الجمعة 21 سبتمبر 2018 7:08 ص القاهرة القاهرة 24.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

البحث عن تواضروس.. سنوات التكوين

نشر فى : الإثنين 19 نوفمبر 2012 - 8:55 ص | آخر تحديث : الإثنين 19 نوفمبر 2012 - 8:55 ص

كانت الإسكندرية على عهدها فى الخريف، الحياة عادت إلى طبيعتها فى شوارعها، ولم يكن هناك ما ينبئ عن حوادث كبرى توشك أن تجرى وتؤثر تداعياتها على مسار حياته.

 

التحق للتو بكلية الصيدلة عام (١٩٧٠). قبل أن يعرف طريقه إلى مدرجات الكلية ومعاملها رحل الرئيس «جمال عبدالناصر» فجأة، وبعد شهور لم تطل رحل البابا «كيرلس السادس».

 

فى مواقيت متزامنة تغيرت رئاسة الدولة ورئاسة الكنيسة. الأولى، من «عبدالناصر» إلى «السادات» والتوجهات تناقضت.. والثانية، من «كيرلس السادس» إلى «شنودة الثالث» والأدوار تباينت.

 

لم يخطر ببال طالب الصيدلة الشاب «وجيه صبحى»، وهو يتابع تراجيديا التحولات، أن يكون هو نفسه بعد أربعة عقود رئيسا للكنيسة باسم «تواضروس الثانى» خلفا لـ«شنودة الثالث» بالتزامن مع انتقال آخر فى رئاسة الدولة إلى «محمد مرسى» الذى ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين.

 

فى تراجيديا العلاقات المعقدة بين رئاسة الدولة ورئاسة الكنيسة يطرح المستقبل تساؤلاته ومخاوفه معا.

 

البطريرك الجديد تحدياته تسبقه إلى مكتبه البابوى، فأزمة الدستور وجمعيته التأسيسية ضاغطة على الحياة السياسية، والعدوان على غزة يجدد مخاوف شطب القضية الفلسطينية.

 

الأزمة الأولى، ترجح «الدور السياسى» للكنيسة المصرية أو احتذاء تجربة البابا «شنودة» التى يتداخل فيها «الروحى» مع «السياسى» لا استعادة تجربة البابا «كيرلس» و«الروحى» ملمحها الوحيد. هذه قضية تستوجب معرفة أوفر بشخصية البابا الجديد، والظروف التى تحيط به، وأن تناقش بالجدية الكاملة والاحترام اللازم.

 

 الأزمة الثانية، تدخل مباشرة فى الدور «القومى» للكنيسة الوطنية المصرية، التى رفضت على عهد البابا الراحل «شنودة الثالث» التطبيع مع إسرائيل. وهذه قضية تستوجب بدورها بحثا مدققا فى سنوات تكوين «وجيه صبحى»، الذى أصبح الآن البطريرك رقم (١١٨) فى تاريخ الكنيسة.

 

من هو «وجيه صبحى»؟

 

قبل شهور أخذ يستعيد فى حوار مع مثقفين أقباط مشاهد رسخت فى الذاكرة عن أيام الجامعة وصداقاته فيها. تحدث بحميمية عن ثلاثة من أصدقاء العمر هم: الدكاترة «معوض عمر» و«محمد المعتز بالله» و«محمد حامد عباس»، الأخير رحل إلى رحاب ربه منذ نحو ستة أعوام. اسمه استرعى الانتباه، فهو من أبرز وجوه الحركة الطلابية المصرية فى جامعة الإسكندرية فى السبعينيات.

 

لا توجد معلومات موثوقة تؤكد أن «وجيه صبحى» شارك فى الحركة الطلابية ومظاهراتها عامى (١٩٧٢) و(١٩٧٣)، والتى كانت تدعو إلى التعبئة العامة لخوض حرب تحرير الأرض التى احتلت عام (١٩٦٧) وتوسيع المشاركة فى صناعة القرار السياسى. يميل أصدقاء الدكتور «وجيه» المقربون «معوض» و«المعتز بالله» و«جورج مرقص» إلى نفى أى نشاط سياسى له أو انتماء فكرى واضح. «جورج» زامله منذ سنوات الدراسة الإعدادية وكان رفيقه فى رحلة السفر اليومى فى قطار الصحافة بين الإسكندرية حيث يدرس ودمنهور حيث يسكن.

 

«كجيلنا تأثرنا بالتجربة الناصرية، لم نكن منخرطين فى أى نشاط سياسى، ذهب بعضنا مع عباس إلى لقاء ناصر الفكرى الذى كان يعقد سنويا فى النصف الأول من السبعينيات بجامعة عين شمس».

