الخميس 17 أغسطس 2017 11:50 ص القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في «أكشاك الفتوى» بمحطات مترو الأنفاق؟

القاهرة: مدينتى وثورتنا (٢٩)

نشر فى : الخميس 20 أغسطس 2015 - 9:30 ص | آخر تحديث : الخميس 20 أغسطس 2015 - 9:30 ص

الموجة الثانية

شارع مجلس الوزراء: ١٦ إلى ٢٢ ديسمبر ٢٠١١

السبت، السابعة صباحا

انتهينا من صياغة البيان فجاء فيه إعلان استمرار الاعتصام ومطالبه من نقل سلطات رئيس الجمهورية من المجلس العسكرى إلى «سلطة مدنية يرتضيها الشعب»، وتشكيل حكومة إنقاذ وطنى (حقيقية)، وإقالة النائب العام، والتعامل اللائق مع قضية الشهداء والمصابين، وتحويل المحكومين عسكريا إلى القضاء الطبيعى، وفتح شارع محمد محمود. وجاء فيه هذا الإعلان للنوايا:

“سوف نستثمر جهد وإبداع الشعب المصرى فى ثورته بأن نستمر فى الفعاليات التى ظهرت فى الميدان على النحو التالى:

(١) سنقيم خيمة للعلاج تقدم خدمة متميزة لشعبنا، فالأطباء الثوار سيقدمون الاستشارة الطبية وما تيسر من علاج لأى مواطن يأتى إلينا فى حدود تبرعات المواطنين المصريين للمستشفيات الميدانية.

(٢) سنقيم خيمة لرعاية الطفل كى يجد الأطفال الفقراء والأيتام ملجأ آمنا بين خيام الثوار، وسنقيم فصول محو أمية وغيرها لهم، وسنستمر فى توفير هذا الملاذ للأطفال.

(٣) سوف نقيم فعاليات أدبية وفنية وثقافية فى الأمسيات وفى أيام الجمعة، والدعوة عامة والكل مرحب به.

هذه هى مصر الثورة، نجسدها أمام مبنى المجمع فى ميدان التحرير لتبقى فى قلوب الجميع ومخيلتهم.

وجاء فيه توضيح الموقف من الانتخابات: «لقد اختار الشعب أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع ونحن ــ بالرغم من عدم حماسنا لهذه الانتخابات التى تتم تحت رعاية مجلس عسكرى قتل إخوتنا وأعاق ثورتنا ــ إلا أننا نحترم إرادة الشعب وتوجهاته، ونؤمن بأننا كلنا نتجه نحو هدف واحد وهو تحقيق الحياة الكريمة لكل مواطن فى ظل حكومة مدنية منتخبة».

وأعلن فتح الميدان:

«مراعاة منا لمصالح المواطنين الذين يسكنون أو يعملون فى ميدان التحرير والمناطق المجاورة له أو يحتاجون إلى المرور منها، سوف نعتصم فى الميدان وشارع مجلس الوزراء بما يسمح بفتح الميدان ومرور السيارات فيه بشكل طبيعى. وسوف نؤَمِن مرور الموظفين إلى أعمالهم والمواطنين إلى مصالحهم داخل مبنى المجمع كل يوم، ويكون هذا فاعلا من الساعة الخامسة بعد ظهر يوم السبت ٣ ديسمبر».

والقارئ الكريم يعلم بالطبع أن الثوار لم يتمكنوا من فتح الميدان للسيارات يوم السبت، فحين اتجهوا للحديث مع «أمن البوابات» حول قرار فتح الميدان تطور النقاش سريعا إلى مطاوٍ فُتحَت فى أوجههم، ثم سِنَج، مع الوجود الدائم ــ طبعا ــ للشوم.

الأحد

الزيارة المعتادة لدادة عزيزة. الكل يتحدث عن الابن الذى لا يجد عملا وهو خريج معهد صنايع وأخذ أخيرا دورة فى الجرافيكس تكلفت خمسمائة جنيه؟

ثم إلى وقفة تضامنية أمام دار القضاء العالى بمناسبة طلب الاستئناف على الحكم بحبس علاء عبدالفتاح احتياطيا على ذمة التحقيق فى أحداث ماسبيرو، والمطالبة بإعادة محاكمة جميع المحبوسين بأحكام عسكرية أمام قاضيهم «الطبيعى». الوقفة قوامها نحو ثلاثمائة شخص. المارة متعاطفون ــ فيما عدا سيدة تصيح فى هلع مطالبة بالاستقرار.

ثم إلى ميدان التحرير حيث أجلس على الرصيف أستمع إلى قصة شاب: حسن، من الجيزة، صاحب طفلتين، نزل إلى الميدان لأنه يريد لهما فرصة أفضل مما أتيح له فى الحياة، وبالذات يريد لهما التعليم. كان يستأجر قهوة يديرها ثم رفع صاحب القهوة الإيجار فاستحال عليه، فتحول للعمل باليومية، لكن اليومية المعروضة تناقصت حتى صارت خمسة عشر جنيها والبيت لا يقوم على أقل من عشرين جنيها فى اليوم. كُسِرَت ساقه وهو فى الرابعة عشرة وهى إلى الآن تؤلمه أحيانا لدرجة تبكيه كالطفل. قيل له إنه بحاجة إلى أشعة مقطعية، وهى تتكلف سبعمائة وخمسين جنيها، فكيف له أن يحلم بأن يحتكم على هذا المبلغ زيادة عن ضرورات بيته؟ يرى أمله الوحيد فى نجاح الثورة وتَحَقُق مشروعها للعدالة الاجتماعية: العمل بأجر عادل، الحق فى التعليم، الحق فى الرعاية الصحية.

ندخل معا إلى الميدان ثم إلى النقاش الدائر من جديد حول الفتح والإغلاق. يستمر النقاش لساعات، وناس تخرج منه وناس تدخل إليه. نقاش على مستوى عالٍ من الوعى السياسى والحس البراجماتي؛ أتعلم منه الكثير. يؤخذ قرار بالضرورة الحتمية لفتح الميدان، وتوضع خطة للسيطرة على البوابات ويبدأون فى التنفيذ.

الإثنين، الثانية صباحا

تأتينى المكالمة من حسن: «أنا قلت أفرحك: البوابات اتفتحت، وبنجيب مقشات وبنضف الميدان، العربيات تيجى تلاقيه زى الفل».

التاسعة صباحا

فى محكمة جنوب القاهرة بالعباسية. شباب كتير بملابس السجن الزرقاء يدخلون القفص ويخرجون من القفص وأمهاتهم تجرى وراءهم، تحاول إعطاءهم سندوتش، أو لفافة ورق، وبعد أن يختفى ابنها ترى الأم تدس ورقة مالية فى جيب رجل أتصور أنه المحامى. نخرج لنقف فى الشمس عند الباب الخارجى ثم يأتى علاء فى تريننج السجن الأبيض، ضاحكا مضيئا مكلبشا فى رسغ الشرطى المرتدى الصوف الأسود، نهجم عليه أنا وأمه وحماته لنُقَبِله (منال، زوجته، يبطؤها الحمل فلم تصل بعد من قاعة المحكمة)، يُدخلوه قاعة المداولة، تمر فترة، يخرجوه من قاعة المداولة، ونتمكن جميعا ــ الأسرة والأصدقاء ــ من الالتفاف حوله هو ومنال وليلى. يجيب على أسئلتنا، يقول أنهم يضيقون الخناق عليه، كل ما يدخل إليه أو يخرج من عنده يُفَتَش ولذا انقطعت مقالاته، إذا تحدث اليوم مع سجين يجده غدا محلوق الرأس، مضروبا، يضع وجهه فى الأرض. أدخلوا إلى السجن نشرة غريبة تتهمه بالعمالة والاتهامات الخيانية المعهودة ــ فجأة وبدون إنذار ترتفع الأصوات بالأوامر ويسحبوه من وسطنا ويجرون به إلى السيارة ويغلقون الباب عليه وينطلقوا فنقف فى حوش المحكمة ونهتف له بأعلى صوتنا وقوتنا.

مكالمة من حسن: البوابات اتقفلت، وحَدِفُوا العربيات بالطوب ورفعوا الشوم والأوضاع مش كويسة أبدا.

ونحن فى حوش المحكمة فى العباسية تأتينا التعليمات: «روحوا بقى خدوا قرار المحكمة من نيابة أمن الدولة فى التجمع الخامس» فنجرى إلى السيارات، وحين نصل إلى التجمع الخامس يصلنا النبأ: رفضوا الاستئناف وعلاء مستمر فى الحبس.

الثامنة مساء

حاول الثوار فتح البوابات ثلاث مرات، وفى كل مرة المسئولون عن أمن الميدان يغضبون غضبا شديدا ويحدث صياح ويُرفع السلاح أبيض: الميدان لن يُفتَح. الشباب يعرفون الآن الشخصيات التى تسيطر على البوابات ــ ولنقل إنهم من «المواطنين الشرفاء».

فى الميدان شباب ما زالوا يتحدثون عن تفعيل الاعتصام بفعاليات جميلة، ومعارض صور، وشراء كاميرات لبَث إخبارى متصل، ليعرف الناس حقيقته وحقيقة الثوار. فى النهاية يضطر زملاؤهم فى الاعتصام إلى الجهر بالسؤال: هذه البوابة التى تبعد عشرين مترا عنكم، هل لأصواتكم أى قيمة فى قرار فتحها وقفلها؟ (لا). هذه المعارك والصفقات والممارسات التى تدار على بعد أمتار منكم، هل لكم أى نفوذ عليها؟ (لا). هل أنتم أصلا تدرون ماهيتها؟ (لا). لكنها تُنسَب إليكم. (نعم). فأنتم تجلسون هنا تخططون لمعارض صور، ومستشفيات، وعيش وحرية، وأنتم فى الواقع المعرض، أنتم العمل الفنى لـ«الأيادى الخفية»: تقيم أنشطة مغايرة، مكروهة، قريبة منكم، وتلصقها بكم فى عيون الناس، فتشحن الناس ضدكم، وتغلق عليكم البوابات وتصور للناس أنكم أنتم الذين تغلقونها وتمنعون المرور والعجلة الاقتصادية والخير. إلى ماذا يهدف هذا المعرض فى ظنكم؟ إلى أين يذهب هذا السيناريو؟

الثلاثاء

رفع الكثير من الثوار الخيام من التحرير. البعض ذهب إلى شارع مجلس الوزراء، والبعض علَق. الخيام الباقية تتمسك بالتفاؤل نحو إمكانية فتح الميدان والتواصل مع الناس وهم يستعملون الميدان بشكل عادى، وهذه الخيام تجدها فى الأغلب أمام المجمع.

السمة الأساسية فى الميدان اليوم هى الاختراق؛ فيه البلطجية وفيه مبعوثو التحريات العسكرية، وفيه «الأيدى الخفية»، والمواطنون الشرفاء. وما هو أكيد الآن ــ وبالرغم من تصريحات اللواء حمدى بادين ــ هو أن الثوار يغادرون ميدان التحرير، فيما عدا، إلى الآن، ركنٌ برىء متفائل قرب المجمع. والأكيد أيضا أن الثوار قد حاولوا، العديد من المرات فى الأيام الماضية، فتح مخارج الميدان أمام حركة المرور فلم يتمكنوا، وعلى من يريد المرور أن يتفاوض (أو يصب لعناته) الآن على المواطنين الشرفاء ومَنْ وراءهم.

كلمة أخيرة عن جهاز الأمن الرسمى فى مصر، والذى من المفترض أن عمله أن يحمى المواطن الذى يتصرف فى حدود القانون، فيمكنه من التظاهر والاعتصام والعمل العام، جهاز الأمن الرسمى هذا غائب عن الميدان. وغيابه يعبر عن علاقة غريبة: فجهاز الأمن ما زال هو عدو أساسى للثورة والثوار، بينهما تار إرهاب الجهاز للناس عبر أكثر من ثلاثين عاما، وتار هزيمته أمام الثوار وحرق بعض مقاره فى يناير وفبراير، ثم قتله المبرمَج للثوار وتكسير عظامهم وفقء عيونهم منذ يناير وانتهاء بموقعة شارع محمد محمود، هذا مع امتناع المجلس العسكرى، حامى الثورة، وحكوماته المتتابعة عن إطلاق أى محاولة لإصلاح الجهاز وتغييره. فالواقع أن اعتصام نوفمبر/ديسمبر فى ميدان التحرير لم يكن مخططا له بل جاء كرد فعل لتعامل جهاز الأمن مع المصابين الموجودين فى الميدان صباح السبت ١٩ نوفمبر ثم كاستجابة لاعتداء الأمن على الميدان واشتباكه معهم فى معارك شارع محمد محمود وقتله للناس وسحل جثامينهم. والأمن ليس بريئا من الاختراقات والتجاوزات التى تحدث اليوم فى الميدان، إلا أنه أظهر خفة الدم حين قال للثوار، وبدلال محَبَب: «لو عاوزنى.. اطلبني»!

وبما أن الدكتور الجنزورى مُصِر على تشكيل وزارة، فليعطينا عربون حسن نية بتكليف وزير داخلية يتبنى مشروع إعادة هيكلة المنظومة الأمنية الذى طرح على صفحات هذه الجريدة أكثر من مرة. فكل مواطن فى هذا البلد يعرف أن أمورنا لن تبدأ فى الاستقامة إلا لو تم إصلاح الأمن ــ ولكل مصالحه وحساباته».

التعليقات