الأحد 18 نوفمبر 2018 7:29 م القاهرة القاهرة 22.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أيّتها اللغة العربية إنّى أحبّكِ

نشر فى : الثلاثاء 20 ديسمبر 2016 - 9:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 20 ديسمبر 2016 - 9:45 م
بمناسبة الاحتفال بيوم اللغة العربية، 18 كانون الأول، أكتب لنفسى ما يأتى: لو لم أجْنِ من حياتى إلاّ معرفتى المتواضعة باللغة العربية، وتَمَكُّنى المتواضع أيضا من الكتابة فيها، نثرا للتخاطب وأدبا خالصا، لَما كنتُ أستحقّ ربّما أن أحيا هذه الحياة، وأتمتّع بخيراتها، وكنوزها، وأسرارها.

بالحبر الجهير أسطّر، شاهدا ومعترفا: ما كنتُ لأكون أنا، لولا هذه اللغة. ما كنتُ لأكون حقّا أنا، لولا خبرة الحبّ التى أكتسبها يوميا من تمرّسى بها، وعلاقتى معها. هذه اللغة العربية، فضلُها عليَّ، كفضل أمّى وأبى اللذين أنجبانى لأكون منذورا لها بالذات، ومنذورا فى الآن نفسه لكَرَم القلب والحرية، اللذين سأظلّ أكرّس لهما ما بقى من أيّامى.

تُمثِّل هذه اللغة العربية عندى بداهةً شبه مطلقة، بل هى بداهةٌ مطلقة، مثل بداهة الينبوع الذى لا يكفّ عن كونه ينبوعا. كرامتُها لديَّ توازى كرامة الحلم المفتوح على جرحه الأبديّ، غير القابل للارتواء، أو الاكتفاء، أو الاندمال.

ما أحببتُ شخصا، أو مكانا، أو فكرةً، أو قضيةً، إلاّ أكرمتُهم بما يختزنه قلمى من حبر هذه العربية، الذى هو الغنى الفريد الذى أعتزّ بأنّى أملكه فى عقلى ملكا معنويا لا يمكن أن ينال منه تَغَيُّرٌ فى بورصة الزمان والمكان، ولا انقلاب.

ترى، ما يكون الحبّ؟ خذوا منّى هذا الجواب: أن لا ينتهى الحبّ. أبدا. ولا بسدل الستار. ولا حتّى بالموت ينتهى.

خذوا حقيقتى كاملةً: مثلما لا ينتهى حبّى للناس، والأمكنة، والأفكار، والقضايا، الذين أحببتهم، هكذا هو حبّى للغة العربية.

أهو مَرَضٌ، هذا الحبّ؟ أم قَدَرٌ؟ أم انتماءٌ؟ أم نعمةٌ؟ أم لعنة؟ البحث لديَّ عن جوابٍ، علميّ أو نفسيّ، دقيق لهذا السؤال، لا يهمّ. صدِّقونى، هو لا يهمّ البتّة. فأنا لا أُخضِع حبّى لأيّ سقف. حبّى، سقفُهُ السماء.

نشأتُ فى بيتٍ كان الأهل فيه يستأجرون الكتب الأدبية لقراءتها على ضوء القنديل أو الشموع. كان حبر الكتاب، ممزوجا بتقشّف الخبز والزيتون، وعطر الكرامة، هو جلُّ ما أتذكّره من طفولتى العظمى. إذا خسرتُ كلّ حياتى، فلن أخسر هذه الصورة.

إنه الفجر. فجر 18 كانون الأول 2016. استيقظتُ مبكرا. صنعتُ قهوتى. وجلستُ وراء الشاشة. شيءٌ من الرذاذ الخفيف يذكّرنى بأنى ولدتُ فى العاصفة. وتحت المطر. ذلك الماء هو الحبر. يعزّ عليَّ أن تئول اللغة العربية على أيدى مستخدميها، إلى ما آلت إليه. لكنّى لن أستسلم. أيّتها اللغة العربية، إنّى أحبّكِ!

 

التعليقات