السبت 16 ديسمبر 2017 1:46 ص القاهرة القاهرة 17.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

السبب الأهم لحتمية الديمقراطية بعد 30 يونيو

نشر فى : الخميس 19 أكتوبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 19 أكتوبر 2017 - 9:40 م

فى إحدى سهرات مصيفنا المتواضع بالساحل الشمالى كان النقاش يدور حول أسباب تمكن ضباط يوليو 1952 من فرض سلطتهم بسرعة وفاعلية على الدولة والمجتمع فى مصر، على الرغم مما كانت تموج به البلاد من تيارات سياسية، وما تزخر به من أحزاب وتنظيمات، وتعددت الإجابات، ولكن الإجابة الحاسمة جاءت على لسان حكيم الجلسة – الذى نحتفظ باسمه للوقت المناسب – وهى أن من يعزل صاحب سلطة يرث هذه السلطة، وبما أن الضباط عزلوا الملك، فقد ورثوا سلطاته، التى كانت كبيرة بحكم العرف، قبل حكم الدستور، وبما أنهم حلوا الأحزاب، فقد ورثوا دورها، خصوصا دور حزب الوفد، الذى كان بتمثيله للإرادة الشعبية هو الضلع الثالث فى قوائم كرسى السلطة فى مصر، إلى جانب القصر الملكى، والاحتلال البريطانى، كذلك فإن نجاح الضباط فى إجلاء الاحتلال أورثهم دوره ونفوذه.
هكذا إذن تجمعت كل خيوط السلطة فى أيدى الضباط، فقام نظام يوليو الشمولى بخصائصه، وإنجازاته وإخفاقاته.
بتطبيق هذه القاعدة على التغييرين الكبيرين للسلطة فى مصر بعد 25 يناير 2011، و 30 يونيو 2013 كان يجب، ولا يزال من الواجب أن تقوم السلطة الجديدة فى الحالتين على أساس المشاركة بين الدولة العميقة بقيادة القوات المسلحة، وبين القوة السياسية الممثلة للحركة الشعبية، لأن عزل الرئيس الأسبق حسنى مبارك أو تنحيه، وحل برلمانه، وحزبه الحاكم، وكذلك إسقاط حكم الاخوان حدث بمشاركة بين تلك الدولة العميقة وبين هذه القوى الشعبية، وقد كان غياب أو تغييب هذه المشاركة هو السبب الأصلى فى اضطراب الحياة السياسية سواء قبل سقوط حكم الاخوان، أو بعد انتهاء شهر العسل بين حلفاء 30 يونيو.
حقا يسود لدى بعض دوائر الدولة العميقة اعتقاد ــ يروج له أنصارها إعلاميا ــ بأن ما حدث فى يناير 2011 وفى يوم 30 يونيو وما بعده كان فى أصله تحريك من جانب هذه «العميقة»، وكما هو معروف فقد كان الهدف من التحريك أو التحرك فى يناير هو إحباط مشروع توريث الحكم لنجل رئيس الجمهورية القائم، و كذلك من المعروف أن الدولة العميقة كانت ترفض سلطة الاخوان، وتقيم العراقيل فى طريق هذه السلطة مستغلة فى ذلك أخطاءهم وقصورهم وقلة خبرتهم، وشهيتهم الجارفة للتمكين، وعدم إخلاصهم المتجذر للدولة الوطنية.
ولكن، وكما قلنا سابقا حول الادعاء بأن ثورة يناير 2011 كانت تدبيرا داخليا فى الأصل (البعض يقول إنها مؤامرة خارجية )، فإذا سلمنا بذلك كله أو بشىء منه، فإن إشعال الفتيل لايحقق الانفجار، إلا إذا كانت الشحنة المتفجرة موجودة وجاهزة فى نهاية الطرف الثانى من هذا الفتيل، والمعنى أن رغبة الدولة العميقة فى إحباط مشروع التوريث فى 2011 التقت مع رفض شعبى عارم ليس لمشروع التوريث فقط، ولكن أيضا لفساد وجمود و تبعية نظام حكم حسنى مبارك، وفشله فى التنمية الاقتصادية، وفى سائر مسئوليات الدولة تعليما وصحة و ثقافة وسلاما اجتماعيا وطائفيا والتزاما بكرامة المواطن، وكان هذا الرفض قد تحول إلى حراك منذ عام 2005، وكان هذا الحراك يكتسب كل يوما زخما جديدا، بحيث انخرطت فيه النخب، مثل القضاة وأساتذة الجامعات وكثير من المثقفين، والجماهير فى القاهرة والاقاليم، كعمال المحلة وغيرهم، والشباب الرافض للتسلط الأمنى، وكذلك شباب الأقباط.. إلخ.
وباستقراء الماضى، فلم يكن لأحداث يناير أن تقع بدون هذه المقدمات، كذلك فبدون ما حدث بين 25 يناير وبين 11 فبراير 2013 ما كان يمكن عزل مبارك، أو إجباره على التنحى، إلا بانقلاب عسكرى صريح، وهذا ما حرص الجميع على نفيه منذ يوم 11 فبراير، حتى اليوم والغد.
وبالطبع فإن توجس القوى السياسية من حكم الإخوان، وقدرة هذه القوى على كشف أخطائهم منذ اللحظة الأولى، وبدء الحراك الشعبى ضدهم مبكرا، وانعقاد الإجماع على رفض إعلانهم الدستورى فى نوفمبر 2012 هو الذى أعد المسرح لمظاهرات يوم 30 يونيو العارمة، ولتدخل الدولة العميقة للخلاص من حكم الاخوان، باعتبار هذه التدخل استجابة لإرادة الشعب، وحتى يومنا هذا لا تزال مقولة «الاستجابة لارادة الشعب» هى الرد على أى اتهام لما جرى يوم 3 يوليو 2013 بأنه انقلاب.
لا أدل على دور الحراك الشعبى، بقيادة القوى السياسية المنظمة كشريك أصلى فاعل فى إسقاط حكم الاخوان، وتسهيل تدخل الدولة العميقة لتحقيق هذا الهدف من بيانات ووثائق تلك المرحلة، ومن تكوين أجهزة الحكم العليا على أساس المشاركة الكاملة بين تلك القوى السياسية و بين الدولة العميقة، وبالطبع كان الدستور الحالى هو ذروة التعبير السياسى والقانونى عن أيلولة السلطة ــ بعد سقوط حكم الاخوان ــ لأولئك الشركاء، تطبيقا للمبدأ الذى صدرنا به هذا المقال وهى أن سلطة المعزول تئول تلقائيا إلى من عزله، أو من عزلوه.
يتذكر الجميع كيف أقصت الدولة العميقة بقية الشركاء، وربما يفسر هذا حالة الضيق لدى البعض بالدستور الحالى، لأن التوازنات التى أفرزته قوضت، والطموحات التى ترتبت عليه هى الأخرى تبددت، فأصبح – بحق يراد به باطل – لا يعبر عن هذه الأوضاع الجديدة، ولكن السؤال الأهم هو: هل هذه الأوضاع الجديدة قابلة للاستمرار، أو قادرة على تحقيق أهداف واحتياجات الجماعة السياسية الوطنية المصرية فى مجملها؟
منذ أسبوعين عددنا هنا مظاهر الوضع غير الطبيعى الذى تعيشه تلك الجماعة الوطنية المصرية، ونضيف اليوم أن الغالبية الساحقة من الأجيال الجديدة تحت سن الأربعين عاما لا تستطيع التوافق مع هذه الأوضاع، ولا تجدى معها مبالغات الوطنية، وخطابات الشعبوية، وأساطير المؤامرات الخارجية، فضلا أن تغنى كل هذه المعاذير عن إقامة دولة القانون، والمسئولية الحكومية، وأما الرهان على أن القوى السياسية المدنية التى شاركت فى الإطاحة بحكم الإخوان، وفى السلطة بعد 30 يونيو مباشرة ــ حتى تم التخلص منها ــ قد ضعفت، أو أضعفت أو حوصرت، أو فى سبيلها إلى التمزق، فإنه رهان غير مضمون، بدليل أن ما يبذل من جهد، وما يخصص من موارد إدارية و سياسية ومالية وإعلامية لإضعافها أو محاصرتها ليس هينا، بل إنه ضخم .. ضخم .. ضخم، مما يعطى مؤشرا واضحا على استمرار اضطراب الحياة السياسية.
إذن لم يبالغ أصحاب الرأى القائل بأن ثورة يناير 2011، و30 يونيو 2013 قد أحدثتا تغييرا جوهريا فى الوعى السياسى للجماعة الوطنية المصرية، وأنه يستحيل إحياء المفاهيم وأساليب العمل القديمة، وإن بدا أنها مسيطرة مؤقتا، فما زالت هذه المحاولة فى بدايتها، إذ إننا نتكلم عن أقل من أربعة أعوام، يتفق أغلب المراقبين على إطراد ضعف التأييد الشعبى فيها للسياسات المتبعة، كما يتفقون على أن المتحدثين باسم هذه السياسات قد تحولوا الآن من الهجوم إلى الدفاع والتبرير، وبعد ذلك كله هناك اختبارات حاسمة قادمة، أولها انتخابات الرئاسة القادمة، ومع أننا لا نشك هنيهة فى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى هو الذى سيفوز بها، إلا أن طريقة إدراتها ونسبة المشاركة فيها، ومدى انفتاحها للمنافسة ... كل ذلك سيقول الكثير، ويعنى الكثير، فإما أن تكون هذه الانتخابات فرصة لتصحيح الأوضاع بتقاسم ذى مضمون للسلطة وإدارة الشأن العام بين شركاء 30 يونيو، وتفعيل الدستور، من حيث هو فى فلسفته وطموحه تعبير عن تضامن المجتمع والدولة العميقة فى الخلاص من حكم الاخوان، ومن قبله حكم مبارك الكاسد، وإرساء قواعد وأساليب حكم عصرية و ديمقراطية، وإلا فلن يكون الأمر سوى مزيد من إضاعة الوقت، وإهدار الجهد والموارد لمقاومة حتمية التحول الديمقراطى.

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات