الأحد 19 نوفمبر 2017 11:39 م القاهرة القاهرة 19.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

هوية الأزهر ومرجعيته

نشر فى : الجمعة 20 يوليو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 20 يوليو 2012 - 8:00 ص

تكتسب الصياغة المقترحة للمادة الثانية من الدستور ــ والتى تعطى الأزهر الكلمة الأخيرة فى تعريف أحكام الشرع ــ أهمية كبرى، لا بسبب قصرها المعرفة الإسلامية على الأزهر فحسب، وإنما لما يترتب على ذلك من نقل الصراع والجدل حول المؤسسة الأزهرية من خانة المرجعية إلى خانة الهوية.

 

وقصر المعرفة على مؤسسة بعينها غريب على الفكرة الإسلامية، فالأصل فى التراث أن المعرفة لا تتعلق بمؤسسة ولا بتراتبية دينية وإنما بالتأهيل العلمى، والذى ارتضت الأمة عبر تاريخها شروطه، ومؤسسة الأزهر إنما اكتسبت أهميتها من كثرة علمائها الذين استوفوا هذه الشروط، ومن استقرار وسائل التعليم التى تخَرِّج الطلبة المؤهلين، فصارت الأزهرية علما على المنهج أكثر من المؤسسة، وعلى الجامع لا الجامعة، لأن وسائل التدريس فيه هى التى اعتمدتها الأمة وتلقتها بالقبول ابتداء.

 

والنقطة الأخيرة مفيدة فى فهم الصراع حول الأزهر، والذى سيزداد اشتعالا بجعله أداة يحاول كل طرف السيطرة عليها لفرض رؤيته الدينية، فجامعة الأزهر قد أصابها ما أصاب كل الجامعات من وهن وتفكك خلال العقود الأخيرة، فاختلط منهجها الأصيل بمناهج وافدة أقل أصالة وانضباطا وعمقا، الأمر الذى أوجد لكل تيار قدما فى الأزهر، ولم يعد خريج (جامعة) الأزهر فى العلوم الشرعية منتميا بالضرورة لمدرسة الأزهر التى أقامها (الجامع) طوال السنين، فادعى كل تيار ــ بوجود بعض أبنائه ضمن خريجى الأزهر ــ أنه الوريث الشرعى للمؤسسة، فصار كل على استعداد للقبول بـ(مرجعية الأزهر)، لأن هذه المرجعية ــ فى ظل انعدام التمحيص التأريخى ــ تصلح للتدليل على هويات متباينة.

 

على أن الأزهر صاحب شرعية لم يكن أزهر القرن العشرين الواقع تحت سلطان الدولة، وإنما المؤسسة العلمية المستقلة التى عاشت قبل ذلك، والتى قامت على تدريس العلوم الشرعية المنقولة بالأسانيد المتصلة فى المتون والشروح والحواشى، وانتمى علماؤها لمذهبى الأشعرى والماتريدى فى الاعتقاد، والأئمة الأربعة فى الفقه، والمدارس السبع فى التصوف، والتى أقامت التصورات الاجتماعية على فكرة توازن دوائر الانتماء، بين الاختيارات الاعتقادية والفقهية والسلوكية، والانتماءات المدرسية والمكانية والعائلية.

 

الأزهر الذى شارك علماؤه فى صد الحملة الفرنسية والاحتلال الإنجليزى، ووقفوا فى وجه الحكام الجائرين، أزهر الشيخ البيجورى الذى اشتهر بقوة موقفه من الخديو عباس حلمى، والشيخ الدردير الذى كان يقود الاعتصامات مع الطلبة والشيوخ والتجار اعتراضا على فرض الجبايات، والشيخ البشرى الذى حارب لأجل استقلال الأزهر فى مواجهة الاحتلال، والشيخ الخراشى الذى كان المصريون يلجأون إليه فى مشكلاتهم، والعطار والنواوى والشرقاوى وعليش وغيرهم من شيوخ الأزهر وكبار علمائه الذين عبروا عن منهجه التراثى.

 

ولم يكن وقوع الأزهر تحت سلطان الدولة وتفككه فى القرن العشرين استثناء، فهو فى ذلك كسائر الجامعات والمؤسسات الحكومية التى ضعف مستواها العلمى، وقد انتزعت منه أسباب استقلاله وهى الأوقاف التى وفرت له استقلالا ماليا عن الدولة وأوجدت له الموارد اللازمة للتميز فى العملية التعليمية، والطرق الصوفية التى كانت هى الأخرى مستقلة، ووفرت له تأييدا مجتمعيا حصنه ضد بطش السلاطين (بحسب كتاب وصف مصر فقد كان كل المصريين المسلمين أعضاء فى طرق صوفية وقت الحملة الفرنسية)، ثم استكمل هذا الإخضاع للدولة بالقانون 103 لسنة 1961 والذى مكن الدولة من التدخل فى كل شئون الأزهر، وحوله جامعة حكومية.

