الإثنين 19 نوفمبر 2018 8:50 م القاهرة القاهرة 21.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

غزة الوحيدة

نشر فى : السبت 19 يوليه 2014 - 8:25 ص | آخر تحديث : السبت 19 يوليه 2014 - 8:25 ص

بتقدم الدبابات الإسرائيلية داخل غزة تبدت أوضاع المنطقة تحت جنازيرها.

التدخل البرى لم يكن مستبعدا فقد تواترت إشارات إسرائيلية على مثل هذا السيناريو مع بدء المواجهات.

ما كان محتملا تحركت حقائقه الدموية على خلفية غياب الظهيرين العربى والإقليمى بالمعنيين الشعبى والرسمى.

مصر بالكاد تحاول أن تتعافى والأزمات الإقليمية الكبرى تداهمها وإيران منشغلة بالمصيرين العراقى والسورى ومستقبلها نفسه بعد التفاهمات المتوقعة مع الإدارة الأمريكية بشأن برنامجها النووى وتركيا أنظارها معلقة بالعراق وتفاعلاته واحتمالات تشققه إلى دويلات إحداها كردية تهدد وحدة دولتها التى تنطوى على أقلية كردية كبيرة.

فى مشهد واحد تأكد صانع القرار الإسرائيلى أنه يمكن أن يحرك قواته بلا مخاطرة كبيرة، فـ«حماس» ترفض المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار وتصريحاتها تتباين من رهان على دور مصرى إلى إعلان القطيعة معه ومنازعات أخرى مكتومة بين «حماس» و«فتح» على خلفية المبادرة المصرية، والخليج القلق يؤيد القاهرة وقطر يذهب أميرها للقاء رئيس الوزراء التركى «رجب طيب أردوجان» بحثا عن مبادرة جديد كأن نسبة المبادرة لدولة دون أخرى أهم من حماية حياة المدنيين الفلسطينيين من أن تنتهك بأكثر مما انتهكت.

وفى المشهد نفسه أرادت جماعة الإخوان المسلمين أن تقول إن «حماس» أحد فروعها، وهذا صحيح، لكن قضية المقاومة شىء آخر وقضية فلسطين فوق أى اعتبار والتصرف على هذا النحو يهمش القضية أكثر مما هى مهمشة ويمنع التضامن الضرورى معها ويفضى إلى هزيمة تاريخية نهائية.

فى إدارة الأزمة تتشتت المواقف وتوزعت الاتهامات وبدا أن أطرافا عديدة تطلب توظيف التضحيات الفلسطينية لأسباب لا علاقة لها بالقضية كلها.

الموضوع ليس إعادة احتلال قطاع غزة بل إخضاعه فإسرائيل لا تطلب احتلاله والسيطرة عليه شبه مستحيلة فهو بجغرافيته المحدودة واكتظاظه السكانى وسلاحه المنتشر فوق تحملها.

لم تكن صدفة أن تضمنت اتفاقية «أوسلو» وترتيباتها صيغة «غزة وأريحا أولا»، فلا توجد مطالب إسرائيلية فى القطاع ولا طاقة لها على صداعه بينما وضعت الضفة الغربية تحت تخطيط مختلف استهدف التوسع الاستيطانى فيها وتهويد القدس كاملا.

صممت اللعبة كلها على احتلال منخفض التكاليف باسم سلطة تمهد لدولة بلا أرض ولا سيادة ولا حق فى عودة اللاجئين الذين أجبروا بسطوة السلاح على مغادرة بيوتهم وتركت غزة لبؤسها وأحكم الحصار عليها وضاقت الحياة بمليونى فلسطينى يعيشون فوق شريطها الضيق.

حصار غزة يدخل فى صلب المعادلات التى أتبعت منذ منتصف التسعينيات وأفضت إلى الحال المزرى الذى وصلت إليه القضية الفلسطينية.

لم يكن يعنى إسرائيل من يحكم غزة بقدر تأكدها من عزلتها وفرض الحصار عليها والمسألة تتجاوز الاعتبارات الإنسانية على أهميتها الفائقة إلى الحسابات الاستراتيجية فى تصفية القضية كلها وتأكيد الانقسام فى صفوفها.

المعنى أن القوات الإسرائيلية فى تقدمها البرى لا تحتاج إلى مناشدات فرنسية تدعوها إلى «ضبط النفس» فسوف تضبط حركة دباباتها على مقياس مصالحها دون حاجة إلى عبارات رخوة لا تدين العدوان وكل ما تطلبه أن يضبط نفسه.. ولا تحتاج إلى مناشدات أمريكية مماثلة تدعوها أن تكون عمليتها «محدودة»، فالعملية سوف تكون محدودة بحكم التصورات الاستراتيجية لا الكلمات الدبلوماسية التى تفتقد أية قيم سياسية أو أخلاقية أو أية درجة من الالتزام بقواعد القانون الدولى ومواثيق حقوق الإنسان التى تضمن الحق فى الحياة.

قبل بدء العمليات البرية فإن أعداد الضحايا وأغلبهم شيوخ ونساء وأطفال وصلت إلى (٢٥٠) شهيدا و(١٨٠٠) جريح والأرقام الآن مرشحة للتضاعف والجرائم ضد الإنسانية سترتكب على نحو ما جرى فى تدخل مماثل عام (٢٠٠٨).

رهان حكومة «بنيامين نتنياهو» أن تكون الخسائر الفلسطينية فادحة بأقصى ما يمكن ردعا لأية مواجهات مستقبلية وأن تكون خسائر قواتها بأقل درجاتها حتى لا تؤثر على الرأى العام الإسرائيلى وتوجهاته الانتخابية.

بكل معيار فالعمليات محدودة وهو ما تدركه غزة وما تتطلع إليه أن تتحمل تبعات المواجهات البرية والموت على نواصى الطرق وتحت البنايات المهدمة حتى تخرج فى النهاية رأسها مرفوع من تحت أنقاضها.

غزة هى الضحية والشهيد وأسوأ ما يجرى أن موضوع قضيتها على هامش تضحياتها وأن الارتباك فى محيطها الإقليمى يشجع على العدوان عليها والتوسع فيه والاستهتار بالعالم العربى كله.

بصورة أو أخرى فإن الأطراف الإقليمية والعربية بدت مفاجئة بالأزمة وتطوراتها الدموية رغم أن أية تقديرات للموقف كانت ترجحها.

أفضت المواجهات مصريا إلى ارتباك لا لزوم له فقد كان ينبغى منذ اللحظة الأولى إدانة أكثر قوة وإجراء مشاورات تفتح المجال لشىء من التماسك يفتقده العالم العربى فى أزماته كلها وفتح المعابر لإنقاذ المصابين ونقلهم إلى المستشفيات المصرية وإرسال القوافل الطبية إلى الحدود وأية إجراءات أخرى تمد يد المساندة الجدية لغزة فى محنتها.

هذا موقف أخلاقى واستثمار استراتيجى على مدى النظر فغزة قضية مصرية وأمنها من أمن مصر والدفاع عنها مسألة مصير لكن الأداء العام لم يرتفع إلى مستوى الأزمة والبيانات الرسمية بدت محبطة كأن مصر تقف على مسافة واحدة والإجراءات الممكنة فى ظروفها الحالية تأخرت ولم تترك أثرا إيجابيا فى عالمها العربى الذى تتطلع إليها.

فى الأزمة تكشفت ثغرات أخرى فى الأداء المصرى تستدعى رؤى أوضح وقدرة على الحركة أكبر ودورا يأخذه الآخرون على محمل الجد.

هذه المرة اصطدمت السياسة المصرية بأوضاع جديدة وحقائق مختلفة فى الإقليم، فالحرب عليها معلنة وضارية وثغراتها بادية ومكشوفة لكن ليس بوسعها أن تنكفئ داخل حدودها وإلا تقوض مستقبلها بالكامل.

لن تقوى مصر بالتلعثم السياسى عندما يتوجب أن تتكلم ولا بالغضب المجانى عندما يتوجب عليها أن تتحرك.

قد تغضب ويفلت عيار غضبها لأن أطرافا فلسطينية رفضت مبادرتها التى تستند لشروط هدنة (٢٠١٢) التى رعاها الرئيس الأسبق «محمد مرسى» أو طالبت بصيغة أخرى إضافات عليها تتضمن إعادة إطلاق سراح الأسرى الذين أطلقوا فى صفقة «جلعاد شاليط» قبل أن يعتقلوا مرة أخرى وفتح المعابر بشكل طبيعى وإنهاء حالة الحصار.

هذه مطالب طبيعية ومشروعه فى أية حسابات سياسية أو إنسانية فإسرائيل لم تلتزم بما وقعت عليه فى الهدنة السابقة.

هناك شىء من الارتباك سببه غياب الجاهزية وشىء آخر من الإرباك مرجعه أنه ليس هناك صوت واحد يتحدث باسم الفلسطينيين.

من ناحية رسمية فـ«محمود عباس» هو رئيس السلطة الفلسطينية وتخضع له حكومة الوفاق الوطنى التى أنهت الانقسام بين رام الله وغزة أو «فتح» و«حماس» غير أن ذلك كما ثبت ليس دقيقا ولا صحيحا، فـ«حماس» هى التى تدير الأزمة والكلمة كلمتها وحدها فى مسألة وقف إطلاق النار ودور السلطة الفلسطينية أقرب إلى الوسيط بين حركة «حماس» والرئاسة المصرية التى تقوم بوساطة أخرى مع إسرائيل.

فى التباسات الوساطات قالت «حماس» إنها لم تطلع على المبادرة قبل إعلانها ونفى وزير الخارجية «سامح شكرى» صحة هذا الكلام.. وفى فوضى المساجلات الإقليمية حسمت إسرائيل أمرها بتدخل برى جديد تريده مدمرا فلا شىء يردعها فى المشهد الإقليمى كله وغزة تجد نفسها قبالة العدوان وحيدة