الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 2:33 م القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

مستقبل العرب بلا عروبتهم..

نشر فى : الأربعاء 22 أكتوبر 2014 - 8:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 22 أكتوبر 2014 - 8:48 ص

وعت الأجيال التى سبقتنا الحياة على «نكبة فلسطين». وكان تعبير «نكبة» يدل على الهرب إلى «القدرية» فى تفسير هزيمة سياسية وعسكرية كشفت، بوقائعها الجسيمة، غربة العرب عن العصر، وجهل قياداتهم ونخبهم، بأكثريتهم، وجموع شعوبهم، خطورة الحدث الجلل الذى كشف سذاجتهم السياسية وارتهان قرارهم للإرادة الأجنبية، فضلا عن رؤيتهم الضبابية الساذجة للمشروع الإسرائيلى بكل قوى الدعم الذى يحظى بها.

كان هذا المشروع الذى يستند فى تأسيسه إلى «وعد بلفور» الذى أعطاه الاحتلال البريطانى للحركة الصهيونية العالمية فى الثانى من نوفمبر 1917، ولم يعرف به العرب إلا بعد قيام الثورة البولشيفية فى روسيا ونشرها مجموعة من الوثائق السرية كان «الوعد» من بينها..

وبرغم أن «المشروع» كان يتنامى ويتكامل على أرض فلسطين أمام عيون أهلها وسائر العرب، وحكامهم بالدرجة الأولى، إلا أنهم جميعا قد «فوجئوا» باكتماله وتحققه فوق أرض فلسطين وقد أدى إلى طرد معظم أهلها منها ليغدوا لاجئين داخلها أو فى دول الجوار.

وكانت الدلالات المباشرة للهزيمة قاطعة فى وضوحها: فلا دولهم كانت دولا مكتملة النمو، ولا جيوشهم كانت جيوشا بالفعل... وبرغم تلاقى دولهم «المستقلة» آنذاك فى جامعة الدول العربية، فإن هذه الجامعة كانت رمزية الحضور، تمشى بخطى أضعفهم ولا تملك أن تقرر إلا فيما يتوافقون عليه.. والتوافق متعذر، وربما مستحيل.

كانت الصدمة بتخلفهم وغربتهم عن العصر أقسى من صدمتهم بهزيمتهم أمام عدو اقتحم بعض بلادهم معززا بجيش قوى وبتأييد دولى غير مسبوق.. ابسط أدلته أن الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى قد صوتت على قيام «دولة إسرائيل»، مطمئنة إلى أن رد الفعل العربى لن يتجاوز التظلم والتشكى واتهام «الدول» بخذلان أصدقائهم العرب.

•••

لم ير العرب سبب هزيمتهم فى عروبتهم، بل رأوها فى تخلفهم وتهافت دولهم وغربتهم عن العصر.. فدولهم جميعا محتلة، أو أنها بالكاد خرجت إلى رحاب الاستقلال، ضعيفة، لا تعرف العالم، بينما إسرائيل أقوى عسكريا وسياسيا، منهم جميعا، وموجودة ــ بل ومؤثرة ــ فى المنتديات الدولية، ولها علاقات وثيقة مع الدول الكبرى والتى تنافست على مساعدة «الدولة الديمقراطية»، بل الدولة الغربية الناشئة وإن ادعت الانتساب إلى مملكة سليمان وداوود وما قبلهما..

على هذا يمكن القول إن بداية وعى «العرب» بذاتهم وبخطورة موقع بلادهم فى العالم، قد جاءت مع «نكبة فلسطين».

كانت مصر الملكية تحت الاحتلال البريطانى، وليبيا ــ الملكية أيضا ــ بولاياتها الثلاث تحت استعمار ثلاثى (أمريكى ــ بريطانى ــ فرنسى) بعد إجلاء الاحتلال الايطالى الاستيطانى.. وكان الفرنسيون أصحاب القرار فى تونس، يغيبون الجزائر التى يعتبرونها «فرنسا ما وراء البحار»، والمغرب بعيد يحاول موازنة فرنسا بعلاقة مستجدة وطدتها الحرب العالمية الثانية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما فى المشرق فكان لبنان يخرج من الانتداب الفرنسى إلى الكوزموبوليتية، وسوريا الفقيرة تستعيد وحدة دولتها بعد محاولات فرنسية لتقسيمها إلى أربع «دول»، وتحاول بناء استقلالها بقدراتها المحدودة، والعراق تحت الاحتلال البريطانى، ومعه أقطار الخليج ( الكويت وإمارات الساحل المتصالح التى ستغدو دولة الإمارات العربية المتحدة ومن ثم قطر)، أما السعودية فكانت خلف السور، بعيدة جدا، وكذلك اليمن..

ولا شك أن صدمة الهزيمة فى فلسطين قد نبهت الشعوب إلى واقعها... وبدأ الرد على الهزيمة بخلع الأنظمة الحاكمة على أيدى الجيوش التى حاولت الثأر لهزيمتها من حكامها الذين اعتبروا مسؤولين عن.. خسارة الحرب بلا قتال! وهكذا قام الجيش السورى بأول انقلاب عسكرى فخلع أول رئيس للجمهورية فى عهد الاستقلال ليتسلم السلطة ضابط يدعى الزعيم حسنى الزعيم. لكن الانقلاب الأول سرعان ما أعقبه انقلاب عسكرى ثان بذريعة أن شركة تابلاين الأمريكية للنفط هى التى دبرت الانقلاب الأول.. وكرت سبحة الانقلابات، إلى أن انتهى الأمر بذهاب كبار الضباط بعد عشر سنوات، تقريبا، ومعهم كبار السياسيين فى سوريا إلى القاهرة ليطلبوا من الرئيس جمال عبدالناصر الوحدة مع مصر... على أن هذه الوحدة لم تعش إلا ثلاث سنوات ونصف السنة ثم فصم عراها ضباط سوريون اتهموا بمعاداة الوحدة والعروبة ومصر عبدالناصر.

•••

فى العراق، وبتأثير من المد القومى العربى وقيام دولة الوحدة، تقدم الجيش لينهى الحكم الملكى (الهاشمى)... وخلافا للتوقع فإن قائد الانقلاب الزعيم عبدالكريم قاسم قد ظل بعيدا عن القاهرة، بل انه سرعان ما فجر خلافات حادة معها، ضربت حلم الوحدة.

على أن الحلم سرعان ما انتعش بانتصار ثورة الجزائر وقيام دولتها فى أواخر صيف 1962، فى حين خلع الجيش اليمنى الإمام يحيى، وتوجه نحو القاهرة لنصرته.

فى 5 يونيو 1967 شنت إسرائيل حربها على مصر وسوريا ووقعت هزيمة تفوق التصور.. وكان ضروريا إعادة بناء الجيش المصرى، بعد استعادة قواته من اليمن وخلع قياداته التى كانت مشغولة عنه وعن مهماته الجليلة وأولها مواجهة العدو الإسرائيلى.

وفى مايو 1969 قام الجيش السودانى بانقلاب بتوجهات وحدوية معلنة خلافا لرأى الشيوعيين الذين كان لهم دور أساسى فيه..

فى الفاتح من سبتمبر 1969 قام الجيش فى ليبيا بانقلاب أدى إلى خلع الملك إدريس الثانى، رافعا شعار الوحدة التى ظلت فى خانة الأحلام..

وفى 28 سبتمبر 1970 توفى جمال عبدالناصر، وتهاوت أحلام سنية غالية أبرزها حلم الوحدة العربية... حتى إذا جاءت حرب أكتوبر رمضان 1973، كان آخر تلاق عربى، سياسى وعسكرى، على أرض القضية المقدسة، فلسطين وفى مواجهة العدو الإسرائيلى، ليفتتح الرئيس المصرى أنور السادات التوجه الجديد نحو الصلح مع إسرائيل. وبخروج مصر من الصراع أصيبت قضية فلسطين بتصدع خطير، وتوارت كقضية جامعة للعرب من خلال وحدة الأهداف ووحدة العدو.

