أشباح الماضى الأفغانى - ويليام دارليمبل - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

أشباح الماضى الأفغانى

نشر فى : الأربعاء 22 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 22 مايو 2013 - 8:00 ص

تسبب الرئيس الأفغانستانى حامد كرزاى فى صدمة لزعماء الغرب، عندما أعلن أن الهجمات الأخيرة أثبتت أن طالبان «فى خدمة أمريكا». وكانت الإشارة واضحة: الإرهابيون متواطئون مع الولايات المتحدة لنشر الفوضى قبل الانسحاب الأمريكى المخطط له فى عام 2014. وأثار تصريحه ارتباك واستياء زعماء أمريكا وأوروبا، الذين أنفقوا الدم والمال للدفاع عن حكومة السيد كرزاى.

 

 ولكن بالنسبة لدارسى التاريخ الأفغانى، كان دافع السيد كرزاى لمهاجمة القوى الأجنبية علنا، واضحا تماما. وقد أعلنت حركة طالبان بيانًا صحفيًا، لم يلق اهتمامًا يذكر فى الصحافة الغربية، جاء فيه: «يعرف الجميع كيف تم جلب كرزاى الى كابول وكيف تم تنصيبه على عرش شاه شجاع الضعيف» فى اشارة الى الحاكم الأفغانى الذى كان منفيًا وأعاده البريطانيون إلى العرش فى 1839. «لذلك ليس غريبا أن يتخذ منه الجنود الأمريكيون مادة للسخرية، ويصفعونه على وجهه لأن هذه هى فلسفة الغزاة، أنهم يحتقرون الخائن فى نهاية الأمر ... وبهذه الطريقة يعاقبونه على عبوديته!»

 

 وقد وضع بيان طالبان عن غير قصد الاصبع على عنصر رئيسى فى فهم نفسية كرزاى. فالرئيس كرزاى، بالرغم من كل شىء، أحد شيوخ قبيلة بوبالزاى، وهو السليل المباشر من القبائل لشاه شجاع الملك، الحاكم الذى اختارته بريطانيا أثناء أول محاولة غربية لتغيير النظام فى أفغانستان منتصف القرن التاسع عشر.

 

●●●

 

 والتاريخ يعيد نفسه، على الرغم من أنه لا يكاد يكون هناك فى الغرب من يدركون ذلك بينما تستعد الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان. ولعلنا نسينا تفاصيل التاريخ الاستعمارى التى ساهمت كثيرًا فى تشكيل كراهية الأفغان تجاه الحكم الأجنبى، غير أن الأفغان لم ينسوا.

 

 واليوم، يلقى شاه شجاع ازدراء واسع النطاق فى أفغانستان باعتباره دمية الغرب. ويعتبر الرجل الذى هزم البرطانيون فى 1842، وزير أكبر خان، ووالده دوست محمد، بطلان قوميان. وقد عاش كرزاى طوال حياته فى ظل هذه المعرفة، التى جعلته حليفًا مختلفًا ـ حريص دائما على تأكيد الاختلاف بينه وبين داعميه، وهو ما يجعله يبدوا وكأنه يعض باستمرار اليد التى امتدت إليه بالغذاء.

 

 وفى 2001، سألت قيادات طالبانية شباب مقاتليهم: «هل تحبون أن يذكركم الناس باعتباركم أبناء شاه شجاع، أم أبناء دوست محمد؟». وقد تعمد الزعيم الطالبانى الملا عمر، مع وصوله للسلطة، أن يظهر نفسه فى صور دوست محمد، وخلع العباءة المقدس للنبى محمد من مزارها فى قندهار ولف نفسه بها فى إعلان للجهاد، فى إيحاءة تاريخية متعمدة، وقد فهم جميع الأفغان مغزى ذلك فورًا.

 

 وتبدو أوجه التشابه بين الحرب الحالية والحرب التى وقعت فى أربعينيات القرن التاسع عشر لافتة للنظر. فمازالت نفس الصراعات القبلية موجودة، وتدور نفس المعارك فى نفس الاماكن تحت أعلام جديدة وأيديولوجيات جديدة ودمى سياسية جديدة. كما تحمى نفس المدن قوات أجنبية تتحدث نفس اللغات، وتتعرض  للهجوم من نفس التلال والمرتفعات.

 

  ولا ينتمى شاه شجاع فقط إلى نفس قبيلة بوبالزاى التى ينتمى إليها كرزاى وإنما ينتمى معارضوه الأساسيون إلى الجيلزائيين الذين يشكلون الآن معظم جنود طالبان. وينتمى الملا عمر إلى قبيلة جلزاى، وهى نفس قبيلة محمد شاه خان، المقاتل المقاوم الذى أشرف على القضاء على الجيش البريطانى عام 1841.

 

 ووردت نفس القضايا الأخلاقية التى تتداولها الأعمدة الصحفية اليوم فى مراسلات المسئولين البريطانيين خلال الحرب الأفغانية الأولى. هل يجب على القوات الاجنبية أن تحاول»تعزيز مصالح الإنسانية» وتبنى الإصلاح الاجتماعى عن طريق حظر التقاليد مثل رجم النساء الزانيات؟ هل ينبغى لها أن تحاول إصلاح قوانين التجديف وطرح الأفكار السياسية الغربية؟ أم أنها يجب أن تركز فقط على حكم البلاد دون تعكير الصفو؟

 

 وكما حذر مسئول الجاسوسية البريطانى السير كلود واد عشية الغزو عام 1839، قائلا «ليس هناك ما ينبغى الخوف منه أو التنبيه ضده، فى اعتقادى، أكثرمن الثقة المفرطة التى اعتدنا عليها كثيرًا فى النظر إلى تفوق مؤسساتنا، وحرصنا على غرسها فى التربة الجديدة لم تختبر.»  وقد خلص فى هذا النقد المبكر للترويج للديمقراطية، إلى أن: «هذا التدخل سوف يؤدى دائما إلى خلافات حادة، إن لم يكن إلى رد فعل عنيف».

 

 تماما مثلما نجم عجز بريطانيا عن مواجهة الانتفاضة الأفغانية 1841ــ 1842 عن  إخفاق القيادة وانهيار العلاقات بين المبعوث البريطانى وشجاع شاه، كانت العلاقة المتوترة وغير المستقرة بين قادة حلف شمال الاطلنطى وكرزاى عاملا حاسما فى فشل أمريكا الأخير.

 

 وتعتبر أفغانستان فقيرة إلى الحد الذى لا يمكن أن يمول الاحتلال من خلال ثروة من الموارد الطبيعية أو الضرائب. وتنفق أمريكا اليوم أكثر من 100 مليار دولار سنويًا فى أفغانستان: وهى تتكلف من أجل الحفاظ على كتائب مشاة البحرية فى منطقتين من اقليم هلمند، أكثر من كل ما تقدمه لمصر من مساعدات عسكرية وفى مجال التنمية. وبعد ذلك، كما هو الحال الآن، صار قرار سحب القوات يرجع إلى عوامل ليست لها علاقة تذكر بأفغانستان، وهى حالة الاقتصاد المضطرب فى البلد المحتل وتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية.

 

●●●

 

 ولا يعيد التاريخ نفسه بالضبط، فهناك بعض الاختلافات المهمة بين ما يجرى فى أفغانستان اليوم وما جرى خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. ولا يوجد شخصية واحدة فى مركز المقاومة، معترف بها من قبل جميع الأفغان كرمز للشرعية والعدالة: فالملا عمر ليس دوست محمد أو وزير أكبر خان، والقبائل ليست متحدة وراء زعيم واحد كما كانت فى ذلك الحين.

 

    فضلاً عن أن أهداف الانتفاضة المحافظة والقبلية الدفاعية التى أنهت الحكم الاستعمارى مختلفة جدا عن أهداف طالبان اليوم، الذين يرغبون فى إعادة فرض أيديولوجية وهابية مستوردة على ثقافات أفغانستان الدينية المتنوعة. والأهم من ذلك، أن كرزاى سعى لإقامة حكومة ديمقراطية ذات قاعدة عريضة، وعلى الرغم من كثير من عيوبها جميع والفساد المنتشر، لا تزال أكثر تمثيلا وشعبية  بكثير من نظام شاه شجاع.

 

ويحرص كرزاى على الاستفادة من دروس إخفاقات أسلافه. وعندما صدر كتابى فى الهند فى يناير، حصل على نسخة منه وقرأها، وقال لى  «من يسمون بحلفائنا اليوم يتصرفون معنا تماما مثلما فعلت بريطانيا لشاه شجاع»، قال لى. «لقد أهدر لهم فرصة اعطيت لهم من قبل الشعب الأفغانى». ويعتقد السيد كرزاى يعتقد أن شاه شجاع لم يؤكد استقلاليته بما فيه الكفاية، , أوضح أنه سوف يعمل فى سنته الأخيرة فى منصبه بطريقة لن تجعل أحدا يتذكره على أنه دمية لأحد.

 

 

 

مؤلف الكتاب الذى صدر مؤخرا، «عودة الملك: معركة أفغانستان، 1839 ــ1942»

ويليام دارليمبل كاتب صحفي من صحيفة الجارديان
التعليقات