الخميس 15 نوفمبر 2018 7:53 م القاهرة القاهرة 20.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مستقبل الرئيس المؤقت

نشر فى : الإثنين 20 يناير 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 20 يناير 2014 - 8:00 ص

فى الصور الملونة للدستور وأرقامه واحتفالاته تساؤلات كامنة عن مستقبل الرئيس المؤقت المستشار «عدلى منصور».

الرجل الذى يوشك أن يحسم تغييرا جوهريا فى خريطة الطريق لتكون الأسبقية للانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية، يدرك من ناحية سياسية أن قراره شبه محتم ومن ناحية إنسانية أنه يختصر رئاسته وعليه التفكير مليا فى خطوته المقبلة.

دعته مقاديره لأدوار لم يتطلع إليها ولم تخطر له على بال فى رحلته القضائية الطويلة. لم يكن قد تسلم رسميا منصبه كرئيس للمحكمة الدستورية العليا عندما جرى اختياره بحكم منصبه الجديد رئيسا مؤقتا للبلاد وفق خريطة طريق أعلنت يوم (٣) يوليو عند إطاحة الرئيس السابق «محمد مرسى».

فى اليوم التالى أقسم أمام الجمعية العمومية للمحكمة العليا يمينا قانونيا أصبح بمقتضاه رئيسا لها قبل أن يقسم أمام الجمعية ذاتها يمينا دستوريا أصبح بعده رئيسا مؤقتا للجمهورية.

فكرة إسناد المنصب الانتقالى الرفيع إلى رئيس المحكمة الدستورية تعود إلى حركات شباب وقوى سياسية خشيت من إعادة إنتاج تجربة «المجلس العسكرى» فى السلطة عند إطاحة الجماعة منها.

أرادت أن تطمئن على مصير الثورة المتجددة فى لحظة تحول توشك أن تعلن عن نفسها وسجلت دعوتها فى بيانات معلنة قبل (٣٠) يونيو ومظاهراته الاستثنائية.

فى الوقت نفسه لم تكن قيادات الجيش التى انحازت للإرادة الشعبية وأطاحت بـ«مرسى» راغبة فى إعادة إنتاج الماضى القريب، فقد كانت تجربة الحكم مريرة وألحقت أضرارا فادحة بصورة المؤسسة العسكرية وبدت مقتنعة أن اختيار رئيس المحكمة الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد هو الخيار الأفضل والأسلم.

لم يكن أحدا يعرف شيئا له قيمة كبيرة عن الرجل وتصوراته وأفكاره ولا عن مؤهلاته الشخصية التى تناسب أو لا تناسب المنصب الرئاسى فى لحظة انتقال معقدة وصعبة.

كانت هناك انطباعات عامة وأقوال مرسلة منسوبة لمن اقتربوا منه فى محطات مختلفة من حياته حملت انحيازات شخصية متناقضة.

هناك من تحمس بالنظر إلى دعاوى كبرى نظرها وبت فيها وأثبت جدارته بالترقى إلى رئاسة المحكمة العتيدة بالكفاءة قبل الأقدمية.. وهناك من وصفه بأنه «سادات آخر» قد ينقلب على من صعدوا به إلى السلطة فى أقرب وقت: «إنكم لا تعرفونه».

لم يتهيب تحمل المسئولية الثقيلة فى ظروف قلقة وعاصفة ونذر الاحتراب الأهلى تلوح فى الأفق السياسى.

بدت حقيقته أفضل من صورته واتساقه مع نفسه غلب نزعة استعراض سلطاته وصلابته منعت انهيارات محتملة للدولة، فلو أنه احتذى نائبه للعلاقات الخارجية الدكتور «محمد البرادعى» مستقيلا من منصبه الرئاسى عند فض اعتصامى «رابعة العدوية» و»النهضة» لتعرضت الدولة إلى أكبر محنة فى تاريخها.

فى (٣) يوليو وجد نفسه لأول مرة فى حياته أمام وجوه يسمع عنها لكنه لم يلتقها من قبل.. وشارك شيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة ورموزا سياسية وشبابية إعلان خريطة المستقبل. كان هذا هو اللقاء الأول الذى جمعه مع وزير الدفاع «عبدالفتاح السيسى». بحسب ما هو متوافر من معلومات لم تكن هناك اتصالات مسبقة معه تحاول استكشاف توجهات رجل يوشك أن يعلن رئيسا للجمهورية.

لم يكن هناك وقت فالأحداث تندفع والمواجهات تكاد أن تشتعل وجرى رهان شبه جماعى على رجل لا يعرف عنه أحد معلومات أساسية إلا أنه رئيس مرتقب للمحكمة الدستورية.

فيما بعد قال «عمرو موسى» على ما استمعت إليه: «تأكدت أن مصر محروسة مرتين بأن تصل الجماعة إلى السلطة وتغادرها فى عام واحد وأن يكون على رأس الدولة رجل مؤتمن عليها كالمستشار عدلى منصور».. المعنى ذاته يتكرر فى اجتماعات غير رسمية لمسئولين كبار. ثمة شىء من الامتنان للرجل ودوره وما أضفاه من مهابة على المنصب الرئاسى افتقده لعقود طويلة. هو رجل يتمتع برصانة القاضى لكنها وحدها ليست كافية لأداء المهام الرئاسية.

باليقين فإن دوره لم يكن هامشيا على أى نحو فى تحولات (٣٠) يونيو.

فى اجتماعات مجلس الدفاع الوطنى بحسب ما رشح من معلومات فإن الرئيس المؤقت أثار غموضه النسبى تساؤلات فى كواليس السلطة الانتقالية عن حقيقة موقف رئيسها من اعتصامى «رابعة العدوية» و«النهضة».. ولماذا لا يعرب عن رأيه حتى الآن رغم احتدام الأزمة؟

كان أقرب إلى قاض يدرس الأوراق والمستندات التى أمامه ويستمع إلى وجهات النظر المختلفة قبل أن يعلن حكمه ويتخذ قراره. لعب دورا محوريا فى حسم أزمة الاعتصامين ما بين رؤى ورهانات تناقضت أمامه. أبدى الفريق أول «السيسى» انضباطا عسكريا أمام رئيس الجمهورية واتبع القواعد والأصول فى التعامل مع المنصب الأرفع. رفض لأكثر من مرة أن يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الأمريكى «باراك أوباما» داعيا أن يكون الاتصال مباشرة مع رئيس الجمهورية وأن يقتصر التواصل معه عبر نظيره الأمريكى «شاك هاجل». الرئيس المؤقت بنفسه أكد فى أكثر من مناسبة أن «السيسى» لم يطلب منه أن يفعل شيئا أو يمتنع عن شىء. بصورة أو أخرى فإن انسجاما لا افتعال فيه جرى ما بين المؤسستين الرئاسية والعسكرية وما بين رجلين أحدهما يستعد لمغادرة موقعه الآن والآخر يتأهب للصعود إليه.

عند حسم أزمة الاعتصامين كان اعتقاده أن المصلحة الوطنية تقتضى بسط هيبة الدولة وفرض الأمن حتى لا تفلت الفوضى من عقالها ولسبب ذاته قرر تاليا قبول استقالة نائبه «البرادعى» بعد ساعات من تقديمها دون مراجعة أحد.

لم يكن أداء مؤسسة الرئاسة مقنعا عند تولى مقاليدها. ارتباكاتها انتقصت من صورته غير أنه بمضى الوقت واكتساب الخبرات بدأ يتصرف كرئيس يثق فى نفسه. منح أغلب صلاحياته المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى إلى رئيس الحكومة على ما طالبت القوى السياسية والشبابية قبل (٣٠) يونيو لكنه أضفى على دوره احتراما افتقده المنصب الرئاسى لعقود طويلة وبدت خطاباته المقتضبة أقرب إلى قلوب مواطنيه من أية أحاديث مطولة.

بالحسم المتوقع لأولوية الانتخابات الرئاسية فإن سؤال مستقبله السياسى يطرح نفسه فى سياق جديد.

للحظة جرى تفكير بصوت عال إذا ما كان مناسبا إضافة نص انتقالى لمسودة الدستور يمدد فترته الرئاسية لسنة أو سنتين إضافيتين حتى يتسنى للأوضاع السياسية المضطربة أن تهدأ، لكنه لم يصمد فى نقاش، فمعنى التمديد بنص دستورى تمديد آخر للفترة الانتقالية بينما الرأى العام يطلب اختصارها وأن يرى مؤسسات الدولة أمامه على أحوالها الطبيعية.. وفى لحظة أخرى جرى تفكير آخر فى ترشيحه لرئاسة الجمهورية، فهو بشخصيته الرصينة يمكن أن يمثل أبا للأمة فى لحظة عاصفة تطمئن المشاعر القلقة بأن كل شىء سيمضى على النحو الذى يقرره الدستور. لم يكن متحمسا للفكرة وأقرب إلى فكرة «اعتزال العمل العام»، فالعودة لرئاسة المحكمة الدستورية العليا تعترضها اعتقاداته بأنه لا يصح أن يكون فى موقع قضائى ينظر دعاوى تتعلق بقوانين أصدرها بصفته رئيسا للجمهورية. بنص عبارة قالها أمام اجتماع للقوى السياسية: «لا يصح لمن مسته السياسة أن يعود للعمل فى القضاء».

فى زخم التحولات الدستورية قد يكون مناسبا وضروريا التفكير فى إسناد رئاسة مجلس النواب القادم لرجل يساعد أكثر من غيره على أوسع توافق وطنى بين القوى السياسية ولديه خبرة قانونية عريضة تضفى كفاءة ومهابة الأداء على منصة البرلمان.