الأربعاء 21 نوفمبر 2018 4:53 ص القاهرة القاهرة 19.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

بين لبنان الطوائف وإيران الثورة الإسلامية

نشر فى : الثلاثاء 23 يونيو 2009 - 8:51 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 يونيو 2009 - 8:51 م

 يعيش المواطن العربى، فى مختلف ديار وطنه الكبير، حالة من الاضطراب النفسى والقلق الفكرى وهو يتابع النقاش المفتوح حول الانتخابات النيابية المبهرة فى «ديمقراطيتها» فى لبنان، وبعدها مباشرة حول «فنون التزوير» فى الانتخابات الرئاسية فى إيران والتى تسببت فى أزمة سياسية خطيرة تتهدد نظام الثورة الإسلامية فى استقراره أو ــ أقله ــ فى صحة تمثيله الأكثرية الساحقة من شعبه، والتى لم تكن فى أى يوم موضع نقاش.

المشكلة أن هذا المواطن العربى، وفى مختلف دياره مشرقا ومغربا، لا يملك معيارا أو جهازا للقياس يساعده فى إصدار الحكم النزيه ويأخذ بيده وهو يحاول أن يتبين الصح من الغلط والمزور من السليم، لأنه لم يتعرف إلى الانتخابات كفعل ديمقراطى بعد.

هو يعرف «الاستفتاءات» فقط.. وفى الاستفتاء الرسمى عليك أن تقول: «نعم، نعم»، فإذا ما أخذك الشطط أو الرغبة فى التميز إلى قول: «لا» تدخل أولو الأمر، بحرصهم على سلامتك وحسن اختيارك فصححوا غلطتك المتسرعة وحولوا لاءك إلى نعم لتظل مخلصا للقاعدة الذهبية المعروفة: «ما قال لا قط إلا فى تشهده»!

فأما فى لبنان، حيث تدفقت الشهادات الدولية والعربية، رئاسية وملكية وأميرية، بالإنجليزية والفرنسية والعبرية (حتى لا ننسى الإشادات الإسرائيلية المتكررة) فضلا عن الفصحى والعاميات المختلفة بحسب الجهات وعشائرها وبطونها والأفخاذ، فإن المواطنين ــ الناخبين لم يروا فى الانتخابات النيابية التى خاضوا غمارها وكأنها حرب كونية فى السابع من (يونيو) الماضى ما يستحق كل هذه الإشادة والتنويه، التى وصلت إلى حد اعتبارها النموذج الفذ فى الممارسة الديمقراطية، والمثل الأعلى فى توكيد الإرادة الشعبية عبر أقلام الاقتراع.

فهذه الانتخابات بقانونها الأشوه كما بنتائجها التى لم تكن «انقلابا» ولا هى كانت ثورة أو «انتصارا بهيا للديمقراطية» كما وصفها بعض الخارج، بينما تواضع من فى الداخل فاكتفوا باعتبارها تزكية لاستمرارهم على رأس السلطة، هى فى لبنان موضع جدل جدى: هل تقدمت بهم خطوة على طريق الديمقراطية أم تراجعت بهم أميالا (وأجيالا) عن بلوغ تلك الأمنية التى تظل ــ عربيا ــ فى مدى الاستحالة؟!
ذلك أن هذه الانتخابات هى أقرب إلى الاستفتاءات الطائفية والمذهبية. فقانونها المستعاد من العام 1960 يحول «المواطنين» المفترضين إلى رعايا لطوائفهم ومذاهبهم: يذهب واحدهم ليقترع لمرشح أو مرشحين من طائفته أو مذهبه حصرا.. ونظرا لأن الناخبين المسيحيين قد تناقصوا بمعدلات دراماتيكية فإن القانون يعطيهم نصف المقاعد حرصا على «الوحدة الوطنية».

(2)
وهكذا يمكنك أن تجد نائبا قد فاز بمائة ألف صوت وآخر فاز بعشرين ألفا. كما أن تقسيم الدوائر، مع الحرص على التوازنات الطائفية والمذهبية قد أتاح لنائب أقوى أن يفوز بعشرات آلاف الأصوات لناخبين لم يعرفوه ولم يسمعوا باسمه، لكن «اللائحة» وفرت له «اكتساح» الموقف فى منطقة لم يتجول فيها حتى كسائح!

ثم إن هذه الانتخابات قد صنفت معركة مواجهة عربية ــ دولية حاسمة مع «محور الشر»، فتضافرت فيها الجهود الأمريكية (والإسرائيلية ضمنا) والغربية والعربية لمواجهة «المعارضة» بقيادة «حزب الله» وحلفائه. وبالتالى فهى اعتبرت معركة حفظ «الهوية العربية» للبنان، على حد ما قال البطريرك المارونى الذى لم تعرف عنه الحماسة للعروبة، فى مقابل محاولات الهيمنة عليه التى تقودها إيران بالتحالف مع سوريا!

ولأنها معركة مصيرية حاسمة فلم يكن ثمة ما يمنع من أن ترمى فيها مئات الملايين من الدولارات دعما للهوية العربية وتأمينا لفوز الطوائفيين والمذهبيين بوصفهم الأعظم التزاما بمبادئ الديمقراطية!

******

أما فى إيران التى قدمت ومنذ ثلاثين عاما نموذجا فريدا عن إمكان التآلف بين الثورة الإسلامية والنظام الديمقراطى، فقد تحولت الانتخابات الرئاسية فيها إلى «حرب كونية» : انتظمت الممالك والإمبراطوريات والإمارات والدوقيات العربية التى لم تعرف أى منها معنى الانتخابات، فى جبهة متراصة تحمى مؤخرتها إسرائيل، وتقدم لها أوروبا الغربية الدعم اللوجستى ( أشرطة مهربة ومعلومات مضخمة وأخبارا مغلوطة وتصريحات مقطعة) للتشهير بالنظام الأوتوقراطى ــ الثيوقراطى الذى لا يحترم إرادة شعبه!

وفى حين ظلت الإدارة الأمريكية متحفظة فى رد فعلها، «تنصح» وتحاول إبعاد تعليقاتها عن صيغة الأمر مراعاة لحساسية الشعب الإيرانى ورفضه أى تدخل خارجى فى شئونه الداخلية، فقد تبرع أمراء الكتابة فى الصحف والفضائيات العربية بأن يقدموا النصح للنظام الإيرانى بأن «يعترف» بأنه قد ارتكب جريمة تزوير الانتخابات، وبأن ينزع الشرعية عن الرئيس المنتخب ويعيد تنظيم انتخابات رئاسية جديدة معلنا سلفا أن «المعارضة» ستكسبها.. علما أن «المعارضة» فى إيران هى الوجه الآخر للنظام، وهى من صلبه وليست طارئة عليه ولا هى مخاصمة أو معادية، تجاهر برفضها لإملاءات الغرب على إيران، وتقاتل من أجل امتلاك الطاقة النووية باعتبارها الطريق إلى التقدم بقفزات واسعة نحو العصر، وفك الحصار الغربى عن النظام الإسلامى وتمكين إيران من لعب دور عالمى يتناسب مع قدراتها.

بالمقابل، فإن إسرائيل التى تعادى الثورة الإسلامية فى إيران منذ يومها الأول قد تولت قيادة الهجوم، وانطلق أركان الحكم فيها يحرضون «العرب» بشكل خاص ضد هذا «النظام الدكتاتورى المجافى للعصر، قامع الحريات»، متجاهلة أن كلامها يرتد على أصدقائها من حكام العرب.

(3)
ومن باب تنشيط الذاكرة فحسب أستعيد بعض الوقائع التى عشتها مباشرة فى طهران، خلال زياراتى الأولى بعد الثورة الإسلامية ولقاءاتى مع بعض أبرز قادتها، وعلى رأسهم القائد المؤسس آية الله روح الله الموسوى الخمينى: كانت السفارة الإسرائيلية فى طهران عبارة عن حى كامل فى العاصمة الإمبراطورية. مجموعة من المبانى خلف سور حصين كالقلعة، يعمل فيها أكثر من خمسمائة إسرائيلى يتمتعون جميعا بالحصانة الدبلوماسية. وكان ثمة آلاف من الإسرائيليين يعملون كخبراء فى فروع القوات المسلحة جميعا، الطيران أساسا والبحرية وسلاح البر والمخابرات.

كان الإسرائيليون فى كل مكان، وهم استفادوا من اليهود الإيرانيين الذين كانت إسرائيل قد استقدمتهم إلى كيانها، بعد احتلال فلسطين، للإفادة من معرفتهم العميقة «ببلادهم» و«شعبها» المتدين إلى أقصى الحدود.

ولقد شهدنا عيدا شعبيا حقيقيا حين قرر النظام الإسلامى طرد البعثة الدبلوماسية والخبراء الإسرائيليين، وتقديم السفارة الإسرائيلية ــ القلعة هدية إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

وحتى بعد أن شن صدام حسين بتحريض أمريكى معلن وبدعم «عربى» غير محدود حربه على نظام الثورة الإسلامية فى إيران فى العام 1980 وقبل أن تكمل عامها الأول، وهى الحرب التى دمرت البلدين وذهب ضحيتها أكثر من مليونى قتيل فضلا عن ملايين الجرحى والمعاقين، فإن التزام الإيرانيين قضية فلسطين ظل صلبا واستمروا فى تأييدها بكل الوسائل المتاحة.

وواضح أن معظم الذين يشنون الحملات الشرسة على هذا النظام لا يعرفون أو لا يقدرون عمق التزام الإيرانيين بدينهم، فضلا عن اعتدادهم بإيرانيتهم، حتى لو اعتبر هذا الاعتداد نوعا من الرجوع إلى الفارسية.

إنهم بمعنى ما، قريبون من المصريين الذين لا يلغى عميق تدينهم الإسلامى وإحساسهم بالانتماء العربى من اعتزازهم بالحقبة الفرعونية من تاريخهم، مع الفارق: فالفرس عرق وقومية وهوية وطنية وليس مجرد اعتزاز بالماضى البعيد الذى ليس له أى تأثير على الحاضر.

لكن الإسلام قد جب العنصرية، ثم إنه فتح أمام إيران أبواب الدور الاستثنائى بالغ الأهمية.. خصوصا فى غياب المسلمين عموما، بل غيبوبتهم، والعرب فى الطليعة.

******
ونعود إلى الديمقراطية والانتخابات..
ليس تعسفا أن نقول إن الانتخابات النيابية التى جرت مؤخرا فى لبنان إنما تؤسس لحروب أهلية جديدة.. وبالديمقراطية الطوائفية هذه المرة!

(4)
لقد ذهب أتباع كل طائفة أو مذهب إلى الاقتراع فى طوابير ينظرون بعيون الريبة والشك إلى إخوانهم الأعداء الذاهبين مثلهم لاختيار الأقدر على المواجهة فى الشارع، وليس فى مجال الرأى والإبداع والتقدم العلمى.

والنتيجة كما حددها التوصيف الدولى: انتصار للغرب.

يمكن بالطبع إضافة إسرائيل إلى موكب المحتفلين بهذا الانتصار، فالطائفية والمذهبية وكل ما يقسم بل يفتت المجتمعات العربية ويعيدها إلى مكوناتها الأولى إنما يخدم إسرائيل ودعاويها بأنها «دولة اليهود» فى العالم.

وهكذا ففى لبنان الآن مشروعات دويلات للسنة والشيعة والموارنة والدروز والكاثوليك والأرثوذكس وربما الأرمن.. وهذا ليس انتصارا للديمقراطية وحقوق الإنسان، بأى معيار!

أما فى إيران فثمة اضطراب داخل النظام الإسلامى بقيادة المرشد ــ ولى الفقيه، الذى قدم على امتداد الثلاثين سنة الماضية، نموذجا فريدا لنظام دينى لكنه ليس دكتاتوريا. وأبسط دليل، عبر المعركة الرئاسية الأخيرة، أن أزمة النظام خرجت إلى العلن، وعلى لسان قائده.

لقد ضاق ثوب الالتزام الدينى الصارم على الأجيال الجديدة فى إيران.
وبين الطموحات العظمى لدى الدولة بأن تحقق لنفسها مكانة دولية ممتازة، والطموحات الطبيعية والمشروعة للأجيال الجديدة فى إيران، التى ترى أن من حقها أن تعيش بقدر من الرفاه وأن أمامها هامشا للتعبير عن آرائها، وهى غير معادية للنظام الإسلامى، وقع هذا التناقض الذى رأينا صوره فى الشارع فى المواجهة بين الإسلاميين.

وباختصار، فإن الانتخابات النيابية فى لبنان كانت مفاضلة بين وحدة الشعب والوطن والدولة وبين استقلال كل طائفة عن الأخرى إلى حد الافتراق، سلما أو حربا،
أما الانتخابات الرئاسية فى إيران فكانت امتحانا لقدرة النظام الإسلامى القائم فيها بالثورة على تلبية مطالب شعبه الذى لم ينقلب عليه، بل طالبه ــ ولعله حرضه ــ على أن يفتح الأبواب والنوافذ وأن يكافئ صموده خلفه بمزيد من الإنجازات الداخلية ولو على حساب مقتضيات الدولة العظمى!

إننا أمام تجربتين مختلفتين تماما: إحداهما تمثل ثورة طائفية مضادة، والأخرى يمكن أن تكون ثورة فى قلب الثورة من أجل إيران الثورة الإسلامية مع مزيد من الديمقراطية التى يستحقها الشعب الذى لم يتخل عنها ذاهبا إلى نقيضها الغربى أو إلى عدوها الإسرائيلى.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات