغولت المنظومة الأمنية، وتبدلت عقيدة القوات المسلحة، وترسخت جماعة الإخوان على شهرة أنها جماعة معارضة بينما هى تنمى شبكات وتواصلات وكوادر وتنظيم. وكل مصيبة أصابتنا فى الشهور التسعة وعشرين الماضية إنما تكشف لنا حجم التجريف والتخريب الذى أنجزه النظام السابق فى اقتصاد البلاد ومؤسساتها ومرافقها وبعض من ناسها.

 

أما المبدأ الثابت الذى التقى عليه النظام السابق والنظام الحالى ونظام المجلس العسكرى فهو مبدأ احتقار الشعب ومعاداته، واستخدام المنظومة الأمنية (المجند معظمها من أفقر أبناء الشعب) ضده كلما أمكن. لذا فقد أعلن الشعب يقينه أن الداخلية عدوته، وقام بثورته يوم عيدها، وهزمها فى الشوارع فى أيام ثورته الأولى.

 

ثم وجدنا الأمن المركزى يعود إلى المواجهة فى أحداث العباسية (١) منسقا مع العسكر، فعاد إلى العنف والتعذيب وقلة الأدب على الناس أثناء حقبة الجيش، وهو يستكمل مسيرته ويعيش قناعاته والحمد لله فى حقبة الإخوان، فرأينا أداءه فى بورسعيد، والسويس، والمنصورة، والمقطم، والاتحادية، وسيمون بوليفار.

 

الثابت والمستمر هو تجاهل القيم الكبرى التى عَنوَنَت الثورة، تجاهل الاحتجاجات بطول البلاد وعرضها، تهديد ومحاولة فض بعض منها، استمرار الخطف والضرب والتعذيب والقتل، والازدياد فى ملاحقة النشطاء قضائيا.

 

علينا أن نتذكر كل هذا ونمسك به فى مقدمة وعينا. علينا أن نعى جيدا أن أى تصور أن الإخوان لا يحبون الفلول، أو الداخلية لا تحب الإخوان، أو الجيش على خلاف مع الإخوان، أو الجيش والداخلية بينهم صراع ــ كل هذه التصورات، حتى إن كانت صحيحة، لا تعنى أن أيا من هذه الأطراف موجود لنا لنستند إليه. فكلهم إن كرهوا بعض فهم يكرهون الشعب أكثر، ويخافونه. ففى النهاية، مصالحهم، كما يعرفونها الآن، لا تتحقق سوى بركوب الشعب.

 

ولهذا فخيارنا الوحيد العاقل هو التغيير الشامل. خرجنا فى ٢٥ يناير مدفوعين بالأمل. نجحنا نجاحات مبهرة، وأنجزنا إنجازات كبيرة، وارتكبنا الأخطاء أيضا. ولكن لا رجعة. ثقافة المقاومة ولدت قوية فينا. نقاوم الآن على كل الأصعدة. انظروا إلى «تمرد» وإلى «زحف الحرية» وإلى «مصرين» وإلى الاحتفال الثقافى كل مساء أمام مكتب وزير الثقافة، وإلى كم المبادرات والتحركات التى نراها فى شوارعنا. نعم، علينا أن نتعلم من أخطائنا، وعلينا أن نرى ونصف واقعنا بشجاعة، وعلينا أن نبلور ونصف وننشر رؤى واضحة ومفصلة للمستقبل الذى نريد، وعلينا أن نصل إلى القرى والنجوع، وعلينا أن نجد ونطور خطابا شاملا يجمعنا ــ وفى كل هذا فرص للعمل وللتخيل وللإبداع. لا رجعة لأى من النظم أو الحقب التى مررنا منها، فهو رجوع إلى هزيمة وموت حى. هناك ثمن دُفِع، دفعه مينا وجيكا وعلاء عبدالهادى وكريم خزام والشيخ عماد عفت، دفعته أم أحمد سرور وأم محمد الشافعى وأم محمد الجندى، دفعه أحمد حرارة ومالك مصطفى. لا تكفى صفحات الجريدة كلها لأسامى من دفعوا ثمن الثورة. لا رجعة، بل إصرار. مصرون على أن نستمر، ومصرون أيضا على الأمل.

التعليقات