الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 12:22 م القاهرة القاهرة 16.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

اعترافات إخوانية.. ماذا بعد؟

نشر فى : الإثنين 20 مارس 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الإثنين 20 مارس 2017 - 9:35 م

يمكنك أن تصب ما شاء لك من اللعنات على جماعة الإخوان ، وأن تنتقد بمنتهى العنف والضراوة تحالفاتهم السياسية خلال ثورة يناير وما بعدها حتى وصولهم للحكم، ووقوعهم فى إغواء السلطة ومحاولاتهم السيطرة على مفاصل الدولة، ولكنك ستضطر ــ ببعض الموضوعية ــ إلى ابداء تقديرك للتقرير الذى أصدره ما يسمى المكتب العام للإخوان (مكتب الإرشاد المؤقت)، المعبر عما يُعرف بـ«تيار التغيير» أو «القيادة الشبابية» حول مراجعة وتقييم أداء الجماعة منذ يناير 2011 حتى يناير 2017، والذى حمل عنوان «تقييمات ما قبل الرؤية.. إطلالة على الماضى».
فى هذا التقرير اعترفت الجماعة بما يمكن أن نطلق عليه 4 أخطاء خطيرة خلال هذه السنوات، وهى:
1ــ غياب العلاقات المتوازنة مع الكيانات المجتمعية الأخرى من الناحية التكاملية أو التنافسية أو الندية، وغياب مشروع سياسى متكامل للتغيير وإدارة الدولة، وغياب التعامل الأكاديمى المتخصص فى إدارة وتحليل المعلومات.
2ــ ضعف التصورات الفكرية والسياسية تجاه الثورة، واضطراب الخطاب الإعلامى قبل وفى أثناء وبعد الثورة، وعدم الاستفادة المثلى من الرموز الثورية وتقديم التنظيميين عليهم، وعدم الجاهزية السياسية لإدارة مرحلة الثورة الانتقالية.
3ــ العمل السياسى تحت السقف والأفق الذى فرضته الدولة وعدم محاولة رفع سقف ذلك أو تجاوزه، والرضا بكون جماعة الإخوان ملفا أمنيا طوال الوقت وعدم السعى لنقله إلى ملف سياسى، وغياب أى مؤشرات للطموح السياسى عمليا أو فى مساحة تطوير الفكر السياسى أو التنظير له، وعدم انتهاز فرص الانفتاح والتمدد فيها، وعدم العمل الجاد لجعل حرمان منتسبى الإخوان من الوجود فى المؤسسات العامة للدولة؛ كقضية رأى عام ضاغط أو مطلب عادل والاستسلام فى ذلك للواقع.
4ــ علاقة الجماعة الملتبسة بذراعها السياسية حزب «الحرية والعدالة»، والتقصير فى إدارة الدولة، والوقوع فى «مصيدة الأخونة»..
صحيح أن التقرير لن يقنع معارضى الإخوان بقبول عودتهم للحياة السياسية، ولن يشفع لهم لدى السلطة بفتح الأبواب أمامهم، ولكنه فى كل الأحوال خطوة ينبغى أن تقوم بها كل الأطراف والأجهزة والمؤسسات التى لعبت دورا كبيرا أو حتى هامشيا فى ثورة يناير، لكى تمارس النقد الذاتى لتجربتها مع الثورة، وما هى الأخطاء التى وقعت فيها، أو حتى الكوارث التى ارتكبتها.
قد يرى البعض أن هذا النقد الذاتى الإخوانى مجرد مناورة لمواجهة عواصف أمريكية تستهدف تصفية التنظيم تماما بوضعه على قوائم الإرهاب، وقد يرى آخرون أن الإخوان يريدون خداع المصريين بهذه الاعترافات لاستعادة شعبيتهم المفقودة، أو قد يرى فريق ثالث أنهم يستهدفون فقط الحفاظ على ما تبقى من إمبراطوريتهم الاقتصادية التى قد تتبخر فى الهواء بمرور الوقت، وبتوالى الضربات الأمنية ضدهم فى الداخل، أو بإحكام الحصار حولهم فى الخارج خاصة فى امريكا ودول اوروبا.
أيا كان الأمر، وأيا كانت المبالغات فى تصوير نوايا الإخوان، فقد حفل التقرير بنقاط مهمة ينبغى الاشتباك معها أكاديميا وتحليلها علميا، لأنه قد يتعذر التعاطى معها سياسيا فى هذه المرحلة، بانتظار ظروف مختلفة يمكن من خلالها فتح هذا الملف الشائك، الذى يتعدى حدود الإخوان حركة سياسية، إلى قضايا خلافية مصيرية على رأسها علاقة الدين بالدولة وبالسياسة فى عالمنا العربى.
اعترافات الإخوان بقبولهم بتعامل الدولة معهم كملف أمنى وليس كملف سياسى، نقطة جديرة بالبحث.. واعترافهم بانغلاقهم على أنفسهم واهتمامهم بالجانب الخدمى للفئات المهمشة اجتماعيا من منطلقات دينية لا سياسية، نقطة أخرى مثيرة.. واقرارهم بوجود اتفاق غير مكتوب مع أنظمة الحكم السابقة فى مصر باقتصار عملهم السياسى على العمل الإصلاحى لا الثورى مع بقية الفصائل، بسبب التزامهم المنضبط بالمساحة الممنوحة لهم من أجهزة الدولة، نقطة ثالثة أكثر إثارة.
قد لا يسفر تقرير الإخوان عن حدوث تغييرات سياسية مفاجئة، إلا ان هذا لا يعنى أن تتخاذل أحزابنا وقوانا السياسية ومؤسساتنا البحثية عن فحص وتمحيص التقرير، ومناقشته بعيدا عن المناخ السياسى المعادى لهم الآن، وصولا إلى هدف أعلى وأسمى وهو البدء فى عملية إصلاح سياسى شامل يولى قضايا الحريات والديمقراطية ما تستحقه من عناية واهتمام.

محمد عصمت كاتب صحفي