الإثنين 12 نوفمبر 2018 8:56 م القاهرة القاهرة 21.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أوباما على مشارف سنة (بائسة)

نشر فى : الخميس 21 يناير 2010 - 10:25 ص | آخر تحديث : الخميس 21 يناير 2010 - 10:25 ص

 شامت أمريكى كبير كتب يقول إن أوباما قبل عام مضى كان ملكا متوجا للعالم بأسره. كان زعيما لتيارات تدعو لنهضة جديدة لليبرالية فى الولايات المتحدة، وكان السياسى الأكثر شعبية وصاحب أقوى شخصية كاريزمية فى العالم. يسأل الشامت الكبير سؤالا يردده آخرون غير شامتين بالضرورة ولكنهم مذهولون، يسألون جميعا كيف يمكن لزعيم وصل إلى هذه المكانة أن يسمح بتدنى عنها شعبيته من مشارف نسبة الثمانينيات إلى 46٪. أما الشامت الكبير فهو الكاتب المحافظ المتشدد شارل كروتهامر.

هى حقا بلاد العجائب، هكذا يصف أمريكا الكاتب اليسارى المعروف ويليام ريفرز بيت. يقول بيت إن أحداثا كبارا حدثت فى أمريكا خلال الأعوام الإثنى عشر الماضية ما كان يمكن أن تحدث مثيلاتها فى أى دولة أخرى فى مثل هذه المدة القصيرة نسبيا. حدث فى أمريكا أن رئيسا له شعبية فائقة حوكم وأدين بسبب أنشطته الجنسية ورئيسا آخر وصل إلى البيت الأبيض بعدد من أصوات الناخبين يقل كثيرا عن عدد الأصوات التى حصل عليها منافسه فيما اشتهر بفضيحة انتخابات ولاية فلوريدا. كان الخاسر آل جور أما بوش الذى فاز بالخديعة والكذب فقد كافأه الشعب الأمريكى بولاية ثانية ليقضى فى البيت الأبيض ثمانى سنوات رئيسا يحوطه الشك فى أخلاقه وقدراته الذهنية . وفى أمريكا نجحت إدارة الرئيس بوش فى أن تستخدم أسوأ يوم فى التاريخ الأمريكى المعاصر لتشرع قوانين وتخلق أجهزة تسمح لها بالتجسس على المواطنين واختراق خصوصياتهم وفضح حساباتهم المصرفية وهتك أسرارهم وأستارهم. فى هذا البلد نفسه كادت سيدة أمريكية تصل إلى منصب رئاسة الجمهورية محققة نصرا للمرأة الأمريكية ومحطمة قيودا وتقاليد عديدة، وخرج نائب رئيس جمهورية سابق يمتدح التعذيب والمعتقلات وتضييق الحريات ويدعو الحكومة إلى استخدام المزيد منها. أما آخر حلقة فى سلسلة الأحداث التى دفعت بالكاتب إلى وصف أمريكا ببلد العجائب، فكانت عن انتخاب الشعب الأمريكى لرجل أسود رئيسا له. ونستطرد معه، ونضيف إلى مسلسل أحداثه حلقت تتحدث عن هذه «الضائقات» التى مر فيها هذا الزعيم الأسود وهى تجتمع الآن متراكمة، ولم يكتمل العام على الليلة المشهودة التى احتفلت فيها جماهير شيكاغو بباراك أوباما زعيما لكل الإصلاحيين وكل الفقراء وكل الألوان غير البيضاء من بنى البشر وكل المسلوبة حقوقهم. وكانت شعوب العالم فى تلك الليلة شاهدة ومباركة.

****

يسألون كما نسأل عن الأسباب والظروف التى هوت بهذه الشخصية الأسطورية من عليائها إلى واقع قاس ومرير.. حدث الكثير.. حدث مثلا، فى رأيى على الأقل، أن قانون «الإبداع المتناقص» فعل مع أوباما ما فعله مع العديد من المبدعين عبر التاريخ، وأوباما أحد المبدعين بدون شك. سحر ملايين البشر بقدرة فريدة على الخطابة والفصاحة حتى شبهه بعض فلاسفة الغرب بشيشرون خطيب الرومان المفوه. لم تنطفئ جذوة إبداعه فى الخطابة فخطابه فى أوسلو وهو يستلم جائزة نوبل شاهد، ولكن لم يرتفع مستوى إبداعه فى ملكات أخرى حسبت له خلال مراحل صعوده السياسى، كموهبة القيادة التى مارسها فى أحياء الزنوج فى ضواحى شيكاغو وموهبة الفراسة فى اختيار المعاونين وهذه كشفت عن نفسها خلال المرحلة الانتخابية، لم يرتفع مستوى هذه المواهب وغيرها إلى مستوى موهبته فى الخطابة والإقناع، بل تراجع وبرزت نقاط عجزه وقصوره.

شاءت ظروف أوباما أن يتولى الرئاسة والبلاد تطحنها أزمة مالية واقتصادية ومع ذلك استطاع إقناع دافع الضرائب الأمريكى أن يتحمل تكاليف إنقاذ مصارف وشركات كبرى من الإفلاس، مقابل الشروع فى تنفيذ برامج اجتماعية التزم بها فى حملته الانتخابية. وفى نهاية العام كان الليبراليون من حلفائه يتهمونه بأنه بدعمه الشركات والمصارف خان الفقراء والقطاعات اليسارية التى حملته إلى السلطة، وكان المحافظون يتهمونه بأنه «يقود حملة صليبية متطرفة هدفها تركيع أمريكا وإعلان إفلاسها». وفى ظنى أن التيارات اليمينية فى الحزب الجمهورى وجماعات المحافظين الجدد لعبت الدور الحاسم فى تشويه صورة أوباما. إذ جاءت حملتهم على درجة من الضراوة يقال إن أمريكا لم تعرف مثيلا لها من قبل، استخدموا فيها أساليب جديدة، مثل حفلات الشاى التى تنعقد فى شتى المدن الصغيرة، لبث أفكار مخربة كالقول مثلا إن أوباما «عميل سرى ومسلم وشيوعى مهمته تدمير الرأسمالية الأمريكية عن طريق تدبير وقوع انهيار مالى». لم يأت هذا الاقتباس عفويا أو متعمدا من صحفى مغمور ولم يصدر عن شخص غوغائى هدفه إثارة فتنة فى حفل خطابى أو اجتماع سياسى، ولكنه صدر عن جون ماكين المرشح الجمهورى للرئاسة فى الانتخابات الأخيرة، أى عن رجل كان يمكن جدا أن يكون الآن فى البيت الأبيض.

قرأت تعليقات شرسة فى أعقاب الانفجار الذى وقع فى الملابس الداخلية لعمر الفاروق عبدالمطلب على مقربة من مطار ديترويت، قرأت أن أوباما يتعمد تسهيل عمليات الهجوم على أمريكا ويرفض الاعتراف بأن التهديدات القائمة تصل إلى مستوى الحرب ويخشى من أن العودة إلى استخدام تعبير الحرب يعرقل تنفيذ برامج إعادة بناء المجتمع الأمريكى على أسس غير رأسمالية أو غاير مسيحية.. «أوباما رجل اشتراكى لا يهتم بالحرب ضد الإرهاب، ومستعد أن يضحى بأرواح الأمريكيين فى سبيل تطبيق الاشتراكية». أما صاحب هذا الاقتباس الشرس فكان رتشارد تشينى نائب الرئيس السابق، أى من رجل كان يمكنه هو الآخر أن يحتل المكتب البيضاوى لو أصيب الرئيس بمكروه.

****

لا تقتصر الانتقادات العنيفة والشرسة على ممثلى اليمين السياسى والدينى الأمريكى إذ خرج قطاع كبير من الليبراليين ويسار الحزب الديمقراطى ليعلن أن أوباما خان عهوده التى قطعها على نفسه وبخاصة التزامه كسر شوكة جماعات الضغط الأمريكية وإضعاف نفوذها فى عملية صنع القرار فى واشنطن. خان أوباما عهوده أو عجز عن الوفاء بها عندما خضع لضغوط شركات الأدوية والتأمين الصحى فى قضية تطوير نظام الرعاية الصحية، وخضع لضغوط شركات السلاح والمؤسسة العسكرية عندما تهاون فى قضية سحب قوات أمريكا من الخارج. ليس صحيحا أنه كان رخوا فى التعامل مع «الإرهاب» كما يزعم قادة الجمهوريين، ففى عهده استخدمت بكثافة الطائرات بدون طيارين التى تضطلع بدور مشهود لا ينافسها فيه سلاح آخر فى قتل المدنيين فى باكستان وأفغانستان والآن فى اليمن. وفى عهده وقعت أكبر زيادة فى عدد القوات المحاربة فى أفغانستان ونشبت حرب أمريكية ثالثة فى باكستان وتستعد إدارته لشن حرب جديدة فى اليمن، هذا بالإضافة إلى أنه لم يغلق معتقل جوانتانامو كما وعد.

يعلن روبرت رايش أحد قادة الحزب الديمقراطى والوزير السابق لشئون العمل والأستاذ الجامعى المرموق فى معرض انتقاده لسياسات أوباما الاقتصادية والاجتماعية، أن مصارف أمريكا عادت إلى ممارسة عاداتها الخبيثة التى كانت بين أسباب كارثة الكساد العالمى. عادت تراهن «بتهور ووحشية» وتكوّم الديون، وتحقق أرباحا خرافية ويحصل مديروها وكبار المسئولين فيها على حوافز مثيرة لغضب الناس الذين تحملوا عبء تسديد ديونها، ويقول رايش إنه لا يذيع سرا عندما يعلن أن جماعات المصالح المصرفية أنفقت خلال عام واحد وهو العام الأول من ولاية أوباما، أكثر من 42 مليون دولار دخلت جيوب نواب وشيوخ أمريكيين و344 مليون دولار على الاتصالات والأصدقاء وكل ما يدخل تحت بند حماية مصالح القطاع المصرفى. ويختم رايش شهادته بالتحذير من أن الأزمة المالية مازالت قائمة وأنها قد تشهد انفجارات أخرى قريبة لأن المصارف والشركات المالية الكبرى تأكدت من أن حكومة أوباما ستلجأ مرة أخرى لدافع الضرائب لإنقاذ «نظام رأسمالى متدهور سمعة وكفاءة».

****

وفى الخارج، لم يكن حظ أوباما أفضل. فقد خسرت أمريكا نقاطا إضافية فى سباق القيادة الدولية بسبب الموقف المتردد والهزيل الذى اتخذه أوباما فى كوبنهاجن. خرجت أمريكا من كوبنهاجن تحمل وصمة عار كونها الدولة الأعظم تلويثا للبيئة، بالإضافة إلى الجهود التى بذلها أوباما خلال المؤتمر لتحميل الدول الصاعدة، وبخاصة الهند والبرازيل والصين،مسئولية تخفيض درجة التلوث والمساهمة فى تكاليفه علما بأن المواطن الأمريكى يبعث إلى الجو بما يتراوح بين أربعة وعشرة أضعاف ما يبعث به المواطن الصينى أو الهندى. وكانت إساءة أوباما إلى الدول النامية بالغة حين استمر ينذرها بأنها سوف تغرق بعد سنوات قليلة متجاهلا مسئولية أمريكا عن ارتفاع مستويات البحار والمحيطات. المؤكد على كل حال هو أن أمريكا بقيادة أوباما خرجت من كوبنهاجن بقدرة أقل على قيادة الحرب ضد تلوث البيئة وخرج أوباما شخصيا فاقدا جزءا من شعبية كان يتمتع بها فى عالم البؤساء.

وخسر أوباما جانبا أعظم من شعبيته فى الأوساط الشعبية فى دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامى، خبا «الوهج الأوبامى» فى استانبول وفى القاهرة كما فى مدن وعواصم عربية وإسلامية كثيرة، هذا الوهج الذى كاد يصنع صورة أخرى لأمريكا. عرف العرب مثلا، أن أوباما ليس أكثر من «نمر من صوت»، لا يخيف إرهابيين وعنصريين من نوع ليبرمان ونتنياهو، ويستهين به حكام مستبدون. كذلك عرفه قادة الصين وروسيا والبرازيل رجل دولة كلماته ساحرة وأعماله متواضعة.

****

لن تكون سنة 2010 أفضل لأوباما من سنة 2009، هذا ما كتبه خبراء مجلة الإيكونوميست البريطانية. الذين استخدموا كلمة «بائسة»كصفة لسنة 2010، وقدموا لدعم توقعاتهم أسبابا هى ضعف التحالف الذى حمل أوباما إلى البيت الأبيض، وهول التركة الرديئة التى خلفها له الرئيس بوش وإدارته، وشدة المقاومة التقليدية للتغيير فى صفوف الشعب الأمريكى وقادته، وخوف أمريكا من أى شخص يطرح فكرة ضرورة تدخل أكبر من جانب الدولة أو قيود أوفر على فرص الفرد العادى.

أما الميزتان الأعظم لأوباما، وهما لون البشرة وفصاحة اللسان، فقد يثبتان خلال 2010 أنهما وإن كانا مبهرين إلا أنهما غير كافيين.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.