السبت 22 سبتمبر 2018 12:05 م القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

جيوش الجهل الزاحفة

نشر فى : الإثنين 23 يوليو 2012 - 9:50 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 يوليو 2012 - 9:50 ص

«لن يتركونى أبدا».. كانت عبارته قاطعة وهو يتوقع أن يلاحقوه حتى الموت «قتيلا أو سجينا أو مدفونا فى مقبرة مجهولة». بدت الكلمات ثقيلة على الابن الصبى «خالد» وهو يستمع إليها ذات مساء من عام ( ١٩٦٩) عند ذروة حرب الاستنزاف.

 

فى الكلام إدراك لطبيعة الدور الذى يلعبه والحرب التى يخوضها، وأن القضية تتجاوز معارك السلاح إلى حسابات المستقبل، وأن التخلص منه يدخل فى صميم الصراع على القوة والنفوذ فى المنطقة كلها.. وفى الكلام ظلال تقارير ربما يكون قد قرأها فى هذا اليوم عن محاولات جديدة لاغتياله.

 

«لن يتركونى أبدا»: النبوءة تجاوزت شخصه إلى قضيته وحقائقها غلبت وسائلها، لم يمت قتيلا أو سجينا أو مدفونا فى مقبرة مجهولة. هناك شبهات فى أنهم وصلوا إليه بـ«السم»، ولكنها غير مؤكدة ولا دليل قاطع عليها. كانت جنازته الأكبر فى التاريخ الإنسانى، وهى بذاتها حدث استثنائى بحجمها القاهرى الذى تجاوز الخمسة ملايين وامتدادها إلى جميع المدن والقرى المصرية والعربية على حد سواء فى مظاهرة حزن واحدة.

 

نبوءته تحققت ولكن بطرق غير التى توقعها فى هذا المساء البعيد. الملاحقة للفكرة لا للرجل للمستقبل لا للماضى. لتكن «يوليو» آخر الثورات وليكن «ناصر» آخر القادة الكبار.

 

هذه الملاحقة حكمت السياسات والتصرفات الرسمية، وشاركت فيها أطراف إقليمية ودولية على مدى أكثر من أربعة عقود شهدت حملات محمومة لإلغاء ثورة يوليو فى الذاكرة الوطنية ونفى «جمال عبدالناصر» من الوجدان العام. ورغم ضراوة الملاحقة وحملاتها بقيت يوليو فى الذاكرة بأحلامها التى أجهضت وقيمها التى أهدرت ومعاركها التى جرت.

 

الحقائق تنتصر فى النهاية.. ويوليو احدى الحقائق المصرية الكبيرة على مسارح السياسة الملتهبة فى القرن العشرين.

 

ثورة يوليو بنت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.. كانت مصر تموج بتيارات فكرية وسياسية جديدة ونداءات الاستقلال تدعو لحمل السلاح فى منطقة القناة ضد قوات الاحتلال البريطانى.

 

فى تلك الأيام أدرك «الضباط الأحرار» العائدون من ميادين القتال فى فلسطين أن التغيير يبدأ من القاهرة، وشرعوا فى تدريب المتطوعين على حمل السلاح وفنون القتال.

 

فكرة «الضباط الأحرار» أخذت معناها الحقيقى تحت وهج نيران حرب فلسطين، وقد كتب الصاغ «جمال عبدالناصر» بخط يده فى مذكراته الشخصية أثناء هذه الحرب: «لقد فقدنا ثقتنا فى قيادتنا وفى حكام البلاد»، كتبها وهو لا يعرف ما قد يحدث له غدا، أن يعود أو لا يعود إلى القاهرة، فقد يستشهد هنا. الجملة فى توقيتها تعبر عن ميلاد ثورة فى قلب رجل. جملة منيرة بطريقة مذهلة، فأنت أمام مقاتل شاب فى الثلاثين من عمره يسجل فى دفتر شخصى أفكاره وملاحظاته عن وقائع تلك الحرب برؤية نافذة ويسجل تجربته مع الموت دون إدعاء شجاعة أو نسب بطولة. من يقرأ مذكراته فى حرب فلسطين بخط يده يدرك أن لا شىء يولد من فراغ. هناك فكرتان جوهريتان لازمتاه فى سنوات الصعود الكبير من الفالوجا فى حرب فلسطين (١٩٤٨) إلى تأميم قناة السويس (١٩٥٦) إلى الوحدة عام (١٩٥٨) هما: وحدة المصير وحتمية الثورة. انتصر وانهزم.. تقدم وتراجع، ولكنه كان يعبر عن شىء حقيقى وجوهرى، شىء له صلة بالهوية والتاريخ وأحلام الفقراء. كان يصدق نفسه وكان شعبه يصدقه. اختلف معه كما تشاء، ولكنك أمام حقيقة كبرى فى التاريخ المصرى. وهى حقيقة دعت الشاعر الكبير «صلاح عبدالصبور» إلى أن يشبهه عند رحيله بالأنبياء والقديسين بعد أن كان قد وصفه فى أعقاب أزمة مارس (١٩٥٤) بـ«الوجه الكئيب». إنها التجربه والإنجاز.

 

هناك فارق هائل بين الاختلاف والحق فيه والجهل والإمعان داخله، وأكثر ما يسىء للذاكرة الوطنية هو «إدمان الأكاذيب والإعراض عن الحقائق». لا شىء مقدس فى التاريخ أو يستعصى على النقد، لكن هناك فارق كبير بين نقد من يلم بموضوعه ويدرس وثائقه ويسعى لاستخلاص الدروس والعبر حتى لا تتكرر الأخطاء مرة أخرى وبين تصفية الحسابات والهدم عن جهل متعمد، يعرض عن الحقائق وتستغرقه الأكاذيب، ولا يسعى إلى أن نعرف معه: كيف انتصرنا حين انتصرنا؟ ولماذا هزمنا حين هزمنا؟

 

 «عبدالناصر» كان عظيم المجد والأخطاء كما وصفه الجواهرى، شاعر العراق الأكبر.

 

 تعرضت يوليو لنكسة كبرى شرخت شرعيتها بفداحة فى يونيو (١٩٦٧)، ولولا أن الشعب المصرى خرج فى حدث استثنائى يومى (٩) و(١٠) يونيو يعلن المقاومة لإزالة آثار العدوان ويتمسك بـ«جمال عبدالناصر» لكانت انهارت يوليو كاملة فى هذا اليوم. الوطنية المصرية تصدرت المشهد يومها لتملأ شروخ الشرعية. خاضت مصر حرب استنزاف طويلة كانت هى بروفة حرب أكتوبر (١٩٧٣). فى ميادين القتال ولد جيل جديد، أجل حياته بالكامل، وعندما عاد متصورا أنه صانع النصر وجد أن آخرين ممن أطلق عليهم وقتها «القطط السمان» سبقوه إلى حصد جوائزه كلها. تناقضت المشاهد وبدا أن مصر مقبلة على مرحلة جديدة فى تاريخها عنوانها الكبير: «القطيعة مع يوليو». كانت المقدمات واضحة فى مفاوضات فك الاشتباك ومناوشات إعلامية وصلت بعد أحداث مايو (١٩٧١)، التى وصفها «السادات» بــ«ثورة التصحيح»، إلى أوسع عملية تشهير بثورة يوليو وقائدها «جمال عبدالناصر»، وهى حملة لم تستثن تأميم قناة السويس وبناء السد العالى، ولا بناء آلاف المصانع والمدارس والوحدات الصحية، ولا حقوق العمال وقوانين الإصلاح الزراعى، ولا الصراع على المنطقة والدور المصرى القيادى فيها، ولا دور مصر فى تحرير أفريقيا وزعامة العالم الثالث. كل شىء أنجزته الثورة استبيح بالكامل، وتولت صحف عربية تصدر فى لندن قيادة الحملة واكبها صحفيون كبار هنا فى مصر. الوثائق حاضرة ولا بد من نشرها ذات يوم قريب. رعت السلطة الجديدة أوسع حملة تشهير فى التاريخ وصلت إلى التشكيك فى ذمة «جمال عبدالناصر». فشلت الحملة حلقة بعد أخرى، وتولت أجيال من كبار الصحفيين والمفكرين الوطنيين الرد والتفنيد وفى مقدمتهم الأستاذ والأب «محمد عودة».

 

ذات مرة سألنى الأستاذ «محمد حسنين هيكل»: «فى رأيك ما أهم كتاب ألفته؟».. أجبته على الفور: «مجموعة حرب الثلاثين سنة». قال: « قد يكون ذلك صحيحا، ولكن «لمصر لا لعبدالناصر» هو ما أفخر به وأعتز». كانت قضية ذاكرة وطنية وقضية مستقبل فى الوقت نفسه.

 

لم يكن الصراع فى فراغ أو فى «السر» حتى يتسنى لأحد اليوم أن ينكر وقائعه ويتحدث بثقة العالم عن «الستين سنة» كأنها حقبة واحدة ممتدة.

 

هناك من يقول إن ثورة يوليو انتهت فى (٥) يونيو، وهذا كلام يعوزه المنطق ويناقضه مسار الأحداث بعده، فأفضل أيام «جمال عبدالناصر» هى أيام حرب الاستنزاف والقتال من جديد بأجيال تلقت تعليمها المجانى والمتقدم معا فى الجامعات المصرية، وقد سعى وقتها لردم الفجوة مع الأجيال الجديدة قائلا: «عندما تتعارض الثورة مع شبابها فإن الثورة على خطأ».

 

وهناك من يقول إن يوليو انتهت بوفاة «جمال عبدالناصر» وهذا تصور قاصر بدوره، فالثورات لا تنتهى برحيل قادتها، بل لأخطاء فادحة فى بنيتها أو استنفاد طاقتها التاريخية على التأثير والفعل.

 

وهناك من يقول إنها انتهت بانقلاب (١٥) مايو (١٩٧١) والإطاحة برجال «جمال عبدالناصر» فى السلطة، فالمؤكد أن الثورة استمرت حتى يوم (٦) أكتوبر (١٩٧٣)، فالجيش الذى حارب هو جيش «عبدالناصر» بتدريباته وخططه وقادته الميدانيين، وكانت هذه آخر معارك يوليو الكبرى.

 

 وهناك من يقول، وكلامه أدق، أن القطيعة الكبرى مع يوليو كرسها قانون الانفتاح الاقتصادى فى عام (١٩٧٤) الذى بدأت معه عملية التغيير العكسية لثورة يوليو. كان الانقلاب عميقا واستدعى ردة فعل عليه بالعمق ذاته. خرجت مظاهرات عمالية من مصانع الحديد والصلب فى حلوان، والغزل والنسيج فى المحلة وكفر الدوار، هتفت ضد السادات ورفعت صور رئيس آخر كان قد رحل منذ خمس سنوات. لم يكن الهتاف مع رئيس ضد آخر، بل مع سياسة ضد أخرى. كان كل منهما يتبع سياسة مختلفة، ويعبر عن قوى اجتماعية متناقضة، وهذا هو الفارق بين الثورة والثورة المضادة، دون ادعاء أو تزيد. ثورة يوليو شىء آخر و«جمال عبدالناصر» رجل مختلف.

 

فى يناير عام (١٩٧٧) تصاعدت الاحتجاجات ضد السياسات الاجتماعية الجديدة إلى انتفاضة شعبية كادت تطيح الرئيس، وقد عبرت عن غضبها فى هتاف شهير تردد أمام ضريح «عبدالناصر» يدعوه إلى أن يقم من رقدته ويرى ما يفعله «السادات» بمصر.

 

إنها السياسات المتناقضة فى هتافات الملايين الغاضبة.

 

فى العام نفسه زار «السادات» القدس، وبدا أن ذلك هروبا للأمام، ودخلت مصر فى قطيعة أفدح مع ثورة يوليو بالسلام مع إسرائيل والتخلى عن دورها العربى، وخاض إعلامها الرسمى وصلات سب وشتم فى العرب والعروبة وفلسطين والفلسطينيين و«جمال عبدالناصر» ومغامراته التى «خربت مصر» على حد قول الرئيس المخلوع فى حوار على مائدة إفطار مع الرئيس الإيرانى السابق «محمد خاتمى».. وقد نشرت نص تصريح «مبارك» فى حينه وقلت نصا: «إنه لا يدرك قيمة البلد الذى يحكمه».

 

التوجهات إذن تناقضت فى قضيتى الاستقلال الوطنى والعدالة الاجتماعية. التراجع كان فادحا فى الأولى وكان مدمرا فى الثانية. ظهرت طبقة جديدة تحالفت مع التوكيلات الأجنبية، وبدأ عصر الصناعات الوطنية يزوى، والكلام عن حقوق العاملين للاستهلاك المحلى، تحولت الحقوق المؤكدة إلى منح وعطايا، واستحال العاملون إلى أصحاب احتياجات و«مستحقى دعم».

 

بمضى الوقت واستطراد السياسات من «السادات» إلى «مبارك» وتحول الأخير إلى جمود فى الفكر والخيال مع انسحاق أكبر أمام ما تريده السياسات الأمريكية فى المنطقة تحولت مصر إلى عزبة تملكها أسرة الرئيس وتسعى إلى توريثها.

 

أكثر ما يهدد المستقبل الوطنى تلك المعالجات التى تدمج الستين سنة فى مرحلة واحدة وتخلط على نحو فادح بين ما لا يختلط، بين يوليو والانقلاب عليها، بين «عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك» كأنهم مرحلة واحدة!

 

إنها «جيوش الجهل الزاحفة».