الأربعاء 12 ديسمبر 2018 7:52 م القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

المستقبل العربى يصنع فى مصر ــ الميدان: السبق إلى الدولة بدستورها والمؤسسات

نشر فى : الأربعاء 25 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 25 أبريل 2012 - 8:00 ص

يعيش «العرب» عامة، وفى مختلف أقطارهم المتقاربة على بعد، والمتباعدة على قرب، حالة من الاضطراب الشديد والقلق الأكيد على المستقبل، فى ظل شعورهم بالخطر على «سرقة» انتفاضاتهم أو تشويهها أو تحريفها عن مسارها فى آمالهم بحيث تنتهى إلى عكس ما يتمنون بل وما يطلبون مما يرونه حقوقهم.

 

وتبقى أنظار المواطنين العرب جميعا مشدودة إلى مصر، وتحديدا إلى «الميدان» فيها والصراعات التى تدور فيه ومن حوله، والتى يرون ــ كما يرى إخوانهم المصريون ــ أنها ستحدد طبيعة النظام الجديد فى مصر، والتى ستؤشر بالتالى إلى سياق الأحداث فى سائر أنحاء الوطن العربى وبالتالى إلى تحديد صورة المستقبل جميعا، فى المشرق والمغرب.

 

ذلك أن العرب يرون أن الهدف الأساس للانتفاضة الشعبية المجيدة فى مصر هو إعادة بناء «الدولة» بما يتناسب مع مصالح شعبها وطموحاته، وبما يعيد إليها هويتها وجدارتها بدورها القيادى على مستوى الأمة جميعا.

 

كذلك فقد اعتاد العرب، ومنذ بدايات عصر نهضتهم وخروجهم من دياجير الظلم والظلام، أن يتطلعوا إلى مصر التى سبقت إلى «الدولة»، وإلى «الدستور» والمؤسسات السياسية، مجلس النواب، مجلس الوزراء، الجيش، تعزيز مكانة القضاء، الاهتمام بالتعليم والثقافة والفنون الخ..

 

.. وها هى مصر تسبق، مرة أخرى، إلى الثورة على النظام الفاسد وعلى المؤسسات التى جعلها شكلية وتسقط «الدستور» الذى حوله إلى مجرد ستارة يمسح بها ارتكاباته ومخالفاته ويبرر بها تجاوزاته للحق والقانون والمؤسسات، مما اضعف الدولة وهددها فى وجودها، بعدما تسبب فى تهديد الوحدة الوطنية.

 

ولأن مصر طالما لعبت دور القاطرة فى منطقتها، فقد عمدت أنظمة عربية عديدة إلى تقليد نظام الطغيان فى مصر وهو يخرج على الثوابت الوطنية والقواعد الدستورية، فيدمر المؤسسات، ويرشو الجيش لإخراجه من دائرة التأثير فى القرار الوطنى، ويحول السلطة إلى ديكتاتورية لا تخضع لأية محاسبة خصوصا أن الرقابة الشعبية معدومة، فالانتخابات مزورة دائما والمجلس النيابى مجرد دائرة تصديق على قرار الحاكم وقرار الطاغية أقوى من الدستور.

 

الوجه الآخر لهذا كله أن يتزايد اعتماد النظام على قوة الإسناد الأجنبي، وان تصبح «الدول»، بدءا بالولايات المتحدة وصولا إلى العدو الإسرائيلى مرورا بأغنياء المصادفات الجغرافية من أهل النفط، قادرة على التدخل فى القرار الوطني، بل وعلى إملاء ما يناسب مصالحها.

 

●●●

 

.. وكان الانفجار، ونزلت الملايين إلى «الميدان» فى طلب التغيير بالثورة.

 

كانت الأكثرية المطلقة من شباب «الميدان» غير منظمة وليس لهم برنامج موحد، ولا خطة عمل، لهذا ارتبكت فى التعامل مع «المجلس العسكري»، بعدما حاول النظام ان يفتدى نفسه برأسه. وكان أن صارت الكلمة للأعظم تنظيما والأغنى والأقدر على الحركة مستندا الى شبكة من العلاقات الدولية والعربية.

 

وبرز الإسلام السياسى عبر قواه المنظمة، «الإخوان» و«السلفيين» «كطرف» مقرر، إذ كانت له خطوطه المفتوحة مع الخارج الامريكى والعربى النفطى، وكذلك مع المجلس العسكري، ثم انه كان موجودا وفعالا فى « الشارع».

 

هل من التجاوز القول إن «الإسلام» السياسى فى هذه اللحظة وعلى المستوى العربى، ينقسم إلى مجموعتين: الأولى تتخذ من الإسلام التركى نموذجا لها وتحاول الاقتداء بتجربته التى تراها ناجحة، والثانية تحاول أن تسترشد بالإسلام الإيرانى الذى جعل من «الإمبراطورية الفارسية» العتيقة دولة ذات وزن مؤثر فى السياسات الدولة.

 

بالمقابل فإن قضية العروبة قد تراجعت حتى كادت تضمحل، ورأى فيها الإسلاميون خاصة «بدعة»، بل ونسبوا إليها خطايا أنظمة الطغيان وأخطائها جميعا، واعتبروها قناعا للديكتاتورية وحكم الفرد الواحد.

 

أما الوطنيات فقد تكشفت عن عصبيات طائفية ومذهبية وقبلية وجهوية: «أمازيغ» مقابل العروبة فى أقطار المغرب العربي، خصوصا فى الجزائر والمغرب وصولا الى ليبيا حيث الشرق «سنوسى» وبعض الجنوب «تبو» وبعض الغرب «بربر»، أما مصر فالفرعونية تستولد النوبه والإسلامية تستحضر المسألة القبطية.

 

فى ظل هذا المناخ كيف لا تزدهر إسرائيل وتستمتع بترف المنافسة بين يهودية علمانية وأخرى اشتراكية وثالثة يمينية متطرفة.. إلخ.

 

●●●

 

أما المشرق فيتجه نحو التفتيت: تتهاوى العروبة مثخنة بالجراح التى أصابتها نتيجة تستر الديكتاتوريات العسكرية بشعاراتها، التقليدية منها او تلك التى موهت نفسها بالاشتراكية... وترتد الجماهير التى خابت آمالها فى ثالوث الوحدة والحرية والاشتراكية نحو التقوقع فى عصبياتها المحلية التى سرعان ما تنزلق إلى الطائفية فإلى المذهبية... ودائما هناك من يمول ويحمى هذا الانزلاق، عربيا ودوليا.

 

فأما الشعار الإسلامى فله «وكيلان» حصريان، وثالث مضارب، فى هذه المنطقة الممتدة ما بين مضيق جبل طارق غربا وضمنها قلب أفريقيا ومضيق البوسفور فى بلاد الأناضول: الأول إيرانى جاء مع ثورة الإمام الخمينى الإسلامية مطلع العام 1979، والثانى تركى وصل إلى السلطة بالانتخاب بعد اضطهاد طويل أعقبته «تسوية» مع الخارج الامريكي، واستقر فيها منذ العام 2002... ويبقى الثالث الذى يتلفع بعباءة الوهابية السلفية فى السعودية ويتجنب الاصطدام بمن نجح فى الاقتراب من السلطة من الإسلاميين، بل كثيرا ما يحاول أن يشترى صمته إذا ما عزّ شراء ولائه.

 

صار الإسلام السياسى طبعات منقحة ومزيدة، لكل فرقة «إسلامها». صار أهل السنة «إخوانا» و«سلفيين» متشددين أو أقل تشددا، إضافة إلى عامة المؤمنين الذين لم يتحزبوا سياسيا بل ظلوا على إيمانهم «البسيط» والذى يخافون عليه من التحزب السياسى.

 

ونتيجة لاحتدام الصراع على تركة العروبة كان لا بد من المواجهة بين الإسلام الإيرانى (الشