الأحد 19 أغسطس 2018 7:51 م القاهرة القاهرة 33°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

من أوراق الانتخابات البرلمانية 2011: تفتت الأحزاب العلمانية وهزيمتها

نشر فى : الجمعة 22 ديسمبر 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الجمعة 22 ديسمبر 2017 - 9:25 م
تأقلمت الأحزاب العلمانية قديمها والجديد منها بشكل مُتباين مع الانفتاح السياسى المُضطرب فى الفترة بين ٢٠١١ و٢٠١٣. فالأحزاب التى تأسسّت وهدفها الرئيس دعم الدولة وخلق صورة مزيّفة للتعددية الحزبية، فوجئت بمباشرة جماعة الإخوان المسلمين وبقية ألوان طيف الإسلام السياسى (من السلفيين إلى الأعضاء السابقين فى جماعة الإخوان) تأسيس الأحزاب، كما فوجئت بالترخيص لأحزاب علمانية جديدة والسماح لها بالعمل بحرية نسبيا. كان هذا تغييرا مُربكا للأحزاب العلمانية المُوالية للدولة التى تشكّلت قبل العام ٢٠١١، والتى كانت عموما صغيرة وتفتقد إلى قاعدة شعبية. فى الفترة بين ٢٠١١ و٢٠١٣، صار الهدف الرئيس لهذه الأحزاب هو مجرد البقاء على قيد الحياة.

أما الأحزاب العلمانية القديمة التى كان لديها قدر من الاستقلالية وسعت جزئيا إلى المنافسة السياسية والانتخابية قبل ٢٠١١، ومن بينها الوفد وحزب التجمع الوطنى التقدمى وحزب الجبهة الديمقراطية، فقد كانت توّاقة إلى المشاركة بحرية أكبر فى سياسات ما بعد ٢٠١١. وقد حدّدت طبيعة تفضيلاتها الإيديولوجية والسياسية نوعية نهجها، وشكّلت التفاوتات بين مختلف أصولها التنظيمية والمالية آفاق فرصها وحظوظها. اختار حزب الوفد، أولا، بناء تحالف انتخابى ضخم مع حزب الحرية والعدالة الذى أسسته جماعة الإخوان أُطلق عليه اسم التحالف الديمقراطى من أجل مصر. هذا التحالف، الذى أعلن لخوض الانتخابات البرلمانية ٢٠١١، ضمّ العديد من أحزاب الإسلام السياسى الصغيرة، كما ضمَّ أيضا أحزابا علمانية منها حزب الكرامة الناصرى وحزب غد الثورة وحزب الجبهة الديمقراطية. بيد أن الخلافات بين الوفد وجماعة الإخوان فى ما يتعلّق بالعدد الإجمالى لمرشحى كلٍ منهما، إضافةً إلى مسألة الدين فى الحياة السياسية والبرنامج الانتخابى، أسفرا عن فشل التحالف.
انسحب الوفد، ومعه معظم الأحزاب العلمانية من التحالف. بيد أن حزبى الكرامة وغد الثورة واصلا التنسيق مع جماعة الإخوان، وتوصلا إلى وضع بعض مرشحيهما على قوائمها الانتخابية.

***

قرر الوفد بعد مغادرته التحالف الديمقراطى خوض الانتخابات البرلمانية مُستقلا. وقد مكّنته ماكينته التنظيمية المنظّمة جيدا وفروعه فى معظم المحافظات والمدن الكبرى المصرية وإمكاناته المالية المستقرة، من ترشيح أعداد توازى عدد مرشحى الإخوان. أما الأحزاب العلمانية الأخرى، بما فى ذلك الحزب الديمقراطى الاجتماعى وحزب المصريين الأحرار، إضافة إلى حزب التجمع، فقد تعهّدت بالمنافسة فى الانتخابات البرلمانية ضد التحالف الديمقراطى الذى قادته جماعة الإخوان وأيضا المنافسة ضد تحالف آخر للإسلام السياسى كان يؤسسه حزب النور السلفى. هنا برزت الكتلة المصرية كائتلاف انتخابى علمانى مناوئ للإخوان، وجاء تمويلها من رجال أعمال كبار. طرحت الكتلة المصرية ــ التى استقطبت إلى صفوفها بجانب المصرى الديمقراطى والمصريين الأحرار والتجمع وحزب الجبهة الديمقراطية وعددا من الأحزاب العلمانية الصغيرة ــ برنامجا علمانيا يُصر على فصل الدين عن السياسة وشئون الدولة. بيد أنها نسّقت بقوة مع الكنائس المسيحية لضمان تصويت المواطنين الأقباط لمرشحيها. نتيجةً لذلك، وعلى خلاف الأهداف المعلنة لأحزاب الإسلام السياسى وأحزاب الكتلة المصرية، أضحت البيئة السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية ٢٠١١أكثر استقطابا وفق تمايزات وانقسامات الهوية الدينية.

ومما زاد من التحديات السياسية والانتخابية أمام الكتلة المصرية أن كلا من الحزب الديمقراطى الاجتماعى وحزب المصريين الأحرار، وهما كانا الأكثر أهمية داخل الكتلة، كانا جديدين ولا سجل خبرة يُذكر لهما فى المشاركة الانتخابية ولم يكن لهما سوى أصول تنظيمية محدودة. اجتهدت الكتلة للعثور على مرشحين لهم شعبية تؤهلهم لخوض السباق الانتخابى فى ٢٠١١، غير أن الأعضاء السابقين فى الحزب الوطنى الديمقراطى (الحاكم قبل ٢٠١١) وهم كانوا آنذاك الأقوى حضورا فى النسيج الاجتماعى للمدن والريف المصرى فضلوا إما الترشُّح على قوائم حزب الوفد أو على قوائم الإخوان.

***

وفى هذه الأثناء، كان الناشطون الشبان العلمانيون الذين برزوا كمجموعة قوية فى ثورة يناير ٢٠١١ وما تلاها من مفاعيل، كانوا أقل اهتماما عموما بتنظيم أنفسهم لخوض الانتخابات البرلمانية وسعوا إلى مواصلة تحرّكهم من خارج العملية السياسية الرسمية. وحتى حين بات بعضهم مهتما بالعملية الانتخابية، إلا أنهم لم ينجذبوا إلى الكتلة المصرية على الرغم من توجهاتها العلمانية بسبب ما اعتبروه هيمنة رجال الأعمال الأقوياء عليها، ودفعوا باتجاه تأسيس تحالفات انتخابية إضافية. فقررت مجموعة من الأحزاب اليسارية الصغيرة والليبرالية الصغيرة أيضا كسر طوق الاستقطاب الإسلامي ــ المسيحى الذى انغمست فيه من جهة أحزاب الإسلام السياسى ومن جهة أخرى أحزاب الكتلة المصرية، فشكّلت ائتلافا علمانيا ثانيا باسم ائتلاف الثورة مستمرة.

هنا عمدت أحزاب يسارية تأسس العديد منها بعد ٢٠١١ مثل حزب التحالف الشعبى أو بدأت مبادرات تأسيسها بعد ٢٠١١ مثل الحزب الاشتراكى المصرى والحزب الشيوعى المصرى، عمدت إلى رصّ الصفوف مع مجموعات ليبرالية صغيرة (كآنذاك مجموعة حزب مصر الحرية ومجموعة حزب التيار المصري). ومع أن ائتلاف الثورة مستمرة نجح بالنأى بنفسه عن الاستقطاب الدينى وبلور برنامجا علمانيا وديمقراطيا واضحا، إلا أن جاذبيته الانتخابية كانت ضعيفة لأسباب متعددة. فالقدرات التنظيمية والشخصية للائتلاف لم تمكنه من جمع الأموال الضرورية للمشاركة فى الانتخابات البرلمانية بقوة. ثم إن الخطاب العلمانى الواضح المقرون بالنقد ضد جماعة الإخوان والكتلة المصرية لاستخدامهما الدين لأغراض سياسية لم يرق لأقسام واسعة من الهيئة الناخبة المصرية. لذا، طرح ائتلاف الثورة مستمرة عددا صغيرا من القوائم والمرشحين الفرديين فى الانتخابات، ونظر إليه باعتباره مجرد باقة من الأحزاب الصغيرة المثالية التى لا تستطيع الفوز فى الانتخابات.

***

فى الانتخابات البرلمانية ٢٠١١، تشظّت الأحزاب العلمانية. فائتلافاتها المتبانية أربكت الناخبين، وانخراط بعضها فى عملية الاستقطاب الدينى سلّم أقساما كبيرة من الناخبين المصريين إلى الإخوان والسلفيين. وفى خاتمة المطاف، ساعدت الأصول التنظيمية والمالية والإرث التاريخى حزب الوفد على حصد ٣٢ مقعدا فى مجلس الشعب الجديد (انعقد فى يناير ٢٠١٢)، فيما مكّنت الأصوات القبطية رفقة التمويل الكثيف والحملات الإعلامية النشطة الكتلة المصرية من حصد ٣٤ مقعدا. أما ائتلاف الثورة مستمرة فحصل على ٧ مقاعد فقط، وحزب الكرامة ٦ مقاعد على قوائم جماعة الإخوان المسلمين. وذهبت أغلبية مقاعد المجلس إلى حزب الحرية والعدالة الذى أسسته جماعة الإخوان وحزب النور السلفى وغيرهما من أحزاب الإسلام السياسى (أغلبية الثلثين) التى حصلت على فوز انتخابى عريض رتبه بين عوامل أخرى تفتت وتشظى الأحزاب العلمانية. 
ملاحظة: التحليل أعلاه هو جزء من عمل أوسع أعده عن أسباب فشل التحول الديمقراطى فى مصر بين ٢٠١١ و٢٠١٣.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات