الأربعاء 21 نوفمبر 2018 11:17 م القاهرة القاهرة 22.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أسئلة المستقبل السبعة

نشر فى : الإثنين 22 يوليه 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 22 يوليه 2013 - 8:00 ص

لكل طرف فى التحولات المصرية أزمته ولكل أزمة سؤال مستقبل يلخصها.

سؤال المستقبل يطرح نفسه أولا على جماعة الإخوان المسلمين، فطاقتها على الحشد والتعبئة اصطدمت بفجوات كراهية مع مجتمعها وبدت حالة إنهاك على تجمعاتها، وأيا كانت قدرتها التنظيمية فاستمرار الحشد بلا أمل والصدام بلا أفق ينال من تماسكها الداخلى ويهز ثقتها فى «النصر» و«كسر الانقلاب» على ما وعدت منصة «رابعة العدوية».

يوم بعد آخر يتأكد أنه لا سبيل إلى عودة «محمد مرسى» إلى الرئاسة وأن الرهان على الفوضى فى بنية الدولة والمجتمع بإغلاق الطرق والجسور وترويع المواطنين أفضى إلى خسارات إضافية فى صورة الجماعة لا سبيل لترميمها فى أى مدى منظور.

سؤال الانحسار هو ذاته سؤال المستقبل، فإلى أى حد يؤثر انكسار الرهانات واحدا تلو آخر على تماسك الجماعة.. وإلى أى مدى تفضى التعبئة الزائدة إلى انقلابات عكسية فى لحظة مواجهة الحقائق وأخطرها افتقادها للظهير الشعبى بصورة غير مسبوقة فى تاريخها كله، فلا أحد بوسعه أن يكسب صراعا على المستقبل بلا قاعدة تأييد تتجاوز قواه الذاتية.. حاولت الجماعة أن تغير من شكل منصة «رابعة العدوية» وأن تضفى عليها شيئا من العصرية والتنوع لكن الصور بدت مختلقة وغير مقنعة.. وحاولت فى الوقت نفسه أن تخفض من مفردات «المشروع الإسلامى» فى خطابها السياسى وأن تطرح نفسها كـ«قوة ديمقراطية» دون أن تكون مستعدة أن تدرك أن تغولها على القضاء والإعلام والحريات العامة من الأسباب الجوهرية للثورة عليها فى (٣٠) يونيو.

بصورة تدريجية لكنها ملموسة بدأ اليأس يتسرب إلى خطابها فى «عودة مرسى» وأخذت توظف مواجهاتها فى الشوارع لهدفين متلازمين.. أولهما ضمان وحدة الجماعة فى «مظلومية جديدة» حتى لا يؤدى الاعتراف بالفشل إلى مشروع انهيار مبكر.. وثانيهما فتح قنوات خلفية لمقايضات سياسية تضمن خروجا آمنا يمنع تعقب قياداتها ومصادرة أموالها.

متى ينتهى إذن اعتصام «رابعة العدوية»؟. طالما غابت الإجابات المقنعة فإن اعتصاما مفتوحا قد ينتهى بانسحابات صامتة تحت وطأة الإنهاك، أو انقسامات فادحة عند مواجهة الحقائق، أو اشتباكات دامية ربما تراهن عليها قياداتها لتمثل دور «الضحية» بعد أن حرضت على العنف وتوغلت فيه.

سؤال المستقبل يطرح نفسه ثانيا على الجماعات السلفية وفى القلب منها «حزب النور»، المساجلات داخلها تجاوزت المشاحنات الداخلية إلى الاتهامات المعلنة وتعدت الغرف المغلقة إلى منابر التواصل الاجتماعى.

أزمة جماعة الإخوان المسلمين تمتد إلى الدور السياسى للجماعات السلفية، فالتراجع على ناحية يؤثر على الناحية الأخرى فى معادلات التيار الإسلامى كما كان تقدم الجماعة داعيا إلى اختراق مماثل لـ«حزب النور» الذراع السياسية للدعوة السلفية. معضلة حزب النور هى جوهر سؤال مستقبله، إن خرج عن معسكره فقد هويته وإن بقى فيه ضاعت فرصه. فى المزاوجة بين الإحراجين تراوحت مواقفه ما بين الامتناع عن دعم أى طرف فى مواجهات (٣٠) يونيو والمشاركة فى إقرار خريطة الطريق التى أعقبت عزل «مرسى».. وما بين الانفتاح على «جبهة الإنقاذ» بحسابات مستقبله ومعارضتها فى الوقت نفسه عند تشكيل الحكومة لمنع انفراط معسكره.

قياداته برجماتية تدرك ضرورات اللحظة الآنية وقواعده تدعو للالتحاق بـ«رابعة العدوية». الخيارات أمامه ضيقة عند لحظة تقرير مستقبله وقد يتحول دوره الحيوى فى العملية السياسية بمعنى انفتاحها على كافة المكونات السياسية فى المجتمع إلى عنصر إعاقة.. وهذه أزمة إضافية على تكاليف المرحلة الانتقالية الجديدة وما هو قادم بعدها.

سؤال المستقبل يطرح نفسه بمعطيات مختلفة ثالثا على الطرف الآخر فى التحولات المصرية الجارية وعنوانه حملة «تمرد» التى اطاحت توقيعاتها بحكم الإخوان.. فالحملة بطبيعتها موقوتة بمهمتها، وقد أدتها بما فاق توقعاتها أو أية توقعات أخرى، غير أن ما أسفرت عنه دعا إلى التساؤل عن مستقبلها اعتقادا بأنه لا يصح إهدار خبرة ألوف المتطوعين الذين جابوا الشوارع والمنتديات وطرقوا أبواب البيوت وأقنعوا الناس العاديين بالخروج إلى الميادين فى (٣٠) يونيو. لسؤال المستقبل هنا شقان، أحدهما سياسى والآخر تنظيمى. فى الشق الأول فإن التجمع الشبابى الجديد متسق فى أفكاره وأميل إلى تبنى أطروحات المشروع القومى معتقدا فى تكامل حلقات التاريخ الوطنى المصرى.. وفى الشق الثانى فإنه مؤهل لحركة ميدانية جديدة تجعله على ما يخطط أن يكون طرفا حيويا فى صياغة الدستور الجديد وإجراء أوسع حوار مجتمعى حوله.

سؤال مستقبل «تمرد» فى جوهره سؤال عن حركة المجتمع وقدرتها على التغيير الواسع رهانا على أجيالها الجديدة.. و«تمرد» ترمز إليها فى هذه اللحظة.

وسؤال المستقبل يطرح نفسه رابعا على «جبهة الإنقاذ». لم يكن هناك تخطيط سبق الإعلان عنها، كل شىء جرى بتداعيات إصدار الرئيس السابق «محمد مرسى» إعلانا دستوريا، ليس من حقه أن يصدره، يخوله صلاحيات مطلقة للتنكيل بخصومه السياسيين، وأدى التفاف الاحتجاجات الشعبية تحت راياتها إلى تأكيد ضرورتها، وكانت تجربة الاستفتاء على الدستور داعية بدورها إلى توطيد المركز السياسى لجبهة الإنقاذ.. وكان ذلك مانعا لأية انشقاقات أو انسحابات.. فلا أحد مستعد أن يتحمل أمام مجتمع قلق مسئولية تفكيك جبهة نجحت بالكاد أن توفر راية موحدة للمعارضة، لكن الجبهة لم تنجح بالقدر ذاته فى أن تملك ناصية المبادرة والقيادة. تراجعت شعبيتها بصورة ملحوظة لكن أحدا من منتقديها لم يتحمس كثيرا لفكرة تفكيكها.. ومع صعود «تمرد» نفضت عن نفسها التردد فى مسألة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ودعمت الحملة بقدر ما تستطيع، وفى لحظات الحسم بدا وجودها فى مقدمة المشهد ضروريا لضمان ألا تتكرر الأخطاء ذاتها التى واكبت ثورة يناير، كانت «تمرد» وشبابها فى قلب المشهد التاريخى وحضرت «الجبهة» كمرجعية سياسية اسندت إليها مناصب كبرى فى الرئاسة والحكومة معا وأصبحت القاعدة السياسية للسلطة الانتقالية.. والكلام عن تفكيك جبهة الإنقاذ، باعتبار ان دورها انتهى بانتفاء أسباب نشأتها يعنى تفكيك قاعدة سلطة لم تستقر ونزع غطاء سياسى عنها بينما هى تكاد تبدأ أولى خطوات خريطة المستقبل.

سؤال المستقبل استبق مواقيته فى حالة جبهة الإنقاذ.. لكنه فى وقته تماما خامسا فى حالة السلطة الانتقالية، فأمامها ثلاث مهام عاجلة تحكم عليها فى التاريخ فالمستقبل الآن، أولها المسار السياسى، أن يضمن دستورا يرسخ الحريات العامة والتوازن بين السلطات، وأن يسعى لمصالحة وطنية بلا إقصاء لتيار وبلا مقايضة فى الوقت نفسه على ضرورات العدالة والمحاسبة لكل من أخطأ.. وثانيها مسألة الأمن، وهناك فرصة سانحة لإعادة هيكلة جهاز الشرطة وفق قواعد حقوق الإنسان فى ظل مصالحة تاريخية جرت فى الميادين بين الشرطة وضباطها والثورة وشبابها.. وثالثها قضية العدالة الاجتماعية، وهى حاسمة وضرورية والتلكؤ فيها ينذر بفشل يونيو ربما بصورة أفدح مما حدث فى يناير. المعضلة أن النزيف الاقتصادى يهدد بأزمات لا تقدر المساعدات العربية على تأجيلها لفترات طويلة، لكنه لا يصح أن تتحمل الفئات الأكثر عوزا فواتير الإصلاح كما جرت العادة، أو تؤجل حقوقها المشروعة لوقت آخر لا يأتى أبدا.

بلا عدالة اجتماعية فالثورة تفقد جدواها ونزاهة الانتخابات بين قوسين، فالتصويت الحر يقتضى إنسانا حرا يشبع احتياجاته الأساسية بلا مَن من أحد أو رشى بزجاجات زيت.

وسؤال المستقبل بعد ذلك كله يطرح نفسه سادسا على الرقم الصعب فى معادلات الدولة المصرية، الجيش ودوره فى الحياة السياسية بعد (٣٠) يونيو وما جرى بعده. قياداته تؤكد مرة بعد أخرى أنها لا تنتوى التدخل فى السياسة، وأن ما قامت به كان اضطراريا لمنع انهيار محتمل للدولة أو الدخول فى احتراب أهلى على ما هدد الرئيس المعزول، بل أن قائد الجيش «عبدالفتاح السيسى» نفى نيته للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، تشغله صورته فى التاريخ بأكثر مما تستدعيه السلطة من إغواءات.. دعته نداءات التاريخ، وتأثره بشخصية «جمال عبدالناصر»، أن يحسم أمره فى لحظة إن تقدم قبلها انزلقت أقدامه إلى هاوية وإن تأخر بعدها انزلق البلد كله إلى فوضى. هو لا يغادر تقريبا مكتبه فى القيادة العامة، يحاول بقدر ما يستطيع على ما أكدت شخصية عسكرية بارزة أن يحفظ التوازن الضرورى فى بنية القيادة حتى لا تستدعيها قوتها إلى الحسم العسكرى ضد جماعة الإخوان المسلمين.. القضية بعد ذلك تتجاوز شخص قائد الجيش إلى دور المؤسسة، وهى بتكوينها التاريخى قاعدة الدولة المصرية وسند الشرعية فيها.. والكلام عن تراجع مكون دورها فى القرار السياسى يفتقد إلى أى جدية ما لم تصاحبه بنية دستورية وقانونية تضمن التحول إلى مجتمع ديمقراطى حر، دولة قانون بالمعنى الحديث، وحياة سياسية نشطة تدرك الحدود الواجبة بين المؤسسات لا على الطريقة التى كان يدير بها «مرسى» علاقته بالجيش وملفات الأمن القومى!

والسؤال السابع عن المستقبل يطرح نفسه على التحولات الجارية كلها: ما مدى الاستعداد لتقبل كلفة التعاطى مع ملفات الأمن القومى بندية مع القوى الدولية؟

وأهم ما جرى فى تحولات (٣٠) يونيو أن الجيش تدخل بلا استئذان مسبق أو ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية على غير ما استقرت السياسات على مدى نحو (٤٠) عاما تلت حرب أكتوبر، وهذا يفسر الصدمة الأمريكية الأولى قبل أن تستوعبها وتحاول أن تكيف نفسها لمقتضيات الأوضاع الجديدة فى مصر. الاختبارات فى أولها. لكل شىء مقتضياته وتكاليفه وأصوله، والكلام عن استقلال القرار الوطنى ما لم يستند إلى أساس اجتماعى وديمقراطى فى الداخل فإنه يستحيل إلى موضوع فى الإنشاء السياسى يسحب من المستقبل الرهان عليه.