 

وكان تفكك الأزهر فى نهايات القرن التاسع عشر تدريجيا: أنشئت دار العلوم لتنتزع منه وظيفة التعليم، ودار الإفتاء لتنتزع منه وظيفة الإفتاء، ومدرسة القضاء الشرعى لتنتزع منه وظيفة القضاء، فلم يبق له من مهامه الرئيسة غير الوعظ والإرشاد، ومع انتزاع الأوقاف وتقليص استقلالية الطرق الصوفية فإنه فقد الكثير من هيبته أيضا.

 

وبالتوازى مع ذلك فقد فتح الأزهر أبوابه لتيارات أقل أصالة وانضباطا (وأكثر أموالا وإعلاما)، وهى سنة سنها الشيخ محمد عبده الذى قرر تجاهل تراث الأزهر العلمى وأسس مدرسة تقوم على التصالح مع الوافد أكثر من الموروث، والوقوف ــ عند الاختيار بينهما ــ على أرض الوافد لا الموروث ولا الحياد، وتبعه فيها بعض أزهريى القرن العشرين كالشيخ المراغى والشيخ طنطاوى، والذى اكتمل معه انسلاخ المؤسسة عن أصولها الفكرية وتراثها العلمى، واكتملت القطيعة بينها وبين أزهر القرن التاسع عشر، الأمر الذى أدى لضعفها الشديد فى مواجهة تيارات التيارات الوافدة عليها، والتى صار المنتمون إليها يشكلون قطاعا من خريجيه.

 

وخلال العقود الأخيرة أدى تسلط الدولة على الأزهر لاستخدامه كأداة لتبرير وسائلها فى الحكم، على نحو أدخله فى صراع مع الإسلاميين، فتحول فى أعينهم من مرجعية إلى خصم، الأمر الذى ألجأهم للتعلم عند غيره، وساهم ــ مع عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية ــ فى إيجاد أرضية اجتماعية لتيارات دينية غريبة على البيئة المصرية، وجد بعضها مساحات فى الأزهر المفكك تحرك فيها، وانطلق منها لمساحات مجتمعية أوسع أعادت تعريف الأزهر ومنهجه فى عقول الكثيرين.

 

وفى ظل هذا المشهد فإن تغيير المادة الثانية من الدستور إلى النص المقترح تمثل تهديدا إضافيا لهوية الأزهر العلمية والثقافية، فهو يعنى أن التأثير الشرعى التشريعى لكل ما استثمره كل تيار من التيارات الإسلامية فى مؤسساته الخاصة صار صفريا، ولم يعد لهذه التيارات إن أرادت إنجاح مشروعاتها الفكرية إلا أن تفعل ذلك من خلال تسييدها فى الأزهر، وهو ما لم يعد بعيد المنال فى ظل تفكك المؤسسة وانسلاخها عن تراثها، ووجود عدد من خريجى جامعة الأزهر وأساتذتها ممن يصرحون فى محاضراتهم فى الجامعة برفضهم لمنهجها الذى قامت عليه، ويدعون لمناهج وافدة، الأمر الذى يعنى أن تغيير الأزهر لم يعد يعنى أكثر مما تقول قيادته، والتى صارت حرة فى التعبير عن موقفها متحررة من كل إرث المؤسسة المنهجى والفلسفى والفقهى.

 

والقيادة الحالية للأزهر مطالبة بإعادة إحياء المؤسسة على قواعد منهجها المتوارث، ولن يكون ذلك بغير استقلال حقيقى يحرر الأزهر من سلطان الدولة ماليا وإداريا وفكريا، وعمل دءوب على إصلاح ما فسد فى المنظومة العلمية بأركانها المختلفة، وجهد فكرى يعيد ربط المؤسسة بقضايا واقعها العلمية والحياتية، وإصلاح مؤسسى يبنى الإدارة على أسس تجمع بين الانضباط العلمى والكفاءة الإدارية، وهو عمل يبدو فوق طاقة المؤسسة الأزهرية بأركانها المختلفة فى الوقت الراهن.

 

إن الإصلاح المطلوب فى الأزهر ليس إجرائيا يقف عند حدود التطوير المؤسسى، ولكنه فكرى يعود بالأزهر إلى ما بنى عليه من انضباط علمى ومنهج يقوم التدقيق والتراكم المعرفى، ويعيد تعريف دوره ليبعده عن مساحات المنافسة الحزبية، ويعود به متحركا ــ على أسسه الفكرية ــ فى مساحات التعليم والتوجيه العام والبحث العلمى، وهذا الواجب يستند فى شقه الفكرى إلى جهود أبناء الأزهر ممن ينتمون حقيقة لمدرسته، ولتمكين هذه الجهود من قبل التيارات الدينية الحريصة على الأصالة والانضباط الدينيين، والتيارات السياسية الحريصة على بناء مؤسسات تعليمية وعلمية تقوم على احترام العلم وتوقير أهله.

التعليقات