الأحد 23 سبتمبر 2018 1:35 ص القاهرة القاهرة 26.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

حديث مجزرة القضاء

نشر فى : الإثنين 22 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 22 أبريل 2013 - 8:00 ص

تتنازع جماعة الإخوان المسلمين فكرتان متناقضتان.. أولاهما، تدعو ـ على خفوت ـ إلى شيء من التوافق الضرورى.. وثانيتهما، تمضى فى صخب إلى مواجهات شوارع وصدامات بين مؤسسات الدولة. الفكرة الأولى تستشعر حقائق مأزقها المستحكم بلا استعداد جدى لدفع تكاليف خفض احتقاناته.. والفكرة الثانية تراهن على «مشروع التمكين» بلا قدرة على تحمل تداعياته.

 

فى المأزق وحوله راهنت الجماعة على إمكانية الجمع بين توافق بلا تكاليف وتمكين بلا تداعيات فيما سميت «جمعة تطهير القضاء».. فالحكم القضائى بإخلاء سبيل الرئيس السابق «حسنى مبارك» فى قضية قتل المتظاهرين يفسح مجالا لعودة مشتركة مع جماعات الشباب للميادين تحت رايتها.. والاحتجاج نفسه يفسح مجالا آخر لاستصدار قانون جديد للسلطة القضائية من مجلس الشورى الذى تهيمن عليه باسم الثورة والتطهير يفضى إلى تقويض الهيئة القضائية ووضعها تحت الوصاية، وهذه خطوة متقدمة فى «مشروع التمكين».

 

الرهانات بدت كحلم ليلة صيف بالتعبير الشكسبيرى الشهير، فلا جماعات الشباب انضمت، ولا تيارات المعارضة أيدت، ولا قوى إسلامية عديدة وافقت، وذهبت الجماعة شبه وحيدة إلى محيط دار القضاء العالى تتوعد وتنذر بالانقضاض على القضاء قبل أن تدخل فى مواجهات شوارع دامية جرت وقائعها مع شباب تصورت أنهم يمكن أن ينضموا إليها.

 

الرهان نفسه فيه خداع نفس قبل أن يكون خداعا للآخرين، فالشكوك اتسعت والكراهية تزايدت بالوقت مع قطاعات واسعة من الرأى العام، والمواجهات الدموية مع جماعات الشباب واحدة إثر أخرى ولدت ثأرات يصعب تطويق آثارها بنداءات تفتقد صدقيتها وكلام عن الثورة بلا سياسات تسنده.

 

لم يكن ممكنا القفز فوق الحقائق بأحلام ليالى الصيف فوق جبل المقطم، فللغضب تجربته المريرة، وللتجربة نفسها دروسها، ومن بينها توظيف طاقة الثورة والتمرد والغضب، روح يناير نفسها، لمقتضيات مصالح الجماعة فى محطات عديدة وحصد الجوائز وحدها فى نهاية المطاف.

 

حقائق ما جرى فى الموقعة الدموية التى رافقت جمعة «تطهير القضاء» ناقضت أمنيات الجماعة فى أن تجمع فى سلة واحدة «الثورة» بشعاراتها و«التمكين» بسيناريوهاته.

 

الرهانات تدعو للتساؤل عن قدرات الجماعة ومستويات الكفاءة فيها، التى يبدو أنها تمثل الآن صدمة استراتيجية فى مصر والعالم معا. الدكتور «محمد مرسى» فى حواره مع فضائية «الجزيرة» ألح بلهجة أخرى على الرهانات ذاتها، فـ«الشباب فى القلب»، و«هم الثورة وقوتها»، والكلام تناقضه الصور عن ملاحقات أمنية وصدامات بالخرطوش فى محيط دار القضاء العالى بين الجماعة «التى يعتز بالانتماء إليها» والشباب «الذين هم الثورة نفسها».. والتصرفات تناقض التصريحات فى كلامه عن المعارضة التى وصفها بأنها مقدرة ومحترمة، الكلام إيجابى والتصرف تصعيد فى الأزمة، فهو يغض الطرف عن طلبها تشكيل حكومة كفاءات تتمتع بحيادية تخولها الإشراف العام على الانتخابات النيابية بنزاهة، وبما يوفر «هدنة سياسية» تحتاجها مصر لاستعادة الأمن ووقف التدهور الاقتصادى.

 

التفكير داخل الصندوق، صندوق الجماعة ومشروعها للتمكين، يحول عمليا دون فكرة التوافق الضرورى، فالتعديل الوزارى المحدود تأكيد للرؤية التى تحكم الجماعة، بلا استعداد لمراجعة، والمعنى هنا أن قرار استصدار قانون السلطة القضائية سوف تحكمه هذه الرؤية المتعسفة إلى نهايات اللعبة. فى مسألة الحكومة بدت اللعبة رسالة معلنة إلى الغرب وضغوطاته المتعاقبة من الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبى واصلة إلى صندوق النقد الدولى: «قمنا بتعديل وزارى باعتبارات الكفاءة»، ولا يمكن أن نقوم كل يوم بتعديل جديد تحت الضغوط الداخلية.

 

المعنى أن التعديل الوزارى بالطريقة التى يجرى بها يفضى إلى تعميق الأزمة الداخلية والذهاب بها إلى صدامات جديدة القضاء فى مقدمتها، والدكتور «مرسى» تجنب أية إدانة بأية درجة للإساءات الجزافية التى لحقت بالقضاة فى تظاهرات نظمتها الجماعة التى ينتسب إليها، وغض الطرف عن احتجاج المجلس الأعلى للقضاء على تلك الهتافات المسيئة، وتنصل فى الوقت نفسه من أية مسئولية عن استصدار تعديلات على قانون السلطة القضائية من مجلس الشورى يخفض سن التقاعد إلى ستين سنة.. فهو على رأس السلطة التنفيذية ولا يتدخل فى أعمال السلطة التشريعية، وعندما سئل: «ما موقفك أنت؟»، بدا السؤال موجها لغير صاحبه، لم يحر جوابا، وبدا أنه لا يملك قراره.. والكلام كله أقرب إلى سخريات السياسة، فالشعار «تطهير القضاء» والتعديل يقتصر على إحالة كل من هو فوق الستين إلى التقاعد، ليس لأنه فاسد أو متهم بفساد، بل لخلخلة الهيئة القضائية بما يسمح تاليا بالهيمنة الكاملة عليها، ووصلت مأساة المشهد إلى حد الدعوة فى تظاهرات «التطهير» إلى إقالة وزير العدل والإبقاء على النائب العام، الأول زكى الثانى، وكلاهما اقترب من الجماعة وتماهى مع توجهاتها، لكن الأول أقلقه ضميره أن يوافق على مجزرة بحق نحو ثلاثة آلاف قاض فى يوم واحد وقال إنه سيستقيل، بينما الثانى مستعد أن يلتزم بما تريده الجماعة رغم حكم قضائى بعدم أحقيته فى تولى موقعه. لا قواعد قانونية تحكم التصرفات التى أفلتت من عقالها مهددة بأخطر مجزرة بحق القضاة فى التاريخ الإنسانى كله، فهى لا مثيل لها، وما سميت بمذبحة القضاء عام (١٩٦٩)، فى أوضاع وظروف مختلفة، شملت (٤٣) قاضيا، بالعشرات لا بالآلاف، ومع ذلك فإنها نالت بفداحة من التجربة الناصرية بكل إنجازاتها الكبيرة. فى حديث مجزرة القضاة إشارات على المستقبل وسيناريوهاته المتناقضة، لم تكن قضية الثورة من دواعى تظاهرات تطهير القضاء، لكنه القلق على المستقبل الذى ينتظر جماعة أخفقت فى إدارة الدولة، أزمتها تتفاقم، وشعبيتها إلى تراجع، وبات الفشل عنوانا رئيسيا للنظام أو «شبه النظام» الحالى، وصورة «مبارك» وهو يبتسم من خلف قفص الاتهام ملوحا بيديه لعدد من أنصاره استدعت فزعا فى الجماعة وأنصارها، وهذا بذاته اعتراف بأن النظام الجديد لم يؤسس شرعية، ولا استتبت له قواعد، ومعنى الفزع من رجل هو من الماضى أن الجماعة وأنصارها فى مشكلة مع الحاضر والمستقبل، شهوات السلطة تستبد بها بلا كفاءة تبررها وطلب التمكين تعترضه حركة مجتمع أكثر تنوعا من أن تلخصه جماعة أو أن يحتويه تيار.

