السبت 22 سبتمبر 2018 9:49 م القاهرة القاهرة 27.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ليل الحزن الطويل

نشر فى : الإثنين 22 فبراير 2016 - 10:05 م | آخر تحديث : الإثنين 22 فبراير 2016 - 10:05 م

للبنان، اليوم، حصته من ليل الحزن الذى يلف الوطن العربى جميعا وهو يكافح للصمود فى وجه طوفان الدم الذى يجتاح أقطاره، مشرقا ومغربا.. وها هى بيروت تستذكر فقيدها الشهيد رفيق الحريرى بينما العواصم العربية، الأقرب فالأبعد، تشيّع شهداء بلا قيد ولا حصر، سقطوا فى حروب تتجاوز أسبابها المعلنة لتعيد هذه المنطقة، التى بدت ــ ذات يوم ــ مؤهلة لأن تعيد كتابة تاريخها بقدراتها، إلى جاهلية متوحشة بأسلحتها وشعاراتها الفتاكة، قاتلة الأديان ورموز الثقافة وآيات العمران، وإنسانها الذى كان يطمح لأن يمسك بأشعة الشمس ليرتفع إلى حيث تؤهله جدارته وعرق التعب.
وكنا، بالأمس، منهمكين فى الإعداد لوداع «صحافى القرن» محمد حسنين هيكل الذى يرقد الآن فى غيبوبة أيامه الأخيرة، برثاء يتجاوز شخصيته الاستثنائية ودوره الفريد فى النهوض بالصحافة العربية، إلى التساؤل عما بقى من هذه الصحافة، داخل مصر وخارجها، مشرقا ومغربا، واستطرادا عن دورها فى خدمة نهوض الأمة وحركة تقدمها نحو غدها الأفضل.
لقد مثل هيكل رمزا للنهوض بالصحافة العربية إلى موقع يمكنها من أن تكون بين رموز القدرة على الإنجاز واللحاق بالعصر، فكريا وثقافيا، فضلا عن الارتقاء بالمهنة إلى أعلى ذراها، سواء فى فنون الكتابة والرسم والصورة وصولا إلى الإعلان. فليس أمرا عاديا أن يحتشد كبار من وزن توفيق الحكيم ولويس عوض وصلاح عبدالصبور ونجيب محفوظ ومعهم العديد من مخالفيهم أو من تلامذتهم فى عدد الجمعة من الصحيفة الأولى فى مصر، بل وسائر أقطار الوطن العربى (بلغ توزيع هذا العدد حافة المليون قارئ فى أواخر الستينيات بداية السبعينيات...).
ومع أن النظام الناصرى لم يكن نموذجا للديموقراطية، لكنه نهض بمصر الدولة، وجعلها تحتل المكانة اللائقة بها دوليا، كما مكنها من صنع كل ما يحتاج إليه شعبها فى حياته اليومية، فأخرجه من وهدة الفقر والعوز إلى حدود الكفاية... وكانت «أهرام» هيكل علامة دالة على هذا النهوض.
وليست مصادفة أن الأنظمة العربية الأخرى لم تنجب «هيكلها» لا خلال الحقبة الناصرية ولا بعدها ولا هى مكنت الصحافيين المميزين فيها من أن يلعبوا مثل دور هيكل فى «الأهرام».. بل إنه كان مستحيلا عليها أن تسمح بهامش من حرية الرأى ينهض بهذه المهنة ذات الدور الرائد فى تاريخ التقدم الإنسانى ويمكنها من الإسهام فى خدمة مجتمعاتها بما يؤكد جدارتها بصنع الغد الأفضل.
ويغمرنا، نحن أهل مهنة الصحافة، حزن إضافى، فى هذه اللحظة، إذ إننا نشعر أننا نودع مع هيكل مهنتنا التى تشرفنا بالانتماء إليها وعشنا بها ومعها ولها...
لقد صادر أهل الذهب، نفطا وغازا، الإعلام عموما، مكتوبا ومذاعا ومتلفزا، أرضيا وفضائيا. قدموا عروضا لا تُرفض لأصحاب الأقلام المشرقة فأخذوها إلى مدافن مذهّبة فى عواصمهم التى تسكن فى قلب الصمت، أو فى العواصم البعيدة التى قد تصلح منصات للهجوم على الأنظمة المخاصمة ولكنها تظل قليلة التأثير على الوجدان، فإن هى أثرت ففى تشويهه.. لأن الأقلام التى كانت مؤهلة للإسهام فى إشاعة الوعى وتعميم المعرفة والتحريض على الواقع العربى المهين، باتت سجينة اعتبارات الخصومة والمواجهة مع أنظمة أخرى قد تكون سيئة، لكنها ليست الأسوأ كحال مصدّرى صحف المنافى المذهّبة.
وهكذا وجد القارئ العربى نفسه خارج هذين النمطين المتخاصمين من وسائل الإعلام، ولا بديل أمامه غير الإعلام الأجنبى المعادى أو غير المعنى بهمومه وطموحاته، هذا فى أحسن الحالات.. بل لقد فُرض عليه أن يتابع إعلام العدو الإسرائيلى واتخاذه مصدرا لمعلومات قد يطمسها «إعلام الدولة» أو، يحرّفها بما يفقدها معناها ودلالاتها.
إن الصحافة العربية تعيش أيامها الأخيرة،
ويغمرنا ونحن نودع هيكل، ومعه عصر توكيد مكانة الصحيفة وضرورة وجودها كمصدر للمعلومات التى تتجاوز السياسة لتغذية الوجدان بالإبداع الأدبى والفنى، نثرا وشعرا، رواية وقصة، فضلا عن الأخبار الدقيقة والتحليل الموضوعى، والصورة الأنيقة والرسم المتميز والكاريكاتور المشع نقدا بالفكاهة والنكتة الجارحة...
يغمرنا ونحن نودع صحافى القرن، الحزن على الصحافة عموما وليس فقط على الصحافى العربى الأول «الأستاذ»، الذى ظل أكبر من الملوك والرؤساء، إلا من آمن برسالته فواكبه حتى لحظة غيابه: جمال عبدالناصر.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات