من بين عدة دلائل أخرى، أثبتت حركة «احتلوا وول ستريت» المستمرة فى الاتساع بعدما تجاوزت مخيمات مانهاتن لتصل إلى واشنطن ولندن ومدن أخرى أنه لا بديل عن خروج الناس عن الشوارع، مهما كانت أهمية وسائل الإعلام الجديدة لنشر الاحتجاج هذه الأيام.
وفى أواخر الأسبوع الماضى، ظهر دليل آخر عندما سحب مالك زوكوتى بارك فى آخر دقيقة طلبا لمساعدة الشرطة فى تنظيف المنتزه. وقد حال ذلك مؤقتا على الأقل دون حدوث مواجهة أمام وسائل الإعلام العالمية بشأن ما اعتبره المتظاهرون ذريعة لطردهم. وكنا نميل إلى التهوين من شأن القوة السياسية للأماكن، ثم ظهر ميدان التحرير. والآن جاء زوكوتى بارك، وكان قبل أربعة أسابيع فحسب ساحة غامضة وسط كتلة المبانى فى وسط المدينة، بها بضع أشجار ومقاعد أسمنتية، بالقرب من منطقة انهيار مركز التجارة العالمى، على مسافة مجمعين سكنيين شمال وول ستريت باتجاه برودواى. وقد صار هذا المكان على الخريطة بفضل بضع مئات من الأشخاص، معهم عباءات ومنامات.
ومن الواضح أن ذكرياتنا وطاقتنا السياسية تعيش فى أماكن مثل جامعة كنت ستيت، ميدان تيانانمن، وجدار برلين. حيث تجهد السياسة ضمائرنا. غير أن الأماكن تلاحق خيالاتنا.
وهكذا، فنحن نبحث فى فيس بوك وتويتر، لكننا نحج إلى أنتيتام (حيث جرت أهم معارك الحرب الأهلية الأمريكية) وأوشفيتز (حيث أفران الغاز النازية) ومعبد أكروبوليس اليونانى، لنتأمل أيام بيركليس وأرسطو. ولم يخطر ببالى سوى أرسطو، عندما شاهدت متظاهرى زوكوتى بارك يعقدون إحدى «جمعياتهم العمومية» ذات يوم. ففى كتابه «السياسة»، يرى أرسطو أن الحجم المثالى لأى مدينة يمتد إلى حدود صوت المنادى. وكان يؤمن أن الصوت الإنسانى يرتبط مباشرة بالنظام المدنى. فحياة المواطنة الصحية فى مدينة مناسبة تتطلب الحوار وجها لوجه.
وهكذا، حدث قرب بداية الوقفة الاحتجاجية، عندما حظرت الشرطة مكبرات الصوت الضخمة فى زوكوتى بارك، اضطر المتظاهرون إلى استخدام بديل، يعتمد على الصوت البشرى. وأصبحت الوسيلة الشائعة هى نقل البيانات عبر الحشد عن طريق أشخاص يكررون لمن حولهم ما يقوله المتحدث عبارة إثر أخرى، مما يفرض على الجميع الحديث فى صوت واحد، على طريقة لعبة التليفون القديمة، وهو أمر بطىء على نحو مجهد.
وكما قال جاى جاوشون (46 عاما) وهو ممثل ونجار عاطل عن العمل «ولكن هكذا هى الديمقراطية» وأضاف: «نحن مشتتون للغاية هذه الأيام، وقد نسى الناس كيفية التركيز، ولكن توصيل الكلام فى المظاهرات، لا يجعلنا نصغى إلى آراء الآخرين، ولكن نستمع فقط لما يقولون، لأننا ينبغى أن نردد كلماتهم بالضبط.»
●●●
وبنظرة سريعة على ما يبدو كمخيم للاجئين فى الصباح الباكر، فى حين يخرج المتظاهرون لتوهم من منامتهم، تصبح زوكوتى بارك، كما لو كانت مدينة صغيرة فى طور التشكيل. كما أن كونها متنزها خاصا له دلالة كاشفة فى القصة. فقد كان اسمها فى السابق ليبرتى بارك (منتزه الحرية)، ثم أعيد تسمية الموقع فى 2006 نسبة لجون زوكوتى، رئيس مجلس إدارة مكتب بروكفيلد للعقارات، مالك المنتزه. ويشترط الترخيص الممنوح لبروكفيلد قبل سنوات أن يظل المتنزه بخلاف المنتزهات العامة المملوكة للمدينة مفتوحا ليلا ونهارا.
وألقت هذه الخصوصية لقانون تقسيم الأراضى ضوءا غير متوقع على إفلاس الكثير مما اعتبر أماكن عامة فى أمريكا خلال الجيلين الماضيين. ومعظمها صارت رمزا لأشخاص قاموا بتطويرها مقابل إقامة مبان ضخمة وشاهقة. ولنتأمل جانب برج شركة آى بى إم فى شارع ماديسون، وأماكن مثيلة أخرى لا حصر لها: أماكن «عامة» ليست عامة بالفعل على الإطلاق، ولكن شبه عامة، يسيطر عليها أصحابها. وتخضع زوكوتى بارك من حيث المبدأ للقواعد التى وضعها بروكفيلد، وهى تحظر وضع قطع القماش المشمع، وأكياس النوم وتخزين الممتلكات الشخصية فى الموقع.
ويوضح الموقف ككل إلى أى مدى سمحنا للنموذج المدنى القديم للساحات العامة بالتحول من ساحة عامة لتعبير الجماهير والتجمعات العامة (على سبيل المثال ركن المتحدثين فى هايد بارك) إلى رشوة تجارية (بهو مركز تايم وورنر).
ونظرا لأننى عشت خلال السنوات القليلة الماضية فى أوروبا، فكثيرا ما مررت عبر متنزهات وميادين تحتلها خيام المتظاهرين فى برشلونة ومدريد، وأثينا وميلانو، وباريس وروما. حيث تعتبر الاحتجاجات والتجمعات العامة جزءا من حركة الضغط الاجتماعى فى أوروبا. وربما يرجع الفارق لدينا فى أمريكا إلى تعلقنا بالسيارات والاستقلالية، مع ميلنا للانعزالية، أو تفضيلنا الاكتفاء بموقف المتفرجين عن المشاركة.
●●●
فى أوروبا كانت الاحتجاجات تدور حول فرص العمل، وتراجع الأداء الحكومى، والدين. بينما تبدو رسالة محتلى زوكوتى بارك مبهمة إلى حد ما. وقد أصبح المخيم فى حد ذاته هو الفكرة الأساسية.
ويقول بريان بيكيت (33 عاما) أستاذ مساعد المسرح والخطابة فى جامعة سيتى فى نيويورك «لقد جئنا لنحس أننا جزء من مجتمع أكبر». وكنت قد وجدته الأسبوع الماضى جالسا بين أكوام من أكياس النوم الأنيقة المغطاة بالقماش المشمع، فى أحد أركان الحديقة. «كان مهما أن نرى هذا وسط حالة الاغتراب التى نعيشها حاليا. فنحن نكتب على الفيس بوك وحدنا. لكن الناس هنا ليسوا وحدهم».
ونتيجة لذلك، يتعارف المتظاهرون مع بعضهم البعض. وقد صور المصريون هذه الظاهرة فى ميدان التحرير. وتحدث أعضاء حركة حفل الشاى عن ذلك أيضا. فالمحتجون لا يظهرون للعالم ككتلة من البشر فحسب. وإنما يكتشفون أنفسهم أشخاص لهم مخاوف متشابهة، وإن لم تكن متطابقة. وقال لى أحد المتظاهرين تخيل زوكوتى بارك، كما لو كانت رسما تخطيطيا لشخصيات تمثل إحباطات سياسية واقتصادية يائسة. ويمثل المتنزه المكان الذى تتداخل فيه مظالمهم. فهو أرضية مشتركة، بالمعنى الحرفى.
واتضح لى، وأنا أتابع الحشود تتجمع على مدى عدة أيام ان هناك توافقا يظهر بينهم، يكشف ان المتظاهرين، الذين وضعوا نموذجهم الخاص للتنظيم بلا قيادة للحفاظ على السلمية، وجدوا الاتحاد فى التجمع. وتعتبر عملية التنظيم التى اختاروها من الرسائل الأساسية للاحتجاج.
●●●
وكما قلت سابقا، فالمتنزه يقدم الخطوط العريضة لقيام مدينة. فقد أعد المتظاهرون مطبخا، لتقديم الطعام ومكتبا لدائرة القانونية وإدارة للصرف الصحى، ومكتبة من الكتب المتبرع بها، وهى منطقة لاجتماع الجمعية العامة، ومركزا طبيا، ومركز إعلاميا حيث يمكن للناس إعادة شحن أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم باستخدام مولدات محمولة، بل وحتى متجر عام، أطلقوا عليه مركز الراحة، مزود بالتبرعات من الملابس، ومعجون الأسنان، وفرش للنوم، ومزيل العرق وكلها مثل الغذاء، بالمجان.
وهناك، قابلت ذات صباح صوفيا ثيرياولت، تقوم بفرز أحمال من السراويل والقمصان التى وصلت حديثا. وهى فتاة من فيرمونت لبقة الحديث تبلغ من العمر 21 عاما، وتعمل فى مزرعة للزراعة العضوية. وقد أمضت بالفعل عدة أيام وليال كمتطوعة. وقالت لى «ربما لا نكون جئنا إلى هنا جميعا من أجل نفس القضايا. ولكن المشاركة فى هذا المتنزه يوما بعد يوم وليلة إثر الأخرى، صارت فرصة لكى نكتشف مصالحنا المتبادلة.»
وفى تلك اللحظة بدأ مراهق فى بنطلون جينز ضيق وسترة مفتوحة، يبحث فى أكوام من المعاطف، وهو يتمتم «أبحث عما يدفئنى». فعرضت ثيرياولت عليه سترة شتوية مستعملة من البوليستر ذات غطاء رأس مبطن بفرو صناعى قائلة «يبدو هذا لطيفا». وبدا أنه يفكر فى الأمر، ثم أجاب «لا تدفئ بالقدر الكافى»، ثم أومأ نحو زوج من الجوارب، أعطته له، قبل أن تعود لحديثها: «نجتمع كل ليلة للتحدث عن كيفية إبقاء هذا المكان نظيفا ومحترما، وللحفاظ عليه مكانا آمنا من الناحية المعنوية والمادية للجميع. فالتوافق يبنى المجتمع».
ويكرر الفكرة باتريك ميتزجر (23 عاما) هو مهندس صوت ومؤلف موسيقى، قائلا: «لا يمكن أن تحصل عبر المشاركات على الإنترنت على معلومات عن العرق، والطبقة، والعمر؛ أعنى عن حقيقة الأشخاص. وتتحدث شبكة فوكس نيوز عن الدهماء والغوغاء. ولكنك ترى مدى تعقيد هذا الخليط من البشر: طلابا، وكبارا فى السن، وآباء مع أسرهم، وعمال بناء فى ساعات الغذاء، وعاطلين، ومديرين فى وول ستريت».
●●●
نعم، هناك قلة من الدهماء أيضا، كما فى أى حشد سياسى. لكن السيد ميتزجر كان محقا. حيث يعتبر تنوع المحتجين، خلال النهار على الأقل، ضرورى من أجل مرونة الاحتجاج. فلم يحدث منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر أن ظل هذا العدد الكبير من الناس يتساءلون «هل كنت هناك؟»، «هل رأيت ذلك؟» عن أى مكان فى مانهاتن. وبطبيعة الحال كان احتلال العالم الافتراضى، مع احتلال زوكوتى بارك دافعا مشتركا لحركة «احتلوا وول ستريت» الآن، ولا يقل أحدهما عن الآخر فى الأهمية.
ويكشف ذلك أن المحتجين يبنون على الأرض بنية الوعى.