السبت 23 يونيو 2018 7:50 م القاهرة القاهرة 31.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الخروج من مونديال «روسيا 2018».. ما الأصلح لمنتخب مصر

«اضحك لمَّا تموت».. مرثية لزمن جريح

نشر فى : الخميس 22 فبراير 2018 - 10:40 م | آخر تحديث : الخميس 22 فبراير 2018 - 10:40 م

يعدك العنوان بالضحك، ولكنه يقرنه بالموت، وبعد المشاهدة يبقى طعم المرارة والأسى، لعل مسرحية «اضحك لما تموت» التى شاهدتها فى المسرح القومى، من كتابة لينين الرملى وإخراج عصام السيد، تصنف كمأساة وليست كملهاة، إنها بالأساس مرثية لزمن جريح، ولجيل مهزوم، فيها أيضا الكثير من التعاطف، ربما لأن جيل بطلى المسرحية، طاهر ويحيى، اختبر امتحانات صعبة، وتحولات أصعب، ومع ذلك، لديهم القدرة على الضحك الأخير.

يفتح الستار على صالة فى شقة تطل على ميدان التحرير أثناء وقائع ثورة يناير، وعلى الرغم من مشاكسات طاهر ويحيى المستمرة، وعلى الرغم من حالتهما المثيرة للابتسام فى مواقف كثيرة، فإن الرجلين خارج الزمان والحياة، الموت حاضر طوال الوقت، والضحك ينشأ من الغيبوبة أو الإنكار، الاثنان فى العقد السابع، صديقان قديمان من زمن الدراسة، غير قادرين على الفعل، وينتظران النهاية بطرق مختلفة: طاهر مكتئب، أو هكذا يقول، اكتشف أنه لم يصنع شيئا فى حياته، حتى زوجته الثانية طردته من البيت، وابنته من زوجته الأولى هاجرت إلى أوروبا، ناصرى وحزب وطنى، رجل «النص نص»، لم يبق له سوى طيف امرأة من الماضى كان يحبها، وكذلك رغبة يحاول تحقيقها هى الانتحار، أما يحيى، الذى يحمل درجة الدكتوراه فى التاريخ، فهو الآن خارج الزمن، يتنكر لتاريخه العلمى، ويغرق فى الخمر، توفيت زوجته، وتركه ابنه إلى ميدان التحرير، ولا يجد نفسه سوى فى إيواء فتاة عاهرة فقيرة وجاهلة اسمها «شربات»، تجد فيه أبا وسندا، يرفض تناول الدواء لكى يقترب أيضا من الموت.

ما يحدث فى الشقة بين طاهر ويحيى أقرب إلى الكابوس الممتد فى عمق الزمن، إحباطات طاهر مرتبطة بأزمات جيل الستينيات، وبتحولات السبعينيات فى عهد السادات، وانقلاب يحيى على التاريخ والسياسة سببه مأساة والده الوفدى فى الستينيات، ترك الأب مذكرات كاشفة عن سجنه واضطهاده، الكابوس محكم أيضا لأن البطلين ماضيهما مزعج، مثل تلك الجثة التى تظهر مطالبة بالتغسيل والدفن، ولا يمكنهما أيضا المشاركة فى الحاضر المتمرد فى الميدان أسفل الشقة، أما الأمل فيتحول فورا إلى سراب، سواء فى شكل حبيبة قديمة تعود فى هيئة صادمة، أو فى صورة ابنة لن تعود، أو ولد يحاكم أبيه، ويعتصم بالميدان، ثم إن طاهر ويحيى غارقان فى المخدر أو فى الخمر.

يمتزج الأسى بالرثاء ونحن نراهما وسط بقايا زمن: ابنة طاهر، وابن يحيى وزوجته ووالده مجرد لقطات فيديو على الجدار، أشباح هائمة لا تختلف عن جثة الثلاجة، انفصال كامل مع الأجيال الأحدث، وانفصال عن الواقع، لعل الرجلين أسيرا زمنهما وظروفهما واختياراتهما، ولا يحتاجان إلا إلى الدفن، ولكن الجيل الأحدث يواجه كذلك تحديات ضخمة: شربات، مثل كل الغلابة، تحاول أن تقفز فوق الخوف والانتهاك والجهل، والثائر الشاب الذى دخل الشقة يحتاج أن يعرف بشكل أعمق وأشمل معنى الثورة، وليس كشعارات فقط.

نهاية المسرحية تحمل تفاؤلا نظريا بحتا بجيلٍ قادم، من دون أن نعرف اتجاه البوصلة، ترك المؤلف للجمهور مساحات للتأمل، أمر مقلق جدا فى العرض هذا الانقطاع بين الأجيال، وأمر مزعج كذلك أن يكون أفراد الجيل القديم فى المسرحية رجالا منهزمين، ينتظرون الموت، بينما كان بعض أفراد هذا الجيل، أكثر ثورية من الشباب، قبل وبعد سقوط مبارك.

يوظف الرملى أسماء أبطاله بشكل واضح وساخر ومباشر أحيانا: طاهر لم يكن طاهرا تماما، ويحيى لا يحيا فى الواقع، ولكنه ميت على قيد الحياة، والشابة أمل، ابنة طاهر، لا أمل فيها، والمحبوبة القديمة، اسمها ليس حرية، ولا حورية، ولكن حربية، وشربات ماضيها كالعلقم.. الخ.

ينجح المخرج عصام السيد، ولديه تاريخٌ طويل مع نصوص لينين الرملى، فى إدارة ممثليه، وفى نقل أزمة بطليه دون مبالغة، توظيفه لتقنية الفيديو كان ممتازا، وتحويله المظاهرات إلى حركات تعبيرية بمصاحبة موسيقى هشام جبر كان مُؤثرا.. فريق المشخصاتية كلٌ فى دوره، وعلى رأسهم محمود الجندى فى دور «طاهر»، ونبيل الحلفاوى فى دور «يحيى»، أضحكانا من قلب المأساة، وكذلك سلوى عثمان فى دور الحبيبة القديمة، دور مختلف قدمته ببراعة.

لعل القراءة الأعمق لمسرحية «اضحك لما تموت» أنها سؤال عن تأثير الماضى المسيطر والمستمر على الكثيرين؛ مثل طاهر ويحيى، لا هم قادرون على تجاوزه، ولا هو قابل للنسيان أو للدفن، بل إنه يعمل فى قلب كل تفاصيل الحياة، تماما كما شاهدنا فى «أهلا يا بكوات»، وربما يكون ذلك عموما أحد أسباب فشل الميدان فى أن يحقق تغييرا فى المجتمع، بحجم تضحيات الثورة.

التعليقات