الأربعاء 21 نوفمبر 2018 12:48 ص القاهرة القاهرة 20.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

العظيم سيمور هيرش

نشر فى : الإثنين 22 مارس 2010 - 9:24 ص | آخر تحديث : الإثنين 22 مارس 2010 - 9:24 ص

 أظن لو أجرينا استفتاء عن أهم عشرة صحفيين فى العالم الآن فإن سيمور هيرش سيكون أحدهم، وربما أهمهم على الإطلاق مع الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل.

ولمن لا يعرف هيرش فهو صحفى أمريكى ولد فى 8 أبريل 1937 لأسرة يهودية فى شيكاغو، وبدأ السلم الصحفى من أوله واستقر الآن فى مجلة النيويوركر الأسبوعية.

هذا الرجل فجر معظم القصص العالمية الشهيرة، وللصدفة فإن معظم هذه القصص أسهمت فى كشف الوجه القبيح للسياسات الأمريكية ضد الشعوب المغلوبة على أمرها.

هيرش ــ الجدير باحترم كل الباحثين عن الحقيقة ــ هو الذى كشف مذبحة الجيش الأمريكى الشهيرة ضد قرية ماى لاى الفيتنامية فى عام 1968، وهو أول من كشف ترسانة إسرائيل النووية بعدما التقى موردخاى فانونو فى لندن وألف كتابه الشهير «الخيار شمشون».

وهو أيضا من كشف استخدام الجيش الأمريكى لليورانيوم المخصب ضد العراق عام 1991، كما أنه الذى كشف بالوثائق كذب إدارة جورج بوش بشأن حيازة العراق لأسلحة دمار شامل.

وأخيرا ــ وليس آخر ــ فهو الذى كشف للعالم فضيحة جيش الاحتلال فى سجن أبوغريب العراقى، إضافة لقصص كثيرة أخرى لا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنها جميعا أهلته لأن يكون بحق رائد الصحافة الاستقصائية أو صحافة العمق الميدانى المعتمدة على الحقائق الموثقة ولا شىء غيرها.

سيسأل سائل ما الذى يدفعنى للكتابة عن هذا الكاتب فى هذه المساحة المخصصة غالبا لقضايا داخلية مصرية.

الإجابة ببساطة أن صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية نشرت حوارا على صفحة كاملة يوم الخميس 18 مارس مع هيرش لفت نظرى فيه قوله ــ وهو العمدة فى مجاله ــ أن الصحف التى عمل فيها رفضت نشر كثير من قصصه الإخبارية لأنها كانت تعتمد على مصدر واحد فقط.

تخيلوا ــ صحفى بقيمة هيرش ــ يتم رفض نشر تحقيق بقلمه لأنه لم يتمكن من تأكيده من مصدرين على الأقل، أو أن صحيفته لم تتمكن من التحدث مع مصادره كى تتأكد من صدق ما كتبه.

أكاد أتخيل بعض الزملاء الصحفيين يقهقهون استهزاءا بهذه الكلمات، وبكل ما يمثله هيرش من قيمة ومعنى.

لدينا للأسف الشديد قطاع واسع فى الصحافة المصرية والعربية على قطيعة كاملة مع كل هذا «المنطق الهيرشى» إذا جاز التعبير.

هذا القطاع يعتمد على طريقة انشر أولا واشتم من تشاء، وبعدها فليخبط الآخرون رءوسهم فى أقرب حائط، أو فى أحسن الأحوال يمكن نشر تصحيح بسيط فى صفحة داخلية وينتهى الأمر.

كثير من الصحفيين ــ وللأسف صغارهم سنا ــ لا يجدون من يغرس فيهم قيمة الدقة والمصداقية والصبر، حتى يتم التحقق من الخبر عبر سؤال كل أطرافه.

لدينا كثير من الصحف تنطق عن الهوى، لأنها إما منحازة للحكومة على طول الخط، أو منحازة للمعارضة على طول الخط، ولدينا صحف تتحدث عن الموضوعية، ولكنها تفعل كل شىء إلا الموضوعية.

غياب الشفافية وحجب المعلومات من جانب الحكومة ثم الاستسهال أو «الاستهبال» فى العمل الصحفى يكاد يتحول إلى قاعدة، وبسببه يتم الاساءة كل يوم إلى قيمة الصحافة، ولا يستفيد من ذلك سوى الذين فى قلوبهم مرض ولديهم مصالح شديدة الخصوصية، أو أولئك المتربصين بحرية الصحافة وما أكثرهم.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي