الإثنين 24 سبتمبر 2018 6:43 ص القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

القمة العربية القادمة: أجواء وأهواء

نشر فى : الأربعاء 22 مارس 2017 - 10:55 م | آخر تحديث : الخميس 23 مارس 2017 - 11:29 ص

اتفق مع القائل بأن العالم، وليس فقط إقليم الشرق الأوسط، دخل بالفعل مرحلة جديدة وغير عادية. هذه المرحلة قد لا تشهد بالضرورة أو بالأمل تحولات جذرية ولا أقول ثورية خشية اتهام بالمبالغة مع أنها قد تشهد، وهى تشهد بالفعل، تغييرات فى هياكل القوة لم يحدث مثلها منذ المرحلة التى أطلقتها الحرب العالمية الثانية. ليست فقط هياكل القوة هى التى تتغير. بل يتغير أيضا «توزيع» هذه القوة إن صح التعبير. إذ يحدث من جديد وبعد أكثر من قرن ونيف أن تقترب معدلات القوة الشاملة لدى معظم الدول الكبرى من بعضها البعض، بما يعنى أننا على وشك أن نشهد توازن قوى دوليا مختلفا عن التوازن الذى ساد لثلاثة أرباع قرن.

•••

ما يحدث على صعيد مواقع القيادة الدولية يحدث مثيله، مع اختلافات شكلية، فى عالمنا العربى. أكتب هذا بعد أن وجدت نفسى فى الشهور الأخيرة أتردد طويلا كلما اضطررت لمعالجة موضوع يتعلق بهذا العالم العربى. لا أذكر أننى ترددت، فى السنوات التى عملت فيها أو تخصصت فيها فى تفاعلات وتوزيع القوة فى النظام العربى، فى استخدام كلمات أو تعبيرات من قبيل عرب وعربى وعروبة وإقليم أو نظام عربى. بل اذكر جيدا أننى كنت حريصا على ألا أقع فى خطأ إدماج الإقليم العربى فى التحليل والرصد فى إقليم أوسع كالشرق الأوسط. لم يكن فى الأمر ترفع أو تعال ثقافى أو عرقى، إنما كان حرصا أكاديميا على التمييز بين دول تختلف عن بعضها فى اللغة وثقافة اللغة وأيضا فى التكوين والتركيب الاجتماعى. تختلف كذلك فى جانب أهم فى نظرى وفى تطبيقاته خلال سبعين عاما من عمر النظام العربى من أى اعتبار آخر، وهو الاختلاف فى فهم العرب من جهة وجيرانهم فى الإقليم الأوسع لمفهوم الحدود السياسية بين الدول.

•••

أظن أننى وزملاء من الذين حاولوا الغوص معى فى فهم أصول وخلفيات ظاهرة النزاعات العربية ــ العربية توصلنا إلى أن العلامة الرئيسة فى منظومة النزاعات بين الدول العربية هى الزعم، بل ربما الاعتقاد، لدى معظم القادة العرب بأن لهم حقا فى توجيه أمور العرب الآخرين. بصراحة أوفر، أعتقد شخصيا أن أكثر من حاكم عربى فى التاريخ العربى الحديث عاش ورحل مقتنعا بأن شعوبا عربية أخرى، وليس فقط شعبه، يجب أن تخضع له أو ترتضيه حاكما لها فهو أدرى بمصالحها وطموحاتها من حكامها الذين انتخبتهم أو ارتضتهم اختيارا أو قسرا. هكذا تداخلت الإرادات العربية وتبادل بعض الحكام عدم الاعتراف المتبادل بحق البعض الآخر فى أن ينفردوا بحكم شعوبهم. حدث أيضا أنهم رفضوا على الدوام الاعتراف، عن حق أو عن أى اعتبار آخر، بالحدود السياسية التى اصطنعها الاستعمار، وفى حالات معروفة اشترك الحكام وشعوبهم الاعتقاد بأن الحدود القائمة مصطنعة. فإذا كانت الحدود مصطنعة وكان حلم السيطرة على الجيران مهيمنا وكانت الثقة بين معظم القادة العرب منعدمة، وإذا كانت القضايا المحلية قومية بحكم تاريخ طويل من تضامن واختلاط ومصالح مشتركة بين الشعوب العربية، وبحكم شعبية ممارسات وإغراءات القوة الناعمة المتوافرة لدى مجتمعات بعينها، وبحكم سيولة استثنائية فى منظومة القروض والمعونات الاقتصادية والفنية فى النظام العربى تليق بثقافة المجتمعات التقليدية، وبحكم خضوع أغلب الأنظمة العربية الحاكمة لنفوذ أجنبى لم ينحسر منذ عهود الانتداب والحماية، بحكم هذه الأمور وغيرها من الأمور الفريدة فى عالم السياسة الدولية والسياسات الإقليمية تكونت للنظام العربى سماته الخاصة التى عانى منها الأمرين وكانت فى الوقت نفسه فى صلب عقيدة القوميين العرب وثقافتهم.

•••

الجديد كثير ومثير. مثلا وجدت القلم، على عكس ما أريد، يعتاد استخدام تعبير الشرق الأوسط عند الكتابة عن مشكلات واقعة فى صلب ما كان يعرف بالنظام العربى. لم نعد نستطيع مناقشة الأزمة السورية بدون اعتبارها جزءا من تفاعلات نظام شرق أوسطى، فالأزمة خرجت من رحم النظام العربى. يتطابق الحال مع حال العراق، ويجرى الآن صنع تطابق مماثل للحال الليبية مع الحالين السورية والعراقية. لاحظت أن زملاء فى الكتابة يكتبون عن تركيا وسياسات أردوغان بانفعال أشبه بانفعالهم عندما كانوا يكتبون عن حكومات حزب البعث أو عن بورقيبة. أثارتهم، على ما يبدو، شطحات الطيب أردوغان فى علاقته بنا، نحن أبناء الجيل الرابع لرعايا الإمبراطورية التركية الإسلامية، وفى علاقاته بروسيا العدو اللدود على امتداد سبعين عاما وقبلها عبر القرون، وفى علاقاته المتدهورة بأوروبا وكان الانضمام لها حلم الطبقة الوسطى التركية وحلمه شخصيا. أثارتهم أيضا، حقيقة أن عين الزعيم التركى ما زالت على واشنطن. هناك يشاطره بعض معتقداته رئيس أمريكا المبهر بشطحاته. الاثنان يكرهان الديمقراطية التى جاءت بهما إلى الحكم، والاثنان يريدان كسر الاتحاد الأوروبى، والاثنان معجبان، بغرابة شديدة، بروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين الذى يكره هو الآخر الديمقراطية حسب الفهم «الغربى» تماما كما يكرهها معظم القادة العرب، يكرهونها كما لو أن هناك فهما أو معنى آخر للديمقراطية غير غربى.

•••

بالتوافق العربى التركى، باستثناء الحالة المصرية الخاصة جدا، اندرج العرب شيئا ما فى عداد دول نظام الشرق الأوسط. وبالتنافر العربى الإيرانى، باستثناء الحالتين العراقية والسورية وحالة نصف تنافر لبنانى إيرانى وحالة مصرية وسط بين التوافق والتنافر، اندرج العرب أكثر وأكثر فى فضاء الشرق أوسطية. وبالتقارب الإسرائيلى العربى، وأقول العربى بلا تحفظ لأن الشواهد كثيرة وغير خافية خاصة وأن الإسرائيليين يبشرون فى الغرب وفى الشرق الأوسط ولدى الروس والآسيويين أن حلفا أو أكثر مع دول عربية يجرى تشييده لبنة فوق لبنة. هكذا يجرى اقتلاع آخر حجر فى هيكل النظام العربى وهكذا، بالتوافق مع تركيا والتنافر مع إيران والتقارب مع إسرائيل والاندماج الحثيث فى تفاعلات وهياكل نظام أوسع، صار صعبا الحديث أو الكتابة عن نظام إقليمى عربى.

•••

فى هذا الإطار تنعقد القمة العربية. لا أدعى العلم بتفاصيل الاستعدادات الجارية لهذا الانعقاد أو العلم ببنود جدول الأعمال. بالتأكيد وحسب التجربة لا يهتم محلل للقمة، أو لأى قمة، بجدول أعمالها المعلن. فللقمة العربية، كأى قمة، بنود تبقى حبيسة عقول القادة إلى أن تحين فرصة طرحها فى اجتماعاتها المغلقة. استطيع من قراءة الاتصالات والتطورات خلال الأسابيع الأخيرة القول بأن الأرض جرى تمهيدها نسبيا عبر تغيير فى مواقف تقليدية وحساسة. مثلا لمسة عصا ساحرة مست الوضع اللبنانى العنيد والمتصلب فتغير وصار مرنا وطيعا وجاهزا للمشاركة فى القمة. مثال ثان، فجأة وبدون مقدمات طويلة ومعقدة وصل إلى بغداد وزير خارجية المملكة السعودية أملا فى ألا يكون العراق مزعجا أو عقبة فى القمة. مثال ثالث، وقع تطور أو أكثر فى علاقة المملكة بمصر خلال الأيام الأخيرة. أتصور أن مصر تستعد للقمة سرا وبأسلوب غير مألوف والأطراف جميعا يعرفون أنه رغم تعقيدات «المسألة المصرية» وسلبياتها اقتصادية كانت أم سياسية تظل القاهرة مفتاحا لعديد المشكلات العربية والشرق أوسطية. واشنطن تدرك هذه الحقيقة وكذلك طهران وموسكو وأنقرة، وإن كانت الأخيرتان تحاولان ترويض القاهرة قبل استخدامها مفتاحا لتنفيذ طموحات روسية وتركية مرفوضة مصريا.

•••

سوف يكون مطلوبا من هذه القمة توجيه رسائل إلى «من يهمه الأمر». رسالة إلى إيران تخلو من التهديد وتفتح الباب لمفاوضات تعيد التنبيه إلى خطورة التدخل فى اليمن والبحرين على أمن الشرق الأوسط وسلامه. ورسالة إلى الأسد تواصل التهديد وتمتنع عن الإيحاء بتهدئة قادمة وتدعم الفصائل غير الإرهابية. لن تطالب القمة بخروج القوات الأجنبية ليس فقط لأن دولة عربية أو أكثر تفكر فى إدخال قواتها فى اللحظة المناسبة ولكن أيضا لأن القمة لن تسعى لإغضاب تركيا والولايات المتحدة وروسيا فلكل منها قواتها فى سوريا. فى كل الأحوال أتصور أن مصر سوف تحاول إيصال رسالة أخرى من القمة إلى سوريا بوسيلة ما تتعهد فيها بالتمسك بموقفها.

أتصور أيضا، وهو الأهم، أن تبعث القمة برسالة موجهة أساسا إلى واشنطن وكذلك إلى عواصم أخرى مهتمة. تحتوى الرسالة المحررة بصياغة غامضة شيئا ما على إعلان من القمة استعدادها تطوير رؤيتها لحل المسألة الفلسطينية بما يتماشى والتحولات الدولية والإقليمية فى السنوات التى تلت انعقاد قمة بيروت التى طرحت المبادرة السعودية. يبدو صريحا وواضحا أن إسرائيل وأمريكا تطلبان من القمة، وبغير اعتراض من روسيا وتركيا والصين وبصمت الرضا وربما تشجيع مصرى وأردنى، أن تدخل الدول العربية أو عدد معين منها مع كل من مصر والأردن، وحبذا لو أمكن استبعاد حكومتى رام الله وغزة، أن تدخل فى مفاوضات مباشرة بهدف عقد اتفاق سلام إقليمى، هو نفسه يحل بنفسه قضية فلسطين حتما وفورا. اعتقد أن رسالة القمة لن تلتزم الطلب الأمريكى الإسرائيلى بالرغم من الضغوط ولكنها سوف تحاول ألا تكون بعيدة عنه.

•••

أعتقد وبكل الصدق أن غالبية المساهمين فى صنع قرارات القمة يشعرون بقلة الحيلة وضعف الحجة، وإن أنكروا. يعرفون كما نعرف أن الفجوة بين أغلبية الحكومات وشعوبها، أو ما تبقى من شعوبها، اتسعت على الراتق. من ناحية أخرى تعمقت مشاعر عدم الثقة المتبادلة بين الحكومات العربية وبعضها البعض إلى حد ألحق الضرر بالعرب أجمعين. تمنيت لو اقتصرت القمة على جلسات ثنائية وأخرى متعددة الأطراف وجماعية تناقش فقط حال الأمة عسى أن يتوصل المؤتمرون لتعريف واضح وصريح للأزمة التى تجد الأمة العربية نفسها فيها، وإلا فلتجتمع القمة وتنفض فى هدوء قبل أن تصدر قرارات تزيد الفرقة وتنشر الفتنة. كفانا ما نحن فيه.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.