الأحد 17 ديسمبر 2017 9:54 م القاهرة القاهرة 20.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

مصر فى مرحلة التحول إلى سلطوية جديدة.. قانون الجمعيات الجديد نموذجًا

نشر فى : السبت 21 يناير 2012 - 9:30 ص | آخر تحديث : السبت 21 يناير 2012 - 9:30 ص

«للوزير المختص أن يكتفى فى أى من الحالات المشار إليها بإصدار قرار بإلغاء التصرف المخالف أو بإزالة سبب المخالفة أو بعزل مجلس الأمناء وتعيين مجلس مؤقت لمباشرة أعمال المؤسسة لمدة عام قابلة للتجديد مرة واحدة إذا اقتضت الضرورة ذلك أو بوقف نشاط المؤسسة».

 

هذا النص ليس من أحد قوانين ليبيا القذافى ولا سوريا الأسد أو حتى مصر فى عهد مبارك، وإنما لسوء الطالع المادة 54 من مقترح قانون الجمعيات فى مصر بعد الثورة، إذ فاجئنا نفس الفريق الذى كان مسئولا عن المجتمع المدنى فى عهد مبارك بالعودة من جديد بمقترح قانون لا يرقى لمستوى القوانين التى كانت فى هذا العهد. ويجب هنا التأكيد على أن هذا القانون سبق أن طرحه مجموعة من رموز الفساد والقمع فى عهد مبارك ولم يكتب له النجاح، فهل يظن هؤلاء أنهم يمكنهم أن يمرروه بعد الثورة؟ هذا هو المنطق والفكر الذى تتعامل به السلطة القائمة مع التحول فى مصر التحول من قانون سيئ إلى قانون آخر لا يقل سوءا. فالقانون الحالى قانون 84 للعام 2002 يحمل ثلاثة ملامح سلبية أساسية أولها إعطاء جهة الإدارة حقوقا شبه مطلقة، وثانيها تغليظ العقوبات وثالثها المصطلحات الغامضة والعبارات المفتوحة.

 

***

 

وبالمقارنة بالقيود المفروضة على المجتمع المدنى على المستوى الدولى، سنجد أن المركز الدولى للقوانين غير الربحية بواشنطن قد صنفها إلى ثمانية أنواع من القيود، ينطبق على القانون والواقع المصرى سبعة منها. يتصدر هذه القيود عدم القدرة على التسجيل وتأمين مزايا الشخصية القانونية، وعدم القدرة على الحصول على تمويل أجنبى بيسر، إذ يعتمد أسلوب الموافقة وليس الإخطار كما فى الدول الديمقراطية. أيضا حق الحل التحكمى، إذ يعطى القانون المصرى للوزارة حق حل الجمعيات بعد استشارة الاتحاد وسماع الجمعية، لكن يظل قرار الحل من اختصاص الجهة الإدارية، وعليه يكون سلاح مصلتا على الجمعيات يدعمه ما سبقنا الإشارة له من مصطلحات وعبارات غير محددة، كما أن لها أن تفوض حق الحل للجهات التنفيذية فى المحافظات والمتمثلة فى المحافظ. يضاف إلى ذلك القيد المتمثل فى عدم القدرة على الدعوة لموضوعات بعينها، إذ يصنفه القانون المصرى بأعمال سياسية إذا رغب فى استخدام هذا السلاح للتعامل مع الجمعيات. وقيد الرقابة الصارمة والتحكمية، فيعطى الحق للجهات الإدارية فى رقابة دائمة على المنظمات من خلال كل تلك الموافقات التى يجب على المنظمات الحصول عليها. وكذلك تأسيس جمعيات موازية، تعمل فى نفس المجال أو نفس المنطقة، وتلقى دعما حكوميا، فى محاولة لجذب التحويلات لمثل هذه الجمعيات. وأخيرا قيد توقيع عقوبات جنائية ضد الأفراد المنضمين للمنظمات، تصل فى القانون المصرى إلى عام سجن.

 

ويقدم القانون الجديد المقترح مجموعة جديدة من القيود تصب فى نفس الاتجاه، فعلى غرار تقييد قانون الأحزاب الذى صدر بعد الثورة عبر شرط الخمسة آلاف عضو وشرط النشر فى صحيفتين واسعتى الانتشار، يأتى هذا القانون ليضع مبلغا ضخما لتأسيس المؤسسة الأهلية وهو مائة ألف جنيه. لنا أن نتخيل إذا أراد مجموعة من الفلاحين تأسيس مؤسسة للتنمية فى قريتهم فمن أين لهم بمثل هذا المبلغ؟ وتستمر سيطرة الجهة الإدارية إذ يسمح لموظفى الجهة الإدارية والأمنية بالرقابة والرفض والاعتراض على نشاط الجمعيات، كما يسمح لها بوقف قرارات الجمعية، ويتيح لها سلطة اتخاذ قرار الحل أو الإيقاف. كما يحد من مجالات نشاط المجتمع المدنى وحصره فى مجالات محددة، وهو ما يُذكر برؤية وزيرة التعاون الدولى التى طرحتها فى أحد المؤتمرات الصحفية لتحصره فى المخابز والمجالات الخدمية التى يغلب عليها الطابع الخيرى، وهى الرؤية التى تقلص دور المجتمع المدنى وتتجاهل تطوره فى كل العالم إلى المنهج الحقوقى. والأعجب من ذلك أن القانون يجبر الجمعيات الأهلية ــ التى تقوم أصلا على العمل التطوعى ــ على الانضمام بالإكراه إلى الاتحاد العام للجمعيات الأهلية الذى تسيطر عليه الحكومة والذى مازال بعد عام من الثورة تحت سيطرة رموز النظام السابق، فى استمرار لذهنية نظام مبارك عن الاتحادات التى يمثل اتحاد عام عمال مصر نموذجا لها فى كيفية تأميم العمل الأهلى والنقابى.

 

***

 

إذا كان لنا أن نصل إلى قوانين تساهم فى تحول ديمقراطى لا العودة إلى نظام سلطوى شمولى، فلابد الخروج من هذه الذهنية السلطوية والابتعاد عن رموزها عند صياغة قوانين مصر الثورة، وفى حال قانون المجتمع المدنى هناك مجموعة من المبادئ التى يجب الالتزام بها فى صياغة القانون للتوافق مع المعايير الديمقراطية فى هذا المجال، أولها أن تكون الحرية مفهوما حاكما فى هذا القانون (والحظر أو المنع يكون الاستثناء)، وذلك من خلال إحلال الإخطار بدل من الموافقة فى التسجيل والتمويل، وحرية تعديل الأنظمة الداخلية، وعدم جواز تدخل جهات الإدارة فى عملية تسيير الجمعية لاجتماعاتها أو انتخاباتها أو نشاطاتها. ثانيا وضع عقوبات تتناسب مع حجم المسئوليات وطبيعة العمل التطوعى، واللجوء للقانون العام فى حالة أى مخالفة. ثالثا، تحديد واضح للمفاهيم والمصطلحات والإجراءات دون ترك عبارات مبهمة. كما يجب أن يكون القانون داعما لمفهوم الشفافية بمنطق إتاحة المعلومات لتبادل المنفعة والتمكين من المحاسبية بدل من كونها مصدرا للرقابة والتضييق. أهمية وضع القضاء بهيئاته الطبيعية وسيط بين السلطة التنفيذية والمجتمع المدنى، إذ لا يجوز لأى طرف اتخاذ إجراءات قانونية ضد الآخر إلا من خلال اللجوء للسلطة القضائية. إدخال المجتمع كطرف رئيسى فى معادلة المجتمع المدنى من خلال مواد تمكن المجتمع من التعرف على المجتمع المدنى ومتابعته وإمكانية الاستفادة منه، أو حتى التدخل فى حالة عدم الرضاء (مثال: إلزام مؤسسات المجتمع المدنى بنشر ميزانياتها على المواقع الخاص بها وفى الجريدة الرسمية). إضافة إلى توحيد جهة الرقابة على مؤسسات المجتمع المدنى فى جهة واحدة محددة ومعلنة الصلاحيات.

 

***

 

وأخيرا يجب التخلى عن فكرة الاتحادات السلطوية وترك أمرها للجمعيات لتشكل بنفسها كيانات تمثيلية ديمقراطية منتخبة بديلا عن الاتحاد العام للجمعيات والمؤمم من قبل نظام ما قبل 25  يناير.

محمد العجاتي باحث والمدير التنفيذي لمنتدى البدائل العربي
التعليقات