الأحد 18 نوفمبر 2018 6:48 ص القاهرة القاهرة 16°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

شارع الإنجليز

نشر فى : الثلاثاء 19 يوليه 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 يوليه 2016 - 9:15 م
قضى الترتيب بأن يكون اللقاء فى بيتى بالعاصمة التونسية.. اكتملت الاستعدادات فلن اضطر للخروج أثناء اللقاء لأداء مشتريات أو الوفاء بالتزامات، حتى أننى أكدت على المطاعم التى ألفتنى وألفتها حجز المائدة لثلاثة أفراد لعشاء وغدائين. فوجئت قبل يومين من موعد اللقاء برسالة هاتفية تتوسل نقل اللقاء إلى مدينة نيس بالريفييرا الفرنسية، وتعترف بأنه قد جرى بالفعل حجز مقعد على الطائرة الفرنسية التى ستقلنى من تونس إلى نيس وغرفة فى الفندق الذى سوف تقلنى إليه سيارة خاصة أجدها فى انتظارى خارج المطار.

***

وصلت الفندق لأكتشف أننى أعرفه ولم أنزل فيه من قبل. عرفته من شرفته المطلة على شارع لعله بين الأشهر فى العالم، شارع أو «منزه» الإنجليز. ذكرتنى شرفته بشرفة فندق شبرد التى كثيرا ما مررنا أمامها ونحن صغار، رأيناها قبل أن تحترق هى والفندق ضمن ما احترق من ممتلكات أجنبية فى حريق القاهرة. دخلت من مدخل رائع إلى الردهة الرئيسية فلم تكن أقل روعة، وكذلك الغرفة وشرفتها المطلة على البحر المتوسط. لا شىء أكثر بهجة وأجمل.

***

لم يحرمنى اللقاء من أن «أتمشى» مع المشاة على الرصيف الواسع الذى يمتد بامتداد الشارع الشهير. اختلطت بالسياح الأجانب فهم الأكثرية المطلقة، وتعرفت على بعض الإنجليز والإيطاليين وتبادلت معهم بعض ما تفرضه الطقوس، ابتسامات وتقصى حقائق من نوع من نحن ومن انتم ومن أين جئنا وكيف جئتم وحال الأهرامات وأوضاع الخليج وأسعار النفط.

***

خططت لأنفرد بنفسى على شرفة الفندق وفى الشارع بعد العشاء، غلبتنى رغبة قوية أن أراقب بشرا سعداء. أراهم كيف يتعاملون فيما بينهم ومع غيرهم، كيف يأكلون ويتماوجون مع الألحان والأنغام. كنت قد سمعت أن الإنسان السعيد يتصرف بطريقة مختلفة، يتعامل مع الغريب أو الغريبة بفرحة واستمتاع ورغبة.. يمسك كوب المشروب ليس كما أمسك بالكوب الذى فى يدى الآن، ويرشف منه رشفة بخيلة ولكن بلهفة. وقفت أمام عائلة، رأيت الأم تحتضن رضيعا وتحث شقيقه على الركض خلف كلب ذيله يفضح سعادة فاقت سعادة الطفل الذى يطارده. تأملت بكل الرضا والإعجاب الزوج وهو يداعب شعر امرأته المتطاير فى حرية ودلال، تأملت فى عينيه نظرة حب عميق وفى عينيها نظرة عرفان لا يخفى.

***

عدت إلى الشرفة لراحة قصيرة قبل النوم. اتخذت مكانا قريبا من رصيف الشارع. هناك على بعد أمتار وقف شابان وفتاتان عيونهم معلقة بالشرفة التى أجلس فيها. رأيتهم يتباحثون وكأنهم يتشاورون حول أمر جلل. اتخذوا قرارهم فراحوا يتسابقون فى اتجاه الشرفة. أقدامهم تتراقص وابتساماتهم تملأ وجوههم. وعندما وصلوا إلى مدخل الشرفة تثاقلت خطواتهم وهدأت أصواتهم متمثلين بالزبائن الأثرياء. استقبلهم رئيس الخدم أحسن استقبال وأجلسهم على مائدة تطل على الشارع الذى قدموا منه. قدموا وجلسوا ولسان حالهم يقول لماذا لا نشارك القوم الأغنياء سعادتهم ما دمنا نستطيع. وعلى كل حال ما جئنا إلى هذا الشارع إلا لننعم بالسعادة حتى لو كلفتنا كل ما فى جيوبنا.

