الإثنين 12 نوفمبر 2018 9:00 م القاهرة القاهرة 21.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

ثقافة الشاى

نشر فى : الأربعاء 21 مايو 2014 - 4:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 21 مايو 2014 - 4:45 ص

أشرب القهوة والشاى بدون تمييز لمشروب عن الآخر، وبالقطع بدون إدمان. حاولت القهوة، فى إحدى مراحل علاقتى الحميمة بالتدخين، أن تربط نفسها بالسيجارة لتصل عبرها إلى الدم فى عروقى ومنها إلى قلبى وفشلت. فشلت، ليس لأننى لم أكن مولعا بها، ولكن لأن السيجارة لم تكن تطيق أن يشاركها أحد أو شىء فى حبها لى. أعرف أيضا عن الشاى، أنه رغم قدم العلاقة التى قامت بيننا لم يكن فى أى يوم أهلا، هو أو غيره، لعلاقة أقوى تقوم بيننا. بقيت علاقتى بالشاى علاقة ظرفية، نختار لها معا التوقيت والظرف المناسبين. لم يشترط أى منا وجود السيجارة طرفا ثالثا، وأظن أن السيجارة خلال جميع مراحل تطور العلاقة بيننا لم تتعامل مع الشاى كمنافس.

•••

ومع ذلك يبقى الشاى، رغم المقاومة الشرسة أحيانا من جانب القهوة، ندا أنيقا ومحترما. تعلمت وأنا صغير، أن لشرب القهوة أصولا وتقاليد يجب أن تراعى. عشت فى مقتبل حياتى فى بيئة كانت تفرض محرمات تزيد من أهمية القهوة. كنا كصغار لا نقربها، وكذلك الحوامل والمرضى والخدم. كان الحرص شديدا أن تخضع القهوة فى عملية صنعها للسيدة الأولى فى البيت، هى التى تقوم بتحميص البن وأحيانا طحنه وحفظه، وهى التى تكيل البن اللازم والماء الضرورى وتضبط النار الرقيقة تحته وتراقب حركة القهوة فوق النار صعودا وهبوطا. كانت الصينية التى تحمل معدات القهوة تلمع بصفرة نحاسية مبهرة، والفناجين تزينها رسوم دقيقة والسكرية والملاعق من الفضة الخالصة أو هكذا بدت لنا ونحن صغار. كانت الممارسة من بدايتها حتى نهايتها فصلا فى ثقافة عصر، وبشكل من الأشكال كانت هى نفسها ثقافة فى حد ذاتها. وللأسف خضعت أو استسلمت مثل غيرها من الثقافات الفرعية لضغوط ثقافات وافدة مثل ثقافة الستاربكس وسيلانترو، وثقافة البن الجاهز للذوبان مثل النسكافيه.

•••

للقهوة تاريخ، ودارت حول اكتشافها أساطير كثيرة، وتحققت من وراء إنتاج البن وصناعته وتوزيعه ثروات طائلة وحيكت مؤامرات دولية عديدة. الزميل محمد الأرناؤوط ينقل فى مقال ممتع نشرته جريدة الحياة السعودية قصة السلطان المملوكى قانصوة الغورى الذى كان يطوف بالكعبة ليلة جمعة فى شهر ربيع الأول من عام 917 هجرية فشاهد جماعة يحتفلون بعيد المولد ويشربون شيئا يتعاطونه «على هيئة الشربة الذين يتعاطون المسكر»، وعندما استفسر قيل له «هذا شراب سمى بالقهوة، يطبخ من قشر يأتى من بلاد اليمن وأنه، أى الشراب، قد فشا أمره فى مكة وصار يباع على هيئة الخمارات ويجتمع عليه بعض النساء من رجال ونساء ودف ورباب وغير ذلك من آلات الملاهى...» انتهت وقتها الحملة على القهوة بصدور مرسوم سلطانى بمنع شرب القهوة على مستوى الدولة.

ومع هذا لا يرقى الاهتمام بالقهوة فى ذلك العصر أو غيره بالاهتمام الذى أحاط بالشاى فى مختلف العصور. الدليل على ذلك أن القهوة لم تحصل فى سجلات التاريخ إلا على مساحات ضئيلة لا تقارن بالمساحات التى احتلها الشاى نباتا ومشروبا وحروبا وثقافة. يكفى أن أذكر مثلا أن شركة الهند الشرقية، وهى الشركة التى فتحت الطريق لإمبراطورية لم تكن الشمس تغيب عنها، قامت للسيطرة على زراعات الشاى فى الهند وعلى تجارته. نذكر أيضا من كتب المدرسة أن الشرارة الأولى للثروة الأمريكية فى 1773 انطلقت يوم هاجم بعض أحرار أمريكا، المتخفين كهنود حمر، سفينة بريطانية تابعة لشركة الهند الشرقية تحمل حمولة من الشاى. هؤلاء أغرقوا الشاى وحرقوا السفينة واشتعلت الثورة الأمريكية. أذكر أيضا أننى قرأت، وبشغف شديد، تفاصيل مؤلمة للحروب البريطانية الصينية بسبب إصرار بريطانيا على احتكار زراعة الشاى وبيعه فى الصين، وهى الحروب، مع حروب لاحقة بسبب الأفيون، دمرت الصين تدميرا.

•••

لم نفهم فى البداية السبب الذى جعل رد فعل الصينيين على رغبة الاستعمار البريطانى فى الهيمنة على الشاى يأتى أعنف وأطول وأشد تعقيدا من رد فعل الهنود. ثم فهمنا عندما عرفنا أن للشاى فى الصين حكاية تستحق أن تروى. تقول المؤلفات الكلاسيكية الصينية أن الشاى هو فى حد ذاته حكاية، حكاية تحكى تفاصيل حوار لا ينتهى بين الطبيعة والثقافة. بدأ هذا الحوار منذ آلاف السنين، وربما فى عصر إمبراطورية شيانج فى نحو 1600 قبل الميلاد، وأعاد سرد سيرته لو يو فى القرن الثامن الميلادى فى كتاب من عشر فصول. ثم كتب أحد الشعراء القدامى قصيدة أطلق عليها «شعر فى مديح الشاى»، جاء فيها، «الشاى.. قالت عنه الآلهة.. هو الشجرة التى سوف نقيس بها صحة الإنسان وسعادته وقوته، هو الشجرة التى تضيف حكمة إلى حكمة الحكام وجمالا إلى جمال الشقراوات».

وفى عام 1906 صدر فى اليابان كتاب جاء فيه، إن الناس استخدموا الشاى كدواء قبل أن يتحول إلى مشروب شعبى، أحبوه إلى درجة رفعته إلى مرتبة التقديس، ففى القرن الخامس عشر انتشرت فى أنحاء الصين عقيدة دينية جديدة أخذت إسم «الشايوية» نسبة إلى الشاى. وفى عصر التانج، كانوا فى القصر الإمبراطورى يفرزون المياه لاختيار أنواع معينة منها تصلح لعمل الشاى.

•••

يبقى أمر آخر لم نكن لنفهمه فى بداية سعينا وراء التعرف على مكانة الشاى فى التاريخ. لم نكن لنفهم لماذا اشتهر الشاى «كممارسة ثقافية»، له طقوس ومراسم بروتوكولية، بل وحتى مكانة دينية واجتماعية، فى اليابان وبريطانيا العظمى أكثر مما اشتهر فى الصين موطنه الأصلى. وجدنا الإجابة أبسط مما تصورنا، وهى أن اليابان وبريطانيا كان لديهما من القوة والاتساع الإمبراطورى ما يسمح لهما بالتعتيم على تاريخ الشاى وسمعته وقصصه وأساطيره فى الصين، بل ومراسم تناوله ودوره فى الحوار السياسى والثقافى بين الصينيين عبر القرون. كان الغرض فى الحالتين حرمان الصين من سوق عالمية فى تجارة الشاى عرف تجار الإمبراطوريتين أنها سوف تزداد اتساعا، وفى الوقت نفسه الإبقاء على الصين ضعيفة وفقيرة ومقسمة لا يصدر عنها غير أخبار البؤس والمرض والاستبداد. بمعنى آخر، الحرص أن يبقى العملاق مكبلا وعاجزا.

•••

الشاى فى بريطانيا، يشربونه احتفاليا فى ساعات محدودة بين الغذاء والعشاء، وفى فناجين من الصينى الفاخر وبرادات من الفضة الخالصة، ويقدمها خدم يرتدون أزياء فاخرة، أخذت هذه الممارسة عن البريطانيين الطبقة العليا فى كثير من دول أمريكا اللاتينية والمستعمرات السابقة لبريطانيا كالهند ودول أخرى فى جنوب آسيا وأفريقيا.

كذلك عرفنا منذ الصغر وعن طريق حملة إعلامية مدروسة، ثقافة شرب الشاى فى اليابان، نساء يرتدين ملابس تقليدية رائعة ويتخصصن فى فن تقديم الشاى فى فناجين صغيرة ورقيقة، ورجال ينعمون براحة يومية يقضونها مع الشاى لساعة أو ساعتين بين نهاية ساعات العمل وموعد العودة إلى البيوت. نعرف الآن، أن اليابان سعت فى وقت من الأوقات بمساعدة الولايات المتحدة لتجعل من شرب الشاى ثقافة يابانية نشرتها فى العالم الغربى فى مرحلة ما بعد الحرب واستخدمتها كمصدر من أهم مصادر القوة الناعمة. كثيرون من أبناء جيلى يذكرون سايونارا وأوبرا مدام باترفلاى وعشرات الأفلام والمسرحيات والأعمال الفنية التى صورت شرب الشاى كحالة ثقافية يابانية خالصة.

•••

كتب لوتونج قبل عشرة قرون يقول إنه عندما نصل فى شرب الشاى إلى الفنجان الخامس تكون عظامنا وأجسادنا قد تطهرت، وبعد الفنجان السادس يصبح كل منا إنسانا جاهزا للتواصل مع الخالدين.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.