•••

ها هم «العرب» الآن بلا كيان جامع، وقد تراجعت الهوية الموحدة لتسود الكيانية والإقليمية، ومعهما ــ بطبيعة الحال الطائفية والمذهبية... بل إن العديد منهم أخذ يرجع ويسترجع هويات قديمة عفا عليها الزمن، مع أن حركة العروبة لم تنكرها عليه، بل أكدت احترامها لمختلف الأعراق والعناصر فضلا عن الأديان والطوائف.. هذا مع الإشارة إلى أن أكثرية المفكرين وقادة الحركات السياسية الوحدوية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهايات القرن العشرين كانوا من أبناء هذه الأمة من المسيحيين (آل اليازجى، جرجى زيدان، آل البستانى، انطون سعاده، ميشال عفلق وجورج حبش الخ).

وبالتأكيد فإن الأنظمة التى حكمت الأبرز والأقوى دورا وتأثيرا فى الدول العربية، والتى كانت بمجملها من أصول عسكرية، قد أساءت إلى العروبة والى فكرة الوحدة، عن طريق الابتذال فى استخدامها لتغطية دكتاتوريتها وعجزها عن بناء دول قادرة... فأُلصقت بها تهم القصور، بينما اغفل دور الممالك والإمارات ومعها النفط كسلاح فعال.

من هنا أن الانتفاضات الشعبية التى تفجرت تباعا فى تونس ثم فى مصر وبعدها سوريا فليبيا ثم اليمن قد رفعت شعارا موحدا: يسقط يسقط حكم العسكر!.

فى البدء، وفى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين توهم الجمهور أن «المشكلة» عسكرية، بالدرجة الأولى.. وكان العسكريون مبادرين بالتحرك دفاعا عن شرفهم ورفضا لتحميلهم المسؤولية عن الهزيمة.

ولكن سرعان ما تبين أن المسألة اخطر من ذلك بكثير، وأن مواجهة المشروع الإسرائيلى الذى يحظى بدعم دولى هائل، والذى «يخاطب» بصورة أو بأخرى، الأقليات الطائفية أو المذهبية أو العرقية فى أقطار المشرق خاصة، وفى الدول العربية عموما، تتطلب تصليب الوحدة الوطنية وتأكيد وحدة المجتمعات بتعزيز روابطها وقيمها وأهدافها المشتركة، وأساسا هويتها الوطنية- القومية التى رآها العدو واحدة موحدة ورأت فيها الطبقة السياسية الحاكمة مساحة للمناورة والاستغلال السياسى الرخيص ولو على حساب الأمة والدولة ووحدة الشعب جميعا.

•••

وهكذا اكتشفت الطبقة السياسية أن العيب فى العروبة وليس فى نظام الحكم الذى خان أهداف نضال شعبه، وأن التبرؤ من العروبة أو الخروج منها وعليها هو الطريق إلى التقدم والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية... إلخ.

لكن وقائع الحياة أقوى: فها هو العدو الإسرائيلى لا يزال عدوا برغم كل معاهدات الصلح و«التسوية» و«الاعتراف بالأمر الواقع»، وها هى الدول العربية التى اختارت الانفراد بمسؤولياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تنتهي ــ بمواردها الهائلة ــ رهائن لدى القوى العالمية ذات المشاريع الإمبراطورية والتى لا تتردد فى الإعلان عن خططها لتجديد هيمنتها على المنطقة عموما متخذة من «إسرائيل» الدولة الوحيدة الثابتة فيها، بينما المشرق ــ بدوله جميعا ــ قيد البحث.

وبكلمة فإن البديل عن العروبة، كهوية جامعة، هو واحد من اثنين: إسرائيل كدولة مركزية للمنطقة، وولايات فى الخلافة الداعشية بحماية إسرائيل وقوى الغرب موحدة الآن فى الامبريالية الأمريكية... أو فى ظل تقاسم للنفوذ بين هذه جميعا على حساب العرب وهويتهم الجامعة فى حاضرهم كما فى مستقبلهم.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات