الأربعاء 13 ديسمبر 2017 7:12 م القاهرة القاهرة 18.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

القاهرة.. مدينتى وثورتنا (١٣)

نشر فى : الخميس 23 أبريل 2015 - 9:15 ص | آخر تحديث : الخميس 23 أبريل 2015 - 9:15 ص

الموجة الأولى
انقطـــــاع مؤقت (أكتوبر ٢٠١١)
الخميس ٢٨ يوليو.. العاشرة والنصف مساء
قامت الشاشة الكبيرة فى مكانها، وفرش الشباب أرض الشارع بالحُصر، وبدأ الناس فى التجمع. أذهب أنا فى جولة سريعة لأتفقد الميدان.
وأشعر بشىء مختلف؛ كان الميدان يزدان دائما بصور الشهداء، الآن هناك أيضا صورٌ للـ«مكروهين». أتأمل صور أسرة مبارك، وصور شركائهم الذين صاروا رموزا للفساد، وصور الفنانين الذين وقفوا ضد الثورة فى أيامها الأولى؛ الصور قبيحة، شائهة، على عكس صور الشهداء المبتسمة المستبشرة. البطء والتعطيل الذى يقوم به المجلس العسكرى، وعدم فاعلية القيادات القديمة، وما يسمونه «فشل» الشباب فى أن يصهروا أنفسهم فى كيان واحد واضح ــ كل هذا يدفع بروح التحرير من الشكل الإعجازى الأول إلى شكل أقل جمالا. لكن الخيام مازالت قائمة، كلها هنا فى الصينية البريئة من أى تمثال أو نصب لقائد، وكل خيمة ترفع أعلامها فوق ثوارها المجْهدين. الجو حار حتى فى هذه الساعة المتأخرة. الحديث فى أنحاء الميدان يدور حول تصورات الغد. أعيد وأكرر الكلام حول الوحدة والتوافق وكيف أن كل التيارات الوطنية قد اتفقت على أن تعمل سويا. أى كلام عن تعليق الاعتصام أو نقل الخيام إلى جانب من الميدان يُحَوَّل فى الحال إلى أُسَر الشهداء: التحرير قد اتخذ الشهداء والمصابين محورا له يرجع إليه ويلتف حوله.
تضئ شاشة «سينما التحرير» وتحيا بصور من معركة قصر النيل، ثم معركة المنصورة، ثم تسجيلات جديدة من السويس. ثم نرى تسجيلات من يوم السبت من العباسية. يحكى شاب من الجمهور كيف أنه عاد فى اليوم التالى فأخبره الناس بأن الرجال الذين صعدوا إلى الأسطح ليقذفونا بالطوب كانوا جنودا خلعوا زيهم العسكرى، وأنهم أتوا بالبلطجية وبالطوب من منطقة الوايلى المجاورة. المئات يتحلقون الشاشة، يجلسون على الأرض أو يقفون فى نصف دائرة كبيرة يشاهدون ويسمعون. يقول ناشط من قنا إن أهل بلده يجب أن يشاهدوا هذه التسجيلات، ويقول ناشط من البحيرة إن التسجيلات يجب أن تعرض هناك أيضا. الإعلام يقول للناس إن الثورة نجحت وكل شىء تمام ويجب أن تترك الأمور الآن للقيادات وللسلطة. يقولون للناس إن من يظل فى التحرير ــ من لا يهدأ ويصمت ويعود إلى حياة ما قبل يناير ــ هو خائن أو بلطجى أو ــ على أحسن تقدير ــ مغرر به، وسوف يتسبب فى سقوط مصر وانهيارها. يقول الشباب إن الإعلام يغسل مخ الناس والناس تعبت وتريد أن تصدقهم. شباب سينما التحرير يسجلون السيديهات فى الحال ويوزعونها على كل من يطلبها.
وبينما أكتب هذا يخطر على بالى أن الشباب، عمر وتامر وخالد، كان يجب أن يطلبوا التبرعات ــ ولو جنيه واحد من كل من يستطيع أن يدفع، فقد بدأت الشائعات والتشككات تروج حول «من يمول الثورة؟ » وكما كان النظام يدفع بالإجابات الكاذبة فى يناير وفبراير فاليوم يدفعها المجلس العسكرى والإعلام. علينا ألا نبدو وكأن الجنيه الذى نصرفه من جيوبنا لا يهمنا.
أجلس على الرصيف مع ليلى وأحمد سيف نشاهد الأفلام. منذ أقام الشباب هذه الشاشة وأنا ــ كلما أتيت إلى التحرير فى المساء ــ تهف علىّ ذكرى لطيفة للسينما الصيفى. فى يوم قادم قريب، بعد أن نؤَمِّن الثورة، أريدهم أن يبدأوا فى عرض الأفلام الكلاسيكية الكبيرة، الثورية طبعا، لكن المُرَكَّبة الطويلة: «معركة الجزائر» ربما، و«زِدّ»، و«الأرض». الليلة نشاهد التسجيلات، ونشاهد أيضا الباصات تصل من الأقاليم، كل باص ينزل منه ثلاثون أو أربعون رجلا، معظمهم فى الأثواب البيضاء الحاسرة والطاقية البيضاء، ومعظمهم بذقون وبدون شنب. لا يتفاعلون مع الموجودين؛ يمشون فى طوابير منتظمة ويحددون أماكن على جوانب الميدان فيرقدون فيها وينامون.
الجمعة ٢٩ يوليو صباحا
تويتر مشتعل بأخبار لافتات التيار الإسلامى ترتفع ثم تنزل، ثم بأخبار المزيد من المجموعات السلفية تصل الميدان.
تهاتفنى رباب وتقول إن السلفيين علقوا لافتاتهم وباناراتهم لكن الإخوان أقنعوهم بإنزالها ــ أى أن التنظيم المشترك يعمل جيدا.
ثم تهاتفنى ثانية لتقول لا تذهبى إلى الميدان وحدك. الإخوان بيقولوا ان الأوضاع تطورت وهم لا يستطيعون التحكم فى اللافتات أو الهتافات. تقول لا تدخلى الميدان وتعالى إلى «بينوز» فى أول محمد محمود، كلنا هناك.
يحادثنى صديق بأن السلفيين يدورون على البلاد بالـ«تكاتك» ليقولوا للناس إن هناك «أمرا جَلَلا يحدث فى التحرير» ويأتون بهم بالأتوبيسات (غدا سأسمع إن التذكرة من «أى مكان فى مصر» للتحرير كانت تباع بثلاثة جنيهات). حين أسمع شخصا يصف الناس بأنها تتحرك بالـ«تكاتك» أشعر فى الحال ــ وربما بدون وجه حق ــ بأن نظرته بالأساس طبقية.
أصِل الميدان عند انتهاء صلاة الجمعة. ألحق بصلاة الغائب، لكن الصلاة اليوم تبدو مختلفة. لا أعرف كيف أصف هذا بالضبط لكنه شعور بأن ما يحدث طقس عملى وظيفى غير الصلاة الرومانسية الروحانية التى اعتدناها فى الميدان. أدخل التحرير من شارع محمد محمود. أمر بجانب «بينوز» لكننى أختار أن أقذف بنفسى إلى الميدان. هذا بيتى ولا أحتاج لمن يحمينى وأنا فيه.

التعليقات