***

نمت على أصوات موسيقى وغناء قادمة من الشاطئ تتخللها ضحكات شباب على الشرفة. استيقظت مبكرا وفى نيتى أن أتناول إفطارى على الشرفة ذاتها، وكلى ثقة أن كثيرين من النزلاء سوف يفعلون الشىء ذاته. إحدى متع الإفطار الجماعى التعرف على معارف جدد والاستماع إلى حكايات، ما أكثر الحكايات التى يمكن أن تسمعها على الإفطار. كنت، كالعادة، محظوظا، فبالسرعة المريحة تعرفت على امرأة ورجلها توسمت فيهما خبرة بالفندق ونيس ومونت كارلو جوهرة إمارة موناكو. سألت سؤالا فجاءت الإجابة حواديت ونميمة وروايات. لا عجب، فالسيدة، وهى خبيرة لوحات فنية وعازفة بيانو وروائية تعمل بعض الوقت مراسلة لإحدى الصحف اللندنية الشعبية واسعة الانتشار.

***

قالت فأكدت انطباعى أن الناس فى هذا الفندق، بل فى كل الريفييرا، يأتون بحثا عن السعادة رغم أنه لا يوجد فيها ما يبهر كما فى منتجعات سويسرا وإيطااليا أو فى شواطئ الأدرياتيك والجزر اليونانية. اكتشفتها العائلات الأرستقراطية الإنجليزية فى القرن الثامن عشر، وبدأت تنزح إليها بكثرة من منتصف القرن التاسع عشر. فاستحق شارعها المطل على البحر أن يسمى باسمهم «منزه الإنجليز». كان حب أغنياء إنجلترا وأمريكا للكوت دازور وراء إعجاب مماثل من طبقات أخرى فى شعوب أخرى. لن تستحق أن تكون ارستقراطيا وغنيا وطموحا إذا لم تقض موسما أو إجازة قصيرة فى الريفييرا وتمشى فى شارع الإنجليز.

***

انبهرت هوليوود بالريفييرا انبهار الإنجليز بها وأكثر، فراحت تصور فيها فيلما بعد الآخر. أذكرها جميعا، وأذكرها أكثر كلما قادتنى الظروف لأرى الشارع الذى كثيرا ما رأيت جيمس بوند 007 يسابق فيه بسياراته المبتكرة سيارات أخرى، أو لأرى المواقع التى اختارها المخرج ليصور فيها سباق دافيد نيفن ومارلون براندو للفوز بإعجاب سيدة ثرية، أو لأرى الانحناءة فى الطريق الجبلى التى كادت تودى فى عام 1954 بحياة الممثلة الجميلة جريس كيلى أثناء قيادتها لسيارتها فى الفيلم الذى شاركها بطولته كارى جرانت، هى الانحناءة ذاتها التى يقال إنها أودت فعلا بحياتها فى عام 1982 وهى أميرة موناكو.

***

أن أعرف المكان، وأقصد شارع الإنجليز، والناس تنعم فيه وتمارس سعادة كانوا يفتقدونها، ثم أراه أمامى على شاشة التليفزيون وقد تناثرت على أسفلته وأرصفته أشلاء أربعة وثمانين جثة لرجال ونساء وأطفال راحوا إليه وهم أحياء لقضاء «لحظة سعادة»، تصبح الفاجعة نوعا من خيال الرعب، خوف حقيقى مختلط بالتهويل وعدم التصديق.

***

لا يمكن أن يكون شعور من يعرف المكان، ومن يعرف قدر السعادة التى كان زواره هانئين بها قبل الحادث كشعور من لا يعرف. لا الألم هو نفس الألم، ولا الغضب هو نفس الغضب. لن يعود شارع الإنجليز كما كان ولا فى الأحلام.
جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.