السبت 19 أغسطس 2017 6:38 م القاهرة القاهرة 34.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في «أكشاك الفتوى» بمحطات مترو الأنفاق؟

عن الدولة والمواطن .. مشرحة زينهم

نشر فى : الأربعاء 22 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 22 مايو 2013 - 8:00 ص

«طب أتحدى! أتحدى لو هو ابنه تحت رجليه كده هه، وهو فى الموقف ده، أتحدى إنه يتعرف عليه».

 

هكذا يتحدث المواطن.

 

والمواطن هنا يقف أمام الباب الخلفى لمشرحة زينهم يوم السبت الماضى. مواطن، ضمن عشرات المواطنين والمواطنات؛ الكثرة سيدات، وهناك بعض الرجال. الكل فى انتظار الموظف الذى بيده أن يفرج عن صور اعترفت المشرحة أخيرا، مضطرة، أنها تلتقطها للجثة حين تتسلمها. معلومات بنعرفها بالمصادفة. يعنى لولا إن ثلاث شابات تفانين مع والدة محمد الشافعى فى البحث عنه، لم نكن لنعلم ان من إجراءات المشرحة التقاط صور للجثة حين تأتيهم. ولم نكن لنعرف أن المشرحة بها أعداد من الجثث (نسمع أعدادا تتراوح بين ٥٠ و٨٠ جثة) مجهولة الهوية. المهم، هؤلاء المواطنون يقفون على باب المشرحة فى انتظار الصور لكى يحاولوا التعرف على أولادهم.

 

لأن أولادهم اختفوا. فى ظروف مختلفة؛ البعض من مظاهرات وأحداث، والبعض من حياته العادية. ذهب الأهل إلى الأقسام، إلى السجون، إلى المستشفيات، يحملون الصور ويسألون عن الأولاد، والإجابة واحدة: لأ يا ستى مش عندنا. جاءوا أيضا إلى المشرحة وقالولهم مش عندنا. زى ما قالوا لأم محمد الشافعى ثلاث مرات «مش عندنا» ــ وهو عندهم.

 

 قبل أن تُعرف مسألة الصور كانت الناس تطلب الدخول لتحاول التعرف على الجثث. لكن التعرف على الجثث فيه مشاكل - هذا مع افتراض السماح لك بالدخول أصلا. لأن الجثث مزدحمة جدا وفوق بعضها وفى مراحل مختلفة من التعفن. ولذا يقول المواطن: «طب أتحدى! أتحدى لو هو ابنه تحت رجليه كده هه، وهو فى الموقف ده، أتحدى إنه يتعرف عليه»

 

«بيقولولنا هم جايين لنا كده! طب ازاى؟»

 

«هى مش تلاجة؟»

 

«تلاجة بس الرفوف مليانة وناس محشورة وناس فى الأرض وحاجة زى ــ عارفة ــ الأفلام الأمريكانى اللى بيعملوا فيها حاجات رعب »

 

«ده لو إسرائيل اللى عمالة تقتل فى الناس ما تعملش كده »

 

«والله لو ابننا جه مش هنعرفه »

 

«أنا حزينة على المناظر دى أكتر من حزنى على ابنى »

 

«إن شاء الله ابنك هيرجعلك بالسلامة. أنا ابنى راح فى شهر خمسة »

 

«الريحة. الريحة بتفضل فى هدومك »

 

تقيل الكلام؟ فعلا. لكنهم يعيشونه. ويعيشه معهم الشباب الذين ينذرون الوقت والجهد والقلب والأعصاب لمساعدتهم؛ شباب حملة «هنلاقيهم» وغيرهم. وهم يتبادلون أيضا قصص الأولاد الذين عادوا بعد غياب. أبتعد قليلا. أتأمل الجدران. الدم تمنه دم. الجندى: القصاص أو الفوضى. شهداء الغدر: الجندى/ عمرو/ أحمد. وخط أحدهم فى التراب المتراكم على أوتوبيس قديم: فين العدل يا وزارة؟

 

رجل قوى البنيان، أسمر، بنطلون كحلى وقميص مخطط أزرق فى أبيض: «هو لسة ماجاش اللى معاه الصور؟» يشاور نفسه ثم يقول «لو دخلت أنا ممكن أموت». يمشى مبتعدا، وراء ظهره يده اليمين تقبض على اليسار تكاد تخنقها.

 

طيب، لماذا أحكى لكم هذه الحكاية؟

 

لأنها واحدة من الحكايات التى تبرز بوضوح شديد الخطيئة الأصلية للنظام الذى يحكمنا: عدم الاكتراث بحياة أو كرامة أو مشاعر الإنسان العادى. ولأننى مرة، كنت فى محل تجارى كبير، ابنى الصغير جرى نزل على السلم المتحرك ثم اختفى. كان عمره ٧ سنوات. عشر دقائق كانت الأسوأ فى حياتى. عقلى يتفجر بصور له يُسحب إلى داخل سيارة مظلمة، يُجَرّ من ذراعه إلى ممر ضيق حيث صناديق القمامة الضخمة، أرى وجهه مذعورا، أشعر بدقات قلبه متسارعة، وأرفض كل صورة حال ظهورها خوفا من أن تخيلى لها يجعل تحققها أقرب. عشر دقائق. ما بالك بساعة؟ أو شهر؟ أو سنة؟ أوسنتين؟ مفقود.

 

«هو الواحد هيستحمل ازاى؟ دا العيل لما ابوه بيديله القلم فى البيت قلبه بيفط، طب بس اشوفه، ولو محبوس ميت سنة ماشى. ده أول إسم سميته فى الدنيا، أربع سنين ماخلفتش لما ربى اداهولى جابهولى بالصعب ومشى بالساهل، تعبنا وخلفنا وشلنا وربينا عشان نفرح ولما جت الفرحة مافرحناش». محمود بشير عبدالراضى أحمد، وشهرته زياد. ابن عمته مجند أمن مركزى كلمه طلب فلوس. راح له، مع ابن عمته الثانى، صباح ٢٠١١/١٢/١٩. والدته كلمته قال لها «أنا فى الميدان، هاكلمك بعد عشر دقايق»، وحط المحمول فى جيبه مفتوح وسمعته بيسأل «مين اللى ضربك كده؟» ثم أصوات دوشة كتير ثم قفل المحمول. واختفى. ابن عمته الذى صاحبه ـ وكانا قد افترقا على ناصية محمد محمود ـ بحث عنه. لم يجده لكن رأى، تحكى «عربيات بتحَمِّل ناس - من ١٥٠ لـ٢٠٠ واحد. والفرقة ٧٧٧ كانت مسئولة عن تأمين الميدان».

 

«يبقى هتلاقيه. مادام ٧٧٧ يبقى عندهم».

 

«يا زياد. طول الليل ع البلكونة مستنياك. افتحى لى يامّة، أنا زياد يامّة. وحشنى صوتك يا حبيبى. افتحى يامّة. يا كبدى وضايع منى. أنا مش بادعيلك لوحدك، أنا بادعى للناس دى كلها، الأمهات دى كلها وولادها».

 

«بيقولوا فيه سجن ماحدش يعرف سكته غير مبارك وعمر سليمان».

 

تعيد: «ماكانش رايح يتظاهر. مالوش فى السياسة».

 

تعترض إحدى الأمهات: «وماله لما يتظاهر؟ يموتوه عشان بيحب بلده؟»

 

«كسبت مصر خسرت مصر كسبانها زى نصرانها. هم لما بينتصروا بيدونا نصرتهم؟ بس اعرف بس، لو مات هاقول أمر ربنا، بس الخفيان والطفيان ده مش قادرة عليه، بيخفى ويطفى كده قدام عينى».

 

«ماحدش واقف معانا غير الشباب دول. البنات والشباب دول ربنا يحميهم هم بس اللى بيجولنا».

 

سجون مستشفيات أقسام بوليس نيابة طب شرعى ــ أجهزة، أجهزة دولة تعمل ضد المواطن. هذه ليست من ابتكار الحكومة الحالية، هذه ترسبات ونواتج عقود من الفساد: الأجهزة نسيت هى موجودة ليه أصلا. مشكلة الحكومة الحالية إنها مش قادرة أو مش عايزة تفكرها.

 

قال رجل من المنتظرين أمام مشرحة زينهم «احنا عاوزين الحكومة وعاوزين الرئيس مرسى ينظروا لقضية المفقودين دى بجدية شوية» فقالت إحدى الأمهات «أنا لو يسيبونى عليهم لأخلّى أكبر ما فيهم قد الرزة».

التعليقات