 

هل ذهب «وجيه» معكم ذات مرة؟.. لا.

 

«وجيه» كان يستمع إلى الحوارات الجارية حوله، لا يعلق غالبا. لم يكن لديه طموح أن يمتلك صيدلية خاصة، أو أن يهاجر للعمل فى الخارج، يمقت فكرة الهجرة، شخصيته تميل إلى السكينة، هادئ الطباع، يتعامل باحترام، يستمع باهتمام ويتحدث بتؤده.. يقرأ لـ«طه حسين» و«نجيب محفوظ» و«تولستوى»، كان مغرما بالأدب الروسى، يطالع «زكى نجيب محمود» و«جمال حمدان» و«محمد حسنين هيكل» و«محمد عودة»، ومغرم بصوت «فيروز». هكذا يصفه أصدقاؤه المقربون. حوارى معهم بدا دافئا إنسانيا منفتحا بلا قيود، وصداقتى العميقة مع الراحل «محمد عباس» تزكى.

 

الذائقة الثقافية والفنية بدت أمامى متقاربة بين «وجيه» و«عباس» بصورة مدهشة، رغم أن أحدهما كانت ترواده وتلح على خواطره فكرة «الرهبنة» وتجربته فى مدارس الأحد ماثلة، والآخر كان منخرطا فى الحياة السياسية وفكرة «الثورة» تعيش فى وجدانه.

 

أمام لجنة الانتخابات الطلابية على ما يتذكر الدكتور «جورج»: «وقفنا نهتف بصورة منغمة اسم مرشحنا للجنة الثقافية، الذى بات بعدها أمينا للجنة الثقافية العليا فى اتحاد الجامعة: «محمد حامد على عباس». ربما وقف «وجيه» معهم داعيا لانتخاب رجل اسمه الأول «محمد»، والثانى مشتق من الحمد وهو مفهوم إسلامى راسخ وعميق، والثالث يتيمن باسم ابن عم النبى وزوج ابنته والرابع على اسم عمه الذى انتسبت إليه الخلافة العباسية.

 

هكذا كانت مصر منسجمة ومتسقة مع طبيعتها المعتدلة، لم تكن العلاقة بين مسلميها ومسيحييها على هذا النحو المزرى الذى نحن عليه الآن. بالروح المصرية الفريدة، والتى لا مثيل لها فى التاريخ، دعت سيدة محجبة زاملت البطريرك فى سنوات الدراسة عند أجل مكان يصلى فيه المسلمون: «يا رب أكرم مصر بوجيه».. كان ذلك عند وصوله إلى القرعة الهيكلية، فهى تعرف أنه مصرى وعروبى حتى النخاع. وأنه مؤمن بالوحدة الوطنية بين مسيحييها ومسلميها. المعنى نفسه يتردد على لسان الأصدقاء القدامى الآخرين، والشهادات تومئ إلى أن تقييمه إيجابى لثورتى (١٩١٩) و(١٩٥٢)، الأولى بشعاراتها التى تؤكد سلامة النسيج الوطنى المصرى، وأن «الدين لله والوطن للجميع»، والثانية بأهدافها فى العدل الاجتماعى والاستقلال الوطنى.

 

سنوات التكوين دعته تاليا إلى الانحياز إلى ثورة يناير وأهدافها، وهذه قصة تفاصيلها مثيرة قد تروى ذات يوم.

 

الدكتور «وجيه صبحى» دخل تجربة تكوين أخرى عندما التحق بالدير عام (١٩٨٦)، وهى تجربة اكتسب خلالها قدرات إدارية تنامت تحت قيادة الأنبا «باخوميوس»، الذى أثبت كفاءة استثنائية فى إدارة المرحلة الانتقالية من رحيل البابا «شنودة» إلى تجليس البابا «تواضروس»، جرت الإجراءات بسلاسة وحزم جنبت الكنيسة هزات الانتقال.

 

فى سنوات التكوين الأولى علامات وإشارات على الطريق الذى سوف يسلكه البابا الجديد.

 

هو رجل «روحانى» يميل إلى التأمل، وهذا طريق البابا «كيرلس»، وهو رجل أطل على الحياة السياسية فى لحظة تحولات فارقة، استمع إلى نشطاء سياسيين، وتابع أخبار عصره باهتمام، وهذا طريق يؤهل لاحتذاء البابا «شنودة». كلا الطريقين ممكن، لكن المسألة فى جوهرها تتعدى الخيارات الشخصية.

 

فى حالة «كيرلس» الأحوال السياسية لم تكن تميز بين المسلمين والأقباط، الإجراءات الاجتماعية التى تبناها «جمال عبدالناصر» استفادت منها الطبقة الوسطى والقوى الاجتماعية المستبعدة والفئات الأكثر فقرا بغض النظر عن الانتماء الدينى. وتضررت منها فى الوقت نفسه الطبقات القديمة من الطرفين على قدم المساواة. وقتئذ كان من طبائع الأمور أن يقتصر دور الكنيسة وبطريركها على الجوانب الروحية. وعندما تغيرت المعادلات السياسية فى مطلع السبعينيات، وبدأت نذر الفتن الطائفية تطل من «الزاوية الحمراء» بدأ البابا «شنودة» يطل بدوره على مسارح السياسة المشتعلة. تدهورت سريعا العلاقات بين الرئيس «السادات» والبابا «شنودة»، وتصاعدت الشكوك والريب من عام لآخر على إيقاع التحريض الطائفى حتى وصلت إلى الصدام المفتوح بعد توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية. وجد «شنودة» نفسه أمام أحد اختيارين.. الأول، أن يجارى الرئاسة فى طلب التطبيع وعواقبه أن يوصف الأقباط بـ«خونة الأمة العربية».. والثانى، أن يرفض التطبيع وأن يذهب فى الصدام إلى منتهاه، قائلا: «لن أذهب إلى القدس إلا مع شيخ الأزهر». ثم أعاد التفكير فى احتمال أن يذهب شيخ الأزهر فعلا إلى إسرائيل. سألنى عند منتصف التسعينيات: «هل يمكن أن يفعلها؟».. أجبته: «هذا احتمال وارد»، سأل مرة أخرى: «هل يمكن أن تعترف الدول العربية والإسلامية جميعها بإسرائيل؟».. أجبته: «هذا مستبعد تماما». قال بحسم: «لن أذهب إلى القدس أبدا». كان يرى نفسه كما قال لى نصا، والكلام كله منشور فى حينه: «أنا آخر البابوات العظام الذين قالوا لا للمحتل الأجنبى». سألته: «ما مصير قضية التطبيع بعدك يا قداسة البابا؟». أجاب: «تيار الوطنية المصرية راسخ وقوى وتاريخى فى الكنيسة، وتلاميذى موجودون وسوف يتبنون القضية الفلسطينية».

 

توقعات «شنودة» كانت من الزاوية العربية صائبة تماما. خليفته يتنبى الرؤية ذاتها، لديه أسباب إضافية على مواريث البابا «شنودة»، فهو عروبى فى توجهاته منذ سنوات التكوين الأولى. إنه بطريرك عربى جديد تقدمه الكنيسة الوطنية المصرية. هذه رسالة إيجابية فى صالح الأمن القومى والدور المصرى فى محيطه العربى. غير أنه لابد أن يكون واضحا هنا أن دور البابا أقرب إلى «التعبئة الروحية» للمسيحيين للاندماج فى القضايا المصيرية الكبرى، وهذا دور يتعدى السياسة بمفاهيمها المباشرة إلى المعنى الوطنى العام. أما فى القضايا المباشرة فإن المسألة أكثر تعقيدا، لا الدور «الروحى» وحده ممكن ولا الدور «السياسى» بدوره مستبعد.

 

فى حالة «تواضروس» و«مرسى» فإن أزمة الدستور، والانسحاب المتزامن للكنائس المصرية مجتمعة والقوى الديمقراطية والوطنية من جمعيتها التأسيسية، عنوان أزمة قد تتمدد تداعياتها إلى المستقبل. تصريحاته عشية تجليسه ذهبت إلى أن «الدستور بمسودته الحالية لن يعيش طويلا»، وأنه لا يحقق التوافق، وينتقص من التراث الدستورى المصرى ومن الحقوق والحريات التى اكتسبها المصريون عبر العصور.

 

 الكلام على هذا النحو فيه قلق على المستقبل وفى خلفيته شكوك متبادلة بين الرئاسة والكنيسة.

 

السؤال الآن فى اليوم الأول للبطريرك الجديد على الكرسى البابوي: كيرلس جديد.. أم شنودة آخر؟

 

الحقائق تحسم، والبابا الجديد بسنوات تكوينه فى تجربتى الجامعة والدير مؤهل لأى من الدورين، والحسم فى المجتمع لا فى الكنيسة.

 

فى مجتمع صحى يصونه دستور يحفظ حقوق المواطنة ويدمج الأقباط فى الحياة السياسية فإنه «كيرلس»، وفى مجتمع تتناهشه الفتن الطائفية وحملات التحريض فإنه «شنودة».