الخميس 27 يوليو 2017 8:51 ص القاهرة القاهرة 29.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في «أكشاك الفتوى» بمحطات مترو الأنفاق؟

عن الدستور والتآلف والإبداع

نشر فى : الجمعة 22 يوليو 2011 - 9:02 ص | آخر تحديث : الجمعة 22 يوليو 2011 - 9:02 ص
شهدت الأيام الماضية، ضمن ما شهدت، خروج عدد من الإعلانات الدستورية، أو إعلانات المبادئ الدستورية، أو وثائق المواطنة، إلى النور. كما شهدت عددا من المحاولات لتوصيف تشكيل الجمعية التأسيسية، أو اللجنة، التى سينتقيها برلماننا المنتظر، وستكون مهمتها كتابة الدستور.

وجاء هذا النشاط بعد الاستقطاب الشديد، والخطير، الذى أحدثه رفع بعض القوى السياسية مطلب «الدستور أولا»، وجاء، فيما يبدو، فى إطار نوع من التراجع عن هذا المطلب. وعلى هذا، فقد فسرت بعض القوى السياسية (الدينية تحديدا) هذا النشاط الجديد بأنه محاولة مجددة للوصول لنفس الهدف الذى رآه الكثيرون يتستر وراء مطلب «الدستور أولا».

والحقيقة أن شعار «الدستور أولا» ــ بالرغم من منطقيته الظاهرة ــ كان شديد الخلافية، لأنه فى ظروفنا الحالية كان من الطبيعى أن يُفَسَّر على انه محاولة لتحجيم تأثير التيار الإسلامى فى شكل الدولة المصرية القادمة، ولإعطاء فرصة أكبر للتيار الليبرالى ــ الذى يبدو أنه قيَّم استعداده لخوض الانتخابات البرلمانية تقييما منخفضا ــ لتجميع نفسه، وبلورة برامجه، والنزول إلى الشارع وتكوين علاقات معه.

وبدت القوى المطالبة «بالدستور أولا» وكأنها، بدلا من أن تشحذ قواها وتنزل إلى الشارع ببرامجها، فضلت أن تفجر العملية السياسية كلها، ولو كان ثمن هذا هو الظهور بمظهر من يستهين بأول تجربة ديمقراطية مر بها الشعب (الاستفتاء)، ومن يلتف على الإرادة الشعبية (نتيجة الاستفتاء). أقول «مظهر» لأننا كلنا سمعنا التفسيرات والتخريجات القانونية التى قدمها أصحاب دعوة «الدستور أولا» ــ مستندين إلى صدور الإعلان الدستورى بعد الاستفتاء، وإلى استعمال ألفاظ رغم وجوب استعمال غيرها، وإلى اللبس عند الشعب فى فهم ما يستفتى عليه ــ والتى تبرئ الدعوة من محاولة الالتفاف.

ومع كل هذا كان من الواضح أن الحس العام لم يتقبل تلك المحاولات القانونية الحَرْفية، فظل يرى الدعوة «للدستور أولا» على إنها محاولة لتغليب فئة على فئة ولو على حساب تأجيل الانتخابات، وإدخال الناس فى مناقشات خلافية وهم أحوج للتكاتف، وإطالة مدة ولاية المجلس الأعلى للقوات المسلحة ــ فى وقت بدأ الناس فيه يخبرون مثالب الحكم العسكرى.

وجاء كل هذا مع وعى الشعب الكامل بأن القسم الأكبر من القيادات السياسية المشتغل بهذه المعركة يرى المجلس القادم والحكومة القادمة كفرصته الأخيرة للوصول إلى سلطة تمكنه من تطبيق رؤيته فى سياسة البلاد.

ولهذا أتصور اننا نستطيع أن نقول ان الشارع رفض تبنى مطلب «الدستور أولا». أما إطلاق المبادرات الفعلية، والتقدم بتصورات لما يمكن ان تكون عليه المبادئ الحاكمة للدستور المصرى، وطروحات لتشكيل الجمعية التأسيسية التى ستكتب هذا الدستور، فقد وجد، على العموم، صدى إيجابيا، بالرغم من أن بعض التيارات الدينية سارعت مرة أخرى فرفضته على أنه محاولة «لزنق» البرلمان المنتظر فى حيز أضيق مما كان مقدرا، بل وفرض أُطر ومضامين عليه، وهو الجسم التشريعى المنتخب.