 

الحكم القضائى بإخلاء سبيل «مبارك» استدعى فى وقت واحد أشباح الماضى وشهوات السلطة، المخاوف صاحبت الشهوات إلى محيط دار القضاء العالى، وارتفعت الشعارات تندد بالقضاء ورجاله، رغم أن الحكم وافق صحيح القانون الذى يضع سقفا زمنيا إجباريا للحبس الاحتياطى لا يملك أى قاض أن يتجاوزه، والنص بذاته إنجاز قانونى جدير بالاحترام والحرص عليه جرت صياغته عام (٢٠٠٦)، واستفادت منه قيادات فى الجماعة نفسها. هذه قضية لا يصح أن تخلط الأوراق فيها بين اعتبارى القانون والثورة، فللقانون العادى قواعده، وللثورة حساباتها التى كانت تقتضى محاكمة «مبارك» على انتهاكات نظامه لمدى ثلاثة عقود متصلة، لا على ثمانية عشر يوما الأخيرة فى عهده، وأن يكون الهدف الرئيسى التعرف على حقيقة التجريف السياسى والاقتصادى الذى جرى والتنازلات الخطيرة فى مسألة الأمن القومى تصحيحا للتاريخ وتعلما لدروسه بما يمكن البلد أن تدخل مرحلة جديدة من تاريخها وأن تؤسس نظاما سياسيا مختلفا تستحقه، لكن لم يحدث ذلك وعاد النظام إنتاج نفسه بوجوه جديدة.

 

اللجوء إلى المحاكمات العادية فى أمور بطبيعتها استثنائية أوصلتنا إلى ما نحن عليه محملا القضاة فوق طاقتهم، فالقضاة يحكمون بالقوانين وفق الأوراق التى تعرض عليهم، والاتهام الجزافى للقضاة بالفساد ينطوى على هدم عمدى للسلطة القضائية، فلا اتهام بلا دليل، ولا حكم قبل تحقيق، وهذه مهمة يتولاها القضاء بنفسه عبر أدواته بلا تدخل من سلطة تنفيذية تفرض هيمنتها عليه.

 

الجماعة تعمى عيونها عما ترى وتصم أذانها عما تسمع، تستغرقها الصدامات المفتوحة مع مؤسسات الدولة الرئيسية واحدة إثر أخرى، وأولها الهيئة القضائية، فى الأزمة مع الجيش: كر وفر، وفى الأزمة مع القضاة: هجوم متواصل.. وفى الأزمات الأخرى مع «الأزهر» و«الكاتدرائية» و«الإعلام» مشروعات تطويع، الأزمات المعلنة ينفيها الدكتور «مرسى»، فهو يحترم «القضاء وأحكامه» والتطهير يحدث من داخله، ولا أزمة مع الجيش فـ«نحن واحد»، ولا فتنة طائفية فى مصر، ولا أزمة مع الإعلام. اللهجة تصالحية لكن تعوزها مصداقية وأن تسندها سياسات، فلا أحد فى العالم مستعد أن يصدق أقوالا تناقضها التصرفات، وما يجرى فى الدولة المصرية «قمع منهجى» لتطور المجتمعات المدنية والمؤسسات الديمقراطية على ما أشار التقرير السنوى للخارجية الأمريكية عن وضع حقوق الإنسان فى العالم.

 

معركة القضاء حاسمة حقا فى تقرير المستقبل المصرى، فإما أن يكون منفتحا على عالمه وعصره ومتسقا مع طبيعة ثورته، وإما تأخذه مجزرة القضاة إلى تفكيك الدولة والدخول بعدها إلى مصائر مرعبة.