الأحد 23 سبتمبر 2018 1:22 م القاهرة القاهرة 30.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

لا للصوت الخافت

نشر فى : الأربعاء 21 أغسطس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 21 أغسطس 2013 - 8:00 ص

تصورت أنه بتطبيق نظام حظر التجول سننام نوما هادئا وعميقا. لن نسمع أصوات الدراجات البخارية المصنوعة فى الصين خصيصا لإزعاج سكان حى المهندسين، ولن نسمع نفير ناقلات البنزين والسولار والبضائع المخول لها دخول شارعنا بعد منتصف الليل. تصورت، وتصور الجيران، أننا بتطبيق حظر التجول سنتخلص من الأصوات العالية التى كانت تحرمنا من الاستمتاع بنوم هادئ وعميق.

المهم، خابت تصوراتنا. صحيح أن الهدوء ساد وغابت الأصوات العالية ولم نعد نسمع سوى أصوات خافتة تصدر من الشارع كحفيف أوراق الشجر ووقع أقدام ضابط جيش يدرب ساقيه على المشى بين مدرعة وأخرى. سكون غير معتاد وأصوات بسيطة ومتناثرة، إلا أن النوم بقى عصيا على مآقينا. حاولنا.. حاولنا دون جدوى وتبادلنا والجيران الشكوى والتساؤلات. لم نكن نفهم، كل هذا السكون ولكن لا راحة.

●●●

انعقد فى أطلانطا، عاصمة ولاية جورجيا بالولايات المتحدة، مؤتمر طبى للاستماع إلى شهادات أطباء حول موضوع لم يطرح من قبل. كان بين الشهود الطبيبة مارتا جونسون. قالت إن عائلة جاءت إلى عيادتها مع طفلة تعانى من توترات عنيفة تتكرر بصفة غير منتظمة. عرضوا حالتها على أطباء عديدين فشلوا جميعا فى التوصل إلى سبب التوترات. اختلت الطبيبة بالطفلة فى جلسات متعددة، قبل أن تكتشف أن الطفلة تصاب بنوبات التوتر فى المرات التى يتصادف وجودها مع والدها الذى لا يكف عن قضم أظافره. اتضح للطبيبة أن الطفلة مصابة بحساسية ضد الصوت الذى تصدره عملية القضم.

●●●

توالت شهادات الأطباء والطبيبات. شخص يصاب بما يشبه الصرع كلما استمع إلى الصوت المنبعث من شخص «يطرقع» رقبته أو أصابعه. آخرون لا يتحملون الأصوات المتنوعة، والمبتكرة أحيانا، التى تصاحب عادة مضغ «اللبان» وبخاصة من النساء، ولا يتحملون الصوت الصادر من شخص «يمص» قرص نعناع ويديره فى فمه مستمتعا ويتوترون لسماع صوت أطفال أو كبار يلعقون مصاصة حلوى.

شهد طبيب مشارك فى المؤتمر بأن مريضته كانت تصاب بنوبات إذا دعيت لعشاء ووصل إلى سمعها خلال تناول الطعام أصوات تصدر عن مدعوين وهم «يبلعون» الطعام. وشهدت مستشارة للعلاقات الزوجية بأن سيدة جاءت تسألها المشورة قبل أن تطلب الطلاق. قالت تبريرا لطلبها الطلاق أن زوجها يصر على تناول الطعام منفردا فى غرفته متعللا بأنه لم يعد يتحمل الصوت الصادر عنها وهى تمضغ طعامها أو وهى تبتلعه.

●●●

قيل فى الشهادات أيضا إن مدير المشروبات والأطعمة فى أحد الفنادق وضع لافتة فى المطعم تستأذن الزبائن الذين يفضلون تناول صحن الحبوب المحمصة مع الحليب فى الافطار، أن يختاروا مكانا قصيا فى القاعة حتى لا يصل صوت «قرقشة» الحبوب إلى سمع بقية الزبائن، بعد أن تلقى شكاوى عديدة من ضيوف أصيبوا بوعكات معدية نتيجة توترهم أثناء تعرضهم لهذا الصوت. وفى شهادة أخرى حذر أحد الأطباء من الأثر «النفسى» الذى يمكن أن يحدثه صوت شوكة أو سكينة وهى تحتك بصحن الطعام، أو صوت ملعقة لا تكف عن «الدق» على جدار فنجان الشاى وهى تقلب قطعة السكر. وشهد طبيب بأنه عجز عن تقديم علاج مناسب لفتاة فى سن البلوغ كانت تعانى، قبل أن تنتحر، من صوت أمها المريضة أو المدعية المرض وهى تتأوه ليلا ونهارا.

●●●

قرأت الشهادات قبل أن تعود بى الذاكرة إلى توجيهات المعلمات لنا فى مدرسة رياض الأطفال وحتى فى المدرسة الابتدائية، حين كانت التعليمات تنص على ضرورة وجود المعلمات فى قاعات الطعام لتدريب التلاميذ على أخلاقيات المائدة ومنها عدم إصدار أصوات لدى تناول الطعام وأثناء مضغه وعند بلعه، ومنها أيضا الحرص على إغلاق الفم والامتناع عن الكلام خلال المضغ. كانت تكافئنا بالتصفيق إذا أفرغنا فى جوفنا أو رشفنا كؤوس الماء والعصير دون صوت.

عادت الذاكرة أيضا إلى ارشادات الأهل. ارفع صوتك حين تخاطب الضيوف أو ترد على استفساراتهم وبعضها كان غبيا أو تافها ولا يستحق أكثر من الهمهمة فى الرد. لا تهمس فى اذن أحد فى وجود آخرين. لا تصدر أصوات بشفتيك إعجابا أو استنكارا أو سخرية. لا تجر كرسيا فتؤذى سمع الجيران وتقلق راحتهم. أذكر شخصيا كيف كنا لا نرحب بوجود الأهل معنا فى السينما، فوجودهم كان يعنى أننا لن «نقزقز» اللب ولن نتسلى بالفشار حتى لا نزعج المتفرجين.

●●●

يقول الدكتور Pawel Jastreboff الذى قام بتنظيم المؤتمر إن الأصوات الخافتة تكون أحيانا أكثر ازعاجا من الأصوات الصاخبة، بل انها كثيرا ما تتسبب فى توترات من نوع يختلف، وقد يكون أشد، عن التوترات العصبية التى تتسبب فيها الأصوات العالية. توصل المؤتمر أيضا إلى أن بعض الناس يعانون من حساسية إذا تعرضوا للصوت الخافت، وهو مرض يختلف عن مرض «كراهية الصوت».

يقول أيضا إن المؤتمر ناقش بدائل طبية لعلاج الحساسية للأصوات الخافتة، ومنها الإبر الصينية، ونصح المرضى باللجوء إلى أصوات أعلى للتغطية على الصوت الخافت ووضع سماعات على الأذنين كتلك التى تصاحب أجهزة Walkman وIpod. نصح أيضا بتركيب أحواض فى غرف النوم لتربية الأسماك الملونة تتحرك فيها المياه بصوت مرتفع، واستخدام أجهزة تكييف عالية الصوت و«مخدات صوتية»، أى مخدات مزودة بتسجيلات موسيقية وغنائية تمنع وصول الأصوات الرتيبة الخافتة إلى سمع المريض وهو نائم.

●●●

الآن أفهم لماذا يحدث فى بلدى هذه الأيام أن أكثر الناس يتوترون ويتوجعون لسماع أصوات ناعمة وهادئة وآخرون يطربون لسماع أصوات صاخبة ومنفرة.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.