الإثنين 24 سبتمبر 2018 10:40 ص القاهرة القاهرة 28.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

أسئلة الضمير العام

نشر فى : الإثنين 23 مارس 2015 - 10:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 مارس 2015 - 10:00 ص

لا يتسق مع منطق الثورة، أى ثورة، أن تقبع بعض وجوهها خلف جدران السجون بينما رموز النظام الذى أطيح به يفرج عنهم بلا استثناء واحد، كأنه لم تكن هناك جرائم قتل تستحق العقاب الصارم ولا فساد اقتصادى وسياسى أفضى إلى الثورة.

المفارقات الحادة تفضى إلى أزمة فى الضمير العام بذات درجة الحدة، وكأى أزمة من هذا النوع فإنه لا يمكن التقدم بثقة إلى المستقبل دون إجابات واضحة عن كل الأسئلة.

أن يعرف كل مواطن شارك فى الثورة ودفع ثمنا باهظا لأحلامه.. ما الذى حدث بالضبط ولماذا كانت الثورة ضرورية وأين كانت الجرائم الكبرى التى جرفت كل شىء وسدت كل طريق؟
الشعوب تحاسب تاريخها بحثا عن الحقيقة حتى تصحح مسارها وتمنع أية عودة محتملة لخطايا الماضى.

هذا هو موضوع العدالة الانتقالية.. لا الانتقام والتشفى.

فى هذه اللحظة أكثر من أى وقت سبق تتأكد ضرورة العدالة الانتقالية، فارتفاع منسوب الثقة العامة فى المستقبل بإثر النجاح السياسى قبل الاقتصادى بمؤتمر «شرم الشيخ» من دواعى التقدم إلى هذا الملف الضرورى والحساس الآن وليس غدا.

العدالة الانتقالية المدخل الأفضل بإطلاق لمواجهة أزمات الضمير العام، أن نعرف الحقيقة ونواجهها، أن نصحح مرة واحدة وللأبد.

الكلام فى العدالة الانتقالية هو كلام فى العدالة الاجتماعية والحريات العامة معا.

إذا لم تحدث مراجعة حقيقية وكاملة لقصة نهب مصر على مدى ثلاثين سنة فإن الوقوع فى المحظور وارد.

فى عصر «حسنى مبارك» ارتفعت معدلات النمو وتراجعت نسب التنمية، نشأت طبقة فاحشة الثراء تمتلك كل شىء تقريبا بزواج السلطة والثروة وشبه تآكلت الطبقة الوسطى وديست بالأقدام الغليظة الفئات الأكثر فقرا.

وكان ذلك من الأسباب الجوهرية لإطاحة حكمه بحسب الرئيس «عبدالفتاح السيسى» نفسه.

باليقين هناك حاجة ماسة لضخ استثمارات أجنبية وعربية فى شرايين الاقتصاد المصرى المتيبسة شرط أن تدخل فى سياسة عامة تدرك أولوياتها وتعمل على أن يحصل كل مواطن على حقه الدستورى العادل فى الثروة الوطنية.

هنا صلب الأزمة، فالسياسات المعلنة من فوق منصات المؤتمر الاقتصادى تبنت كامل مفردات النظام الذى أسقطه شعبه كأن أحدا لم يتعلم شيئا ولا نسى شيئا ولا غفر شيئا كـ«ملوك البوربون» فى فرنسا.

الأفدح أن «رأسمالية مبارك» أفلت عيارها، متصورة أن ما فشلت فى تحقيقه بالماضى بوسعها أن تتطلع إليه الآن.

أريد أن أقول إن أى حديث عن الاستثمار بلا سياسة اجتماعية معلنة وملزمة مغامرة بمستقبل البلد كله.

الإحباط الاجتماعى هو أخطر ما يعترض أية رهانات على تعافى الاقتصاد المصرى، فالناس مستعدة أن تتحمل بشرط عدم إنتاج السياسات ذاتها التى أفضت إلى الثورة.
هذا فوق طاقة الضمير العام على التحمل.

بعد ذلك يدخل سؤال العدالة الاجتماعية فى الملف الأمنى، فمن ضرورات كسب الحرب على الإرهاب أن يشعر كل مواطن أن هذه حربه هو وأن الانتصار فيها يفتح أمامه أبواب تحسين مستويات معيشته.

أسوأ ما قد يحدث أن تشيع روح اليأس من تحسين جودة الحياة من خدمات ودخول أو أن يكون هناك مستقبل أفضل.

وهذا يصب فى طاحونة الإرهاب وتنظيماته التكفيرية.

الجوع الكافر قرين تكفير المجتمع.

أن تكون هناك بيئة جاذبة للاستثمار وقواعد منضبطة من التى يعرفها العالم قضية والتغول على أية حقوق اجتماعية للمواطنين قضية أخرى تماما تنذر باضطرابات اجتماعية فى وقت حرج من الحرب على الإرهاب.

نعم.. هذا البلد يستحق أن يمنح أملا جديدا فى المستقبل شرط ألا يكون مراوغا وأن تتسق السياسات الاقتصادية العامة مع الحقوق الدستورية لا أطماع حفنة من رجال الأعمال المتنفذين.
إن لم تحسم الخيارات الكبرى بما يتسق مع الدستور وما نص عليه من «الحق العادل فى الثروة الوطنية» فإن أية خطوة مرشحة للتعثر وأى أمل مرشح للتصدع.

بصراحة كاملة فإن غياب العدالة الانتقالية وشل الحوار العام حولها سمح للماضى أن يطل من فوق منصات المؤتمر الاقتصادى، ورغم أنه لا يطمئن ولا يستريح للرئيس إلا أنه يحاول السطو المبكر على سياساته الاقتصادية العامة، وهذا ليس شأن المستثمرين ولا رجال الأعمال، لا هنا ولا فى أى مكان آخر بالعالم.

لا يمكن أن تتأسس سياسة اقتصادية قادرة على إلهام الروح العامة دون مراجعة للماضى وحساب مع خطاياه.

نفس المعنى ينصرف إلى السياسة وملفاتها المرتبكة.

أى تطوير ممكن لنتائج مؤتمر «شرم الشيخ» والبناء عليها يستدعى بيئة سياسية أكثر صحية.

بالتعريف فإن البيئة السياسية الصحية من متطلبات بيئة الاستثمار الجاذبة.

لا يمكن الرهان بأى قدر على أن المجلس النيابى القادم سوف يكون معبرا عن حركة المجتمع وتنوعه السياسى، وهذا مشروع اضطراب آخر ينذر بنقل التفاعلات من تحت قبة البرلمان إلى الشوارع الملتهبة، يهز الثقة العامة ويضرب فى بيئة الاستثمار. والأمر يستحق مراجعة جدية فى الوقت بدل الضائع للقوانين المنظمة للانتخابات النيابية.

ورغم العيوب الجوهرية فى الأحزاب الحالية فإن الهجوم المنهجى عليها استهدف الشرعية الدستورية التى تنص على أن نظام الحكم يقوم على التعددية السياسية والحزبية لا تقويتها ولا تصويب حركتها.

المشكلة الحقيقية أنه لم تجر أية مراجعة لإفساد الحياة السياسية على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

لم يمنح الرأى العام فرصة حقيقية فى أن يطل على حقائق إفساد الحياة السياسية والمسئولية عنها والآليات التى أتبعت وتدخلات الأمن التى جرت.

فى غياب الحقيقة وصفت الثورة بالمؤامرة ونظام «مبارك» بالضحية، لا جرت عدالة جنائية توافرت فيها الأدلة والقرائن، حيث أعدمت أو أخفيت، ولا جرت عدالة انتقالية كشفت المسكوت عنه أمام الرأى العام.

بقدر خفض منسوب الإحباط السياسى فإن التماسك الوطنى تتأكد قوته وهو ضرورى فى كل حساب.

فتح قنوات الحوار العام من أساسيات استثمار الاختراق الكبير فى مؤتمر «شرم الشيخ» لحواجز إقليمية ودولية والاندفاع به إلى أوضاع جديدة تفارق الماضى كلية.

إذا لم تتحرك السياسة لتقوم بدورها فى صناعة التوافقات العامة ومصالحة الدولة على شبابها وإنهاء هذا الملف الذى طال الحديث فيه وإرساء قواعد لعبة سياسية جديدة وفق الشرعية الدستورية فإن النتائج قد تكون وخيمة.

لا يمكن لاستقرار أن يحدث ولا لاستثمار أن ينشط ولا لدور إقليمى أن يتحرك بلا غطاء سياسى واسع ومقنع.

حركة السياسة تساعد على تطويق أزمات الضمير العام وتفتح المجال فى الوقت نفسه حقيقيا وجديا لأية أمال ممكنة فى مستقبل مختلف.