الأربعاء 19 سبتمبر 2018 3:58 م القاهرة القاهرة 36.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

الرهان على السيسى: تساؤلات وسيناريوهات

نشر فى : الإثنين 23 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

سؤال الفريق أول «عبدالفتاح السيسى»: «يترشح أو لا يترشح لرئاسة الجمهورية؟» ضاغط وملح على رأى عام قلق يرى فيه ضمانة أمن واستقرار تحفظ للدولة سلامتها وقدرتها على استعادة عافيتها.. لكنه يمانع فى الضغوط التى يتعرض لها فمكانه «فى رئاسة الجيش لا رئاسة الدولة» على ما يؤكد.

الرهان على «السيسى» تساؤلاته تتضاغط وسيناريوهاته تتضارب، فرئاسته تختلف طبيعتها عن أية رئاسة أخرى وعزوفه عن الترشح له تداعياته فى بنية الدولة وصورة المستقبل.

بعبارة واحدة: ترشحه مشكلة وعدم ترشحه مشكلة أكبر وأكثر تعقيدا من أى تصور.

سؤال الجيش ومستقبله يتصدر بطبيعة موقعه تفكيره وطموحه.. ففى اعتقاده أن أفضل ما ينسب للمشير «حسين طنطاوى»، رغم سوء إدارة المرحلة الانتقالية الأولى، أنه تمكن من الحفاظ على الجيش وتماسكه وإبعاد أشباح الخطر عن ثكناته فى ظروف عاصفة.. وبحسب معلومات موثوقة فإنه فكر أن يدرج فى نص خطابه الذى ألقاه يوم (٣) يوليو إشارة تحية إلى المشير والمجلس العسكرى الذى كان عضوا فيه، لكنه استبعدها خشية خلط الصور وإرباك التصورات.

فى نهايات «المجلس العسكرى» أقلقته الصورة السلبية التى كان عليها الجيش ونالت من روحه المعنوية بفداحة.. وكان سؤاله لمحدثيه: «هل هناك فرصة لتصحيح صورة الجيش فى مدى منظور؟».

كانت الإجابات محبطة فقد تحلل المجلس العسكرى من الداخل ودبت الشيخوخة فيه وبدا محتاجا إلى ضخ دم جديد فى الشرايين المتيبسة على ما دعا الفريق «عبدالعزيز سيف الدين» قائد الدفاع الجوى فى ذلك الوقت.. وكان «السيسى» المرشح الأول لخلافة المشير على مقعده، لكن جرت محاولات عبر وسائل إعلام لتصفيته معنويا وسياسيا قبل أن يبزغ نجمه تمكن من تجاوزها أخطرها أنه «إخوانى كامن». صدقت جماعة الإخوان المسلمين ادعاءات منافسيه وراهنوا عليه، فهو شديد التدين لكنه فى الوقت نفسه ناصرى النزعة.. ركزت على الشق الأول وغضت الطرف عن الشق الثانى!

كما لم تلتفت إلى دلالة اعتراضه على طلب رجلها القوى «خيرت الشاطر» قبل أن يصل «محمد مرسى» إلى الرئاسة بدخول منتسبى الجماعة للكليات العسكرية قائلا: «لن يحدث ذلك»، على ما استمعت منه عندما كان رئيسا للمخابرات الحربية، بعد يومين من لقاء «الشاطر».

حافظ على التعهد ذاته عندما أصبح وزيرا للدفاع على عهد «مرسى»، حاول بقدر ما يستطيع إعادة الجيش إلى مهامه الأصلية وتأكيد تماسكه وإبعاده عن المجال السياسى، لكنه وجد نفسه فى وضع اضطرارى عائدا مرة أخرى للميادين المفتوحة فى (٣) يوليو انحيازا للإرادة الشعبية ومنعا لاحتراب أهلى محتمل وانهيار شبه كامل فى الأمن القومى.

رهانه الأساسى: عودة القوات المسلحة فى أقرب وقت إلى أدوارها الأصلية وحجب مخاطر التسييس عن الثكنات.. وهو رهان تعترضه تساؤلات وسيناريوهات.. فوجوده على رأس القوات المسلحة بعد المرحلة الانتقالية وانتخاب رئاسة جديدة يستدعى بلغة الحقائق، بغض النظر عن الرجال، صداما مكتوما بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية.. وللصدامات المكتومة تداعياتها السلبية على سلامة الأداء العام للدولة. وفى سيناريو محتمل فإن الحرب على الإرهاب قد تمتد لوقت إضافى بما يتطلب أدوارا للجيش فى حفظ الأمن الداخلى، وهذا يسحب من نفوذ الرئيس ويقوى دور قائد الجيش ويثير حساسيات وإشكاليات فى بنية نظام الحكم قد تفضى نتائجها إلى إقالة «السيسى» من على مقعده فى وزارة الدفاع باستخدام الصلاحيات الرئاسية.. وإذا ما نص الدستور على ضرورة موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عند تعيين وزير دفاع جديد فهذا النص لا يحصن الوزير الحالى بقدر ما يضفى على المجلس الأعلى سلطة الفيتو فى شأن من يليه على منصبه.. وبالشعبية التى حازها «عبدالفتاح السيسى»، وصورة «المنقذ» التى اكتسبها عند قطاعات غالبة فى الرأى العام فمن المحتمل إطاحة الرئيس نفسه عن طريق البرلمان مدعوما من الشارع والجيش معا، وهذا سيناريو لم يعد يحتمله بلد عانى على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات انهيارات فى بنية الدولة والاقتصاد والأمن ويتلمس طريقه بصعوبة بالغة لتأسيس قواعد لعبة سياسية جديدة.

من هذه الزاوية فربما الأسلم أن يصعد الرجل القوى إلى قمة السلطة حتى تتسق الحقائق وأن يضمن من موقعه الرئاسى إبعاد الجيش عن السياسة والتدخل فى شئونها.

فى حالة عدم ترشحه طرأت أفكارا جديدة من مقربيه يجرى تداولها بلا ضجيج حولها، تقديرا لدوره الكبير فى تحول (٣٠) يونيو، أن يقدم بنفسه على الاستقالة من موقعه كوزير للدفاع قبل تنصيب رئيس جديد، وألا يكرر الخطأ الذى وقع فيه المشير.. وهذه مسألة معقدة تتجاوز شخصه إلى مؤسسته التى لن تقبل استقالته فضلا عن أن شعبه قد يخرج رافضا باعتقاد أن وجوده على رأس الجيش عنصر ردع لأى رئيس قادم من أن يستهتر بالمصالح العامة.

سؤال الدولة يعترض بدوره تفكيره وطموحه، فهناك ولاءات له فى بنية مؤسساتها العامة، نشأت بالتدريج على خفوت قبل (٣) يوليو باعتباره رمزا للمؤسسة العسكرية التى عولت عليها رهانات منع سيناريو «التمكين» من أن يمضى إلى آخره، ثم بالعلن بعد إطاحة «مرسى». بشكل لافت استعادت الدولة شيئا من عافيتها فى وقت قياسى والولاءات امتدت من المؤسسات العسكرية والأمنية داخلة فيها أجهزة المعلومات والاستخبارات إلى صناع القرار السياسى والجهاز الحكومى كله رغم أنه من الناحية الرسمية نائب أول لرئيس الوزراء وفوقه برتوكوليا شخصيات أخرى لكنها حقائق موازين القوى.. والمشكلة الرئيسية فى حالة عدم ترشحه للمنصب الرئاسى أن ازدواج الولاءات فى بنية النظام الجديد بين رئاسة الدولة ورئاسة الجيش يفضى عمليا إلى دولة برأسين، وهذا مشروع صدام محتمل آخر. ترشح «السيسى» للرئاسة يحجب مشروع تقاسم السلطة ما بين الرئاسة والجيش وفق السيناريو الباكستانى الذى لا يتسق مع العقيدة الوطنية للجيش المصرى.

فى حالة عدم ترشحه، وهو الأرجح حتى الآن، فإن ثلاثة قيادات عسكرية تطمح فى التقدم للمنصب الرئاسى.. هم الفريق «أحمد شفيق» قائد سلاح الطيران الأسبق والفريق «سامى عنان» رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق واللواء «مراد موافى» رئيس المخابرات العامة الأسبق.. وكمائن الخطر ماثلة أمام الجنرالات الثلاثة، فالأول مشروع اضطراب داخلى يعيد توزيع القوى السياسية مرة أخرى بصورة تدعو إلى تغيير تال فى بنية السلطة على نحو متسارع، وهذا آخر ما تحتاجه مصر المنهكة.. والثانى مشروع اضطراب من نوع آخر يفتح ملفات المجلس العسكرى ومسئوليته فى تسليم البلد للإخوان المسلمين والأخطاء الفادحة التى ارتكبها فى إدارة المرحلة الانتقالية، والملفات الملغمة بالطريقة التى قد تفتح بها تفضى إلى إساءات للجيش، وهذا آخر ما يطلبه فى ذروة شعبيته.. والثالث مشروع طموح شخصى، من حقه بطبائع الأمور، لكنه لا يستند إلى تاريخ يزكيه عند الرأى العام والترشح ذاته يربك المشهد فى تساؤلات حول ما إذا كان هو مرشح الجيش أم لا، والحقيقة أن «السيسى» لن يدعم مرشحا عسكريا للرئاسة وتعقيدات علاقاته بالجنرالات الثلاثة لا تشجع.. فضلا عن أن صعود جنرال للرئاسة يدفعه لتدخل مباشر فى شئون القوات المسلحة والصدام فى هذه الحالة مستعجل ومبكر.

يتبقى بعد ذلك ثلاثة أسئلة إضافية، أولها يتعلق بالفراغ السياسى الذى ترتب على انهيار مزدوج ومتزامن لجماعة الإخوان المسلمين وجبهة الإنقاذ، الجماعة على مشانق أخطائها التى أفضت إلى فجوات كراهية مع مجتمعها والإنقاذ على حافة عجزها عن أن توفر تصورات وتقود توافقات. فى مثل هذه الأجواء تذهب الرهانات للرجال لا البرامج.. للصفات الشخصية قبل التصورات السياسية.. لرمزية الجيش بديلا عن صراعات السياسيين.

الرهان على «السيسى» أقرب إلى إعلان شعبى مدو بفراغ سياسى كبير.. وتعبيرا عن حالة قلق على صورة المستقبل. وهو فى هذه اللحظة الأكثر شعبية، والمرشحون المحتملون الآخرون أعلنوا واحدا تلو الآخر أنهم لن يترشحوا أمامه إذا ما قرر أن يترشح.. وحزب «النور» السلفى تومئ تصريحاته إلى احتمالات دعمه لاعتبارات براجماتية فى الرهان على الجواد الرابح أملا فى وراثة دور الإخوان المسلمين، والمرشحون الإسلاميون المحتملون أقرب إلى من يقطعون تذاكر سفر فى قطار يعرفون مقدما أنه لن يصل بهم إلى محطته الأخيرة.

المعنى أنه مرشح شبه إجماع وطنى.

فى حال عدم ترشح «السيسى» يتبقى «حمدين صباحى» اسما مرجحا للفوز فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. وبشكل أو آخر فإنهما الأقرب من حيث الخلفية الفكرية والرؤية العامة.. الأول حسم قرار مجلس الوزراء بزيادة الحد الأدنى للأجور إلى (١٢٠٠) جنيه بعدما قررت المجموعة الاقتصادية أن يقتصر على (٨٠٠) جنيها فقط. تغيرت بنية القرار فى أقل من (٤٨) ساعة عندما توافرت الإرادة السياسية.. والثانى قضيته الأولى العدالة الاجتماعية ويحكمه التوجه العام نفسه فى النظر إلى قضية الحد الأدنى للأجور باعتبارها مدخلا لإعادة هيكلتها من جديد وتثبيت الأسعار وسياسة تشغيل تخفض معدلات البطالة. الاثنان من المدرسة ذاتها، أحدهما بخلفية عسكرية والآخر من قلب الحياة السياسية.

وثانيها يتعلق بالقوى المؤثرة فى العالم، ولدى «السيسى» خشيته أن يؤدى ترشحه إلى إعادة تصوير ما جرى فى (٣) يوليو على أنه انقلابا للوصول إلى السلطة لا انحيازا لإرادة شعبية.

فى تقدير المبعوث الأوروبى «برناردينو ليون»، حسب ما نقله دبلوماسيون غربيون، فإن فرص المصالحة تضاءلت مع جماعة الإخوان المسلمين التى يسيطر المتشددون على قرارها السياسى بينما يميل متشددون آخرون فى الجيش إلى الإقصاء الكامل لها متوقعا اضطرابا سياسيا يطول. فى هذا التقدير الذى تشاركه فيه قيادات غربية كثيرة فإن ترشح «السيسى» تمديد للأزمة لا حلا لها.

فى القراءة تعسف لكنها تعبر عن حقائق لا يمكن تجاهلها.. وفى حالة صعوده للرئاسة فإن القوى الغربية ليس أمامها غير أن تتعامل مع الحقائق السياسية فى بلد محورى مثل مصر بمعادلات المنطقة.

وثالثها يتعلق بالرجل نفسه فهو يملك مستقبله وحقه مؤكد أن يختار الطريق الذى يناسب قناعاته وطموحاته. صورته فى التاريخ تحكم تصرفاته، ويريد أن يدخله كمنقذ لا رئيس كبطل لا انقلابى، الفكرة استولت عليه تماما، ويريد أن تتسق تصرفاته بما تعهد به من أن «شرف تنفيذ إرادة شعب أكبر شرف حكم مصر».

عندما يقول إنه لن يترشح فهو يقصد ما يقول.. لكن قد تكون للتطورات السياسية فى لحظة تاريخية فارقة كلمة أخرى.

ليست هناك أمامه اختيارات كبيرة، فعند كل سؤال أزمة ولكل أزمة سيناريوهاتها المعقدة.