السبت 17 نوفمبر 2018 5:32 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

محفوظ عبدالرحمن مؤرخا

نشر فى : الثلاثاء 22 أغسطس 2017 - 8:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 22 أغسطس 2017 - 8:50 م
بموت محفوظ عبدالرحمن تواصل الدراما التليفزيونية خسارة أعمدتها التى جاءت من حقل الأدب التقليدى وسعت لتأسيس الأدب التليفزيونى بحسب التعبير الذى صكه الناقد الراحل الكبير د. عبدالقادر القط فى معالجته للمسلسلات رفيعة المستوى التى كتبها أسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن والربط بين الاسمين الكبيرين بالغ الإغراء. 
فالمتأمل فى أعمالهما بالذات سيكون أول ما يلفت نظره أنهما كانا جزءا من ظاهرة أدبية أوسع أسمها تضم كتابا من جيلى الخمسينيات والستينيات، وأنهما اهتما أولا بنشر نصوص قصصية ومسرحية للحصول على بطاقة اعتراف من الأوساط الأدبية، لكنهما ادركا مبكرا أيضا سطوة «التليفزيون» ونفوذه منذ اوائل السبعينيات.
ثم جاءت الفضائيات بعد عقدين فقط لتؤكد هذا النفوذ وتغير من المعادلات الثابتة فى صياغة وعى الناس. وبعد أن كانت النخبة تصنع هذا الوعى بطرقها المستندة على تقاليد كتابة المقال الأدبى أو السياسى، جاءت مع المحتوى التليفزيونى، قيم وفئات جديدة راهنت على التأثير فى «الشعبى» أكثر من النخبوى. 
والناقد السعودى البارز عبدالله الغذامى أعطى فى كتابه (الثقافة التليفزيونية) عدة أمثلة عن «سقوط النخبة وبروز الشعبى، مؤكدا ان الصورة التليفزيونية كسرت الحاجز الثقافى والتمييز الطبقى بين الفئات فوسعت من دوائر الاستقبال، بحيث دخلت للمجال العام فئات لم تكن محسوبة على قوائم الاستقبال الثقافى. 
وهذا لا يعنى ان النخبة اختفت أو لم تعد قائمة وإنما فقدت دورها فى القيادة والوصاية وتلاشت تبعا لذلك رمزيتها التقليدية... «ووفقا لهذا المعنى درس باحثون، الأعمال التليفزيونية باعتبارها إحدى أدوات «الثقافة الجماهيرية» واسعة التأثير وفى القلب منها أعمال محفوظ عبدالرحمن وأسامة أنور عكاشة. 
ويلفت النظر انشغال الراحلين بالتاريخ وسعيهما كلا على حدة لتقديم معادل درامى لمساراته بشىء من التأويل والقراءة التى تلائم انحيازاتهما وقد جاءا من خلفية قومية وناصرية واضحة.
وركزت أعمال عكاشة على التاريخ المعاصر وتجلى ذلك فى رائعته «ليالى الحلمية» التى تقدم تأويلا لمسار الصعود والهبوط فى أحلام المصريين بالتغيير منذ ثورة 1919 وحتى عصر مبارك لكن شغفه قاده لطرح سؤاله الأكبر عن «هوية» المصريين فى أعماله التى جاءت مع «أرابيسك» و«زيزينيا» «والمصراوية» وفيها كلها وضع أمامه نموذج طه حسين وسعى إلى تمثله، وإذا كان عميد الادب العربى صاغ سؤال الهوية المصرية وأجاب عنه فى كتابه الشهير (مستقبل الثقافة فى مصر) منحازا إلى هوية متوسطية، فقد بدا ان عكاشة غير قادر على هذا الحسم بسبب الجذر العروبى فى تكوينه. وهو هنا يتقاطع مع محفوظ عبدالرحمن فى مساحة أخرى غير أن عبدالرحمن درس التاريخ دراسة أكاديمية لذلك أظهر شغفا واضحا بمفاصل التاريخ المصرى ونقاط تحوله الحاسمة، ومثلما بدأ المفكر حسين فوزى كتابه الفاتن «سندباد مصرى» من الجمعة الحزينة التى سقطت فيها هوية مصر على باب زويلة وانقلبت من دولة مستقلة لدويلة عثمانية تابعة بعد هزيمة طومان باى ذهب عبدالرحمن فى «الكتابة على لحم يحترق» لنفس اللحظة وبلور عبرها اسمه ككاتب للدراما التليفزيونية بعد نجاحاته المسرحية ثم واصل فى «سليمان الحلبى، وليلة سقوط غرناطة» اللعب على المفاصل التاريخية ودراما السقوط، إلى ان جاءت لحظة التتويج مع كتابة درته الكبرى «بوابة الحلوانى» وفيها قدم تأويله لتجربة حفر قناة السويس وانشغال المصريين البسطاء بالعلاقة مع الآخر الغربى وراجع كل المقولات الكبرى المتعلقة بمفهومى «الحداثة» والتحديث.
وهنا لعب الكاتب الدرامى دور المؤرخ باقتدار فأعاد بناء الأزمنة والوقائع وشيد عمرانه الخاص واتسعت رؤاه للتاريخ مع صياغته الدرامية لتاريخ شخصيات كبرى مثل «أم كلثوم وحليم وناصر» قدم معها التاريخ المصرى من أسفل، منحازا فيما كتب لأصوات المقموعين والمهمشين.
وربما يكون ما قدمه عبدالرحمن هو أول تفعيل درامى لفكرة التاريخ بالتأويل كما طرحها الفيلسوف بول ريكور وتعامل بجدية مع السؤال الاشكالى: كيف نفهم الوثائق أو النصوص التاريخية المنحدرة إلينا من الماضى؟ 
والمؤكد أن التأويل الدرامى الذى قدمه أسهم إسهاما كبيرا فى تشكيل طبيعة المعرفة التاريخية نفسها لدى أجيال.
وفى ظنى ان هذه هى الخسارة الكبرى فمع موته تخسر مصر كاتبا مستنيرا انحاز دوما لقيم العدالة والحرية والمساواة.