برضه، الله أعلم بالنوايا، ولكن ما نتج بالفعل عن كل هذا النشاط، حتى لو كان وقوده الأساسى هو الشك فى نوايا الآخر ــ هو أننا نجد أنفسنا بالفعل أمام مجهود جاد، وتوجه توافقى، نتج عنه عدد من الإعلانات والمبادرات والتصورات. والكثرة والتنوع هنا سمتان ايجابيتان فى حد ذاتهما ــ أما الإيجابية الثالثة، والمفيدة حقا، فهى أن هذا النشاط أدى إلى إبراز ــ من ناحية ــ مساحة الاتفاق بين الوثائق كلها، ومن ناحية أخرى، الأفكار المجدّدة والمتميزة التى يبدعها كل فصيل. فكل وثيقة تكاد تنقسم إلى شقين: أحدهما يمكن ان نسميه شقا «عالميا» يتصل بحقوق الإنسان، ويعلن ولاءه لمعاهدات ووثائق حقوق الإنسان الدولية التى وقعت عليها مصر، والثانى شق محلى، مصرى، يبلور مبادئ تعكس أو تعالج خصوصية الحالة المصرية.

ولعل البنود الوحيدة التى تنفرد بها مجموعة واحدة دون الأخريات هما البندان الموجودان فى وثيقة المجلس الوطنى (جريدة «الشروق» فى ١٦ يوليو) والخاصة برسم دور للقوات المسلحة فى مصر ما بعد الانتخابات، يتعدى دورها ــ المتوافق عليه حاليا ــ فى حماية حدود البلاد، وسلامة أراضيها، وأمنها القومى، وسيادتها، ويدخلها فى الحياة المدنية للدولة.

وعموما، فلا ضرر من طرح الرؤى والأفكار المتباينة ــ بل ان فى هذا إثراء للمشهد الفكرى والسياسى ــ طالما أنها، كلها، خاضعة للنقاش والتساؤل، وفى النهاية لحكم الشعب.
وتظل أجمل مبادرة ــ طبعا ــ مبادرة الشباب: «تعالوا نكتب دستورنا»، وهى المبادرة التى ولدت من النقاشات فى الميدان، والتى بدأت الآن فى حشد عشرات الآلاف من المتطوعين، ليستطلعوا آراء مئات الآلاف من المواطنين عبر القطر المصرى. ويكفى أن أضع أمامكم بعض التعليمات الواردة فى «دليل المتطوع» لتروا اختلاف روح وتوجهات هذه المبادرة عن غيرها، وابتعادها، القاصد والحصيف، عن أى موقف نخبوى:

● الغرض من الاستمارة دى مش توعية للناس، وإنما طريقة لمعرفة أحلام وطموحات الناس عن مصر بعد الثورة.
● مش مهم الناس ترد على الأسئلة الرد الصح من وجهة نظرك، المهم أننا نعرف هما بيفكروا فى إيه.
●اسمعوا الناس من غير ما تفرضوا رأيكم عليهم.
●المهم إن الناس تكون بتقول تصوراتها بجد، مش إنها تكون بتقول الكلام اللى حاسّين إنه بيرضينا.
●ساعات الناس بتاخد وقت علشان ترد. دى حاجة كويسة ومعناها إنهم بيفكروا ومش لازم نستعجلهم (حتى لو شكلهم متلخبط) أحيانا أعمق التعليقات تأتى بعد دقيقة من الصمت.
●لو مافهموش السؤال ممكن تعيده تانى أو تفسره، بس بلاش تدى أمثلة علشان ما نحدش من خيالهم.
●لا بد من كتابة الإجابة فور الرد، وكتابة ما يقال بالضبط.
●اللى إحنا بنعمله ده عكس التوعية تماما، لأننا بندور على اللى احنا مانعرفهوش عن الناس.
وهذا هو لب الموضوع: نحن الآن، فئات وطبقات وجموع الشعب، بحاجة إلى ما يعيد التآلف الذى عشناه من ٢٥ يناير إلى ١١ فبراير، وبحاجة إلى استعادة الفورة الإبداعية التى عرفناها فى تلك الأيام، فهل من الممكن أن نجعل من كتابة دستورنا، من التعبير عن شخصية مصر لنفسنا وللمستقبل، المشروع الوطنى الكبير، الذى تتكامل فيه الجهود، وتظهر فيه عبقرية هذا الشعب من فلاح ومشرع وإدارى وفنان وسياسى وصانع و… و… و؟ المشروع الوطنى الكبير، الأول فى عصر الثورة.
التعليقات