السبت 17 نوفمبر 2018 4:06 م القاهرة القاهرة 25.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الدولة الوطنية المفترى عليها

نشر فى : الخميس 21 سبتمبر 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 21 سبتمبر 2017 - 9:55 م
كان خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الثلاثاء الماضى هو المناسبة الثانية فى ظرف أربعة أشهر، التى يذهل فيها مستمعيه بشرح مسهب لمواصفات الدولة الوطنية الناجحة، والتى يرى هو أنها الحل لجميع مشكلات المنطقة العربية، وفى مقدمتها مشكلة الارهاب. 

من بين خمسة مبادئ أو أولويات أساسية لسياسة مصر الخارجية، قال الرئيس إن المبدأ الأول هو «أن المخرج الوحيد الممكن من الأزمات التى تعانى منها المنطقة العربية هو التمسك بإصرار بمشروع الدولة الوطنية الحديثة، التى تقوم على مبادئ المواطنة، والمساواة، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، وتتجاوز بحسم محاولات الارتداد للولاءات المذهبية أو الطائفية أو العرقية أو القبلية.. إن طريق الاصلاح يمر بالضرورة عبر الدولة الوطنية، ولا يمكن أن يمر على أنقاضها. 

كانت المناسبة السابقة التى أدهش فيها الرئيس السيسى العالم بتشخيص مماثل لمشكلات الدول العربية، وبوصفة مطابقة للعلاج، هى خطاب فى قمة الرياض الأمريكية العربية الاسلامية فى مايو الماضى، حين قال: «يتحتم ملء الفراغ السياسى الذى يفرخ الارهاب، وذلك بدعم الدولة الوطنية بالاصلاح والحكم الرشيد، ودولة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان، وتمكين الشباب والمرأة». 

كانت دهشة المستمعين لخطابى السيسى هذين وما زالت مزيجا من البهجة وتكذيب الآذان، أما البهجة فمردها إلى أن الرئيس المصرى لا يقدم فقط التشخيص والعلاج الصحيحين، ولكنه يقول بلسانه ما يكتبه وما يقوله كل الموصوفين ــ أو الموصومين ــ بأنهم من معارضيه، وأما تكذيب الآذان من الدهشة فيعود إلى أن الخطاب الأغلب للرئيس السيسى فى غير هذه المحافل الدولية الجامعة خصوصا فى المناسبات والاحداث المحلية يخلو من التركيز على هذه المفاهيم، بل ويبدو أحيانا متصادما معها، ولا نتحدث عن الممارسات، مثال ذلك تأكيده الدائم أن المفهوم العالمى لحقوق الإنسان لا ينطبق بالضرورة على الشعب المصرى، أو أن حقوق الإنسان ليست سياسية فقط، ولكنها اقتصادية أيضا، وهذه الأخيرة لها الأولوية، وكأنه يوجد تعارض حتمى بين هذين النوعين من الحقوق. 

لا نريد الانشغال كثيرا بالتفسيرات الدارجة لهذا التباين بين الخطاب الموجه للعالم الخارجى وبين الخطابات الموجهة للداخل، ومنها القول بأن هذا التباين هو نمط متكرر لدى جميع السياسيين العرب، ومنها أن أحاديث الرؤساء العرب فى المحافل الدولية الكبرى تعد أو تكتب من خبراء وزارات الخارجية، بحيث تأتى منسجمة مع المعايير العالمية، لكننا نفضل الانشغال بالبحث عن أسباب فشل الدولة الوطنية العربية فى الماضى فى تحقيق شروط النجاح هذه، كما حددها الرئيس السيسى، وقد مضى على قيام هذه الدولة الوطنية قرابة القرن من الزمان فى معظم عالمنا العربى، على أن يقودنا ذلك إلى البحث عن ضمانات عدم تكرار هذا الفشل. 

سبق لنا الاقتباس من أحد أهم علماء السياسة المتخصصين فى الشرق الأوسط، وهو البروفيسور الأمريكى دانكيوارت روستو قوله: «النجاح النهائى للنظام (العسكرى) يعتمد على قدرته على إقامة، أو السماح بإقامة مؤسسات مدنية دستورية، تحد مستقبلا من التدخلات العسكرية، وباختصار إقامة نظم سياسية لا تتحول مؤسساتها إلى أبواق، وأشكال بلا مضامين ولا أدوار حقيقية». 

والمقصود بالنظام العسكرى هنا، أى بحسب مفهوم روستو، هو كل نظام سياسى يعتمد على الجيش كمصدر وحيد للقوة السياسية، أى للوصول للسلطة، والاحتفاظ بها، بانتخابات تقر الأمر الواقع، أو بدون انتخابات، بغض النظر عما إذا كان الذى يحكم جنرال أو شخص مدنى، أو حتى ملكا بالوراثة، فصدام حسين فى العراق مثلا لم يكن جنرالا، و كذلك زين العابدين بن على فى تونس، و حاليا ليس الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بو تفليقة جنرالا فى الأصل، و مع ذلك فكلهم كانوا أو ما زالوا يقودون نظما عسكرية فى حقيقة الوضع، و كذلك كان شاه إيران و جميع الأسر الملكية الحالية فى الدول العربية بلا استثناء، بل إن الاستناد إلى الجيش فى الحالة الأخيرة هو الذى يحسم الصراع على الشرعية داخل هذه الأسر الملكية. 

فإذا استهدينا بمقولة البروفيسور دانكيوارت روستو لوجدنا أن السمة الرئيسية المشتركة بين الحكومات الوطنية فى عموم الشرق الأوسط – إلى جانب استنادها فقط إلى قوة الجيوش – هى عزل و تفكيك كل محاولة «لإقامة أو السماح بإقامة مؤسسات مدنية دستورية تحد مستقبلا من التدخلات السلطوية»، ومن هنا نشأ، و ينشأ، وسينشأ الفراغ السياسى الذى تحدث عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه فى قمة الرياض، كما نقلنا عنه منذ بضع فقرات. 

لكن الطبيعة إذ تأبى الفراغ، فإنها تملأه ببدائل لمشروع الدولة الوطنية الحديثة، هذه البدائل هى بالضبط ما حدده بيان الرئيس المصرى أمام الجمعية العامة، أى الارتداد إلى الولاءات المذهبية أو الطائفية أو العرقية أو القبلية، مضافا إليها الولاءات البيروقراطية والطبقية والفئوية، وربما أنتج ذلك كله نمطا من احتكار تحالف أقليات للسلطة والثروة معا، ذلك التحالف الذى يفهم الوطنية على أنها حماية هذا الوضع، بحيث تصبح جهود تغييره بالضغط السياسى السلمى محاولات لهدم الدولة نفسها، من وجهة نظر أولئك المحتكرين. 

مثلا لم يكن العراقيون فى مقتبل قيام دولتهم الوطنية الحديثة فى عشرينيات القرن الماضى، يفكرون فى سياسة بلادهم على أسس طائفية، فلم يكن يهم ما إذا كان رئيس الوزراء هذا أو ذاك سنيا أم شيعيا، ولم يكن أحد يتوقف عند كون وزير الدفاع، أو رئيس أركان الجيش كرديا، أم تركمانيا، ولكن «الارتداد» إلى الولاءات المذهبية والطائفية جاء بعد ذلك بسبب سلطوية وأوليجاركية نظام صدام حسين، الذى اصطفى الطائفة السنية، واصطفى منها الموالين شخصيا وعشائريا لصدام نفسه، وبذلك حول كثير من الشيعة ولاءهم للطائفة، وتواطأ كبار زعمائهم مع الولايات المتحدة لغزو العراق، وكان الاكراد قد انشقوا على دولة صدام منذ وقت طويل، باختصار كان سلطوية صدام حسين الطائفية العشائرية هى ما حول العراق، أو ما سهل فى تحويله إلى أنقاض.

كذلك لم يكن الحال فى سوريا قبل عصر الانقلابات العسكرية منحطا إلى الطائفية والمذهبية، حين كان الولاء الوطنى أو القومى هو الثقافة الغالبة، فعرفت سوريا ما لم تعرفه العراق نفسها فى ذلك العصر وهو إسناد رئاسة الحكومة إلى سياسى مسيحى، وربما يجدر ذكر اسمه تأكيدا للملاحظة، ونقصد فارس الخورى باشا، أما مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة من خلال التكتل الطائفى العلوى العسكرى، فقد وضعت بذرة الارتدادات إلى الولاءات الرجعية، التى أنبتت كل المآسى الراهنة، وحولت سوريا فعلا وقولا إلى أنقاض.

بل إن مصر نفسها كانت السباقة إلى تبنى معيار الولاء الوطنى الحداثى، فقد كان أول رئيس لأول مجلس وزراء (نظار) مصرى هو نوبار باشا الأرمنى المسيحى، ولم تكن هذه سابقة وحيدة، فقد جاء بعده بعدة عقود بطرس غالى باشا الكبير رئيسا للوزراء، و بعده بسنوات تولى مسيحى ثالث رئاسة الوزراء، نقصد يوسف وهبة باشا. 

كان السبب الرئيسى وراء تغلب الولاء الوطنى على الولاءات الأخرى من طائفية ومذهبية... إلخ، هو «إقامة أو السماح بإقامة مؤسسات مدنية دستورية حديثة، تتجاوز بحسم تلك الولاءات الجزئية الرجعية، أى كانت هناك أحزاب سياسية، ومنظمات أهلية، ثم نقابات عمالية ومهنية، وحياة برلمانية واعدة، وإن لم تكن مكتملة، فى إطار الاحتكام إلى انتخابات قد لا تكون مثالية، ولكنها لم تكن صناعة سلطوية بنسبة كبيرة، وبالطبع مع وجود مرفق قضائى يفخر بشموخ حقيقى.

خلاصة ما تقدم أن السلطوية التى فشلت فى الماضى لن تنجح فى المستقبل، أى إننا لن نقيم دولة وطنية ناجحة، تتجاوز تلك الولاءات المتخلفة إلا عندما نخلص النية والجهد لإقامة ذلك النوع من المؤسسات التى تحد من التدخلات السلطوية.
وفى كل الأحوال لا نتمنى لمصر أكثر مما قاله الرئيس السيسى بلسانه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن قبلها أمام القمة الأمريكية العربية الاسلامية، أو على حد القول المأثور: «عرفت فألزم»، وإلا فإن كلا يدعى وصلا بليلى، ولكن ليلى لا تقر لهم بذاك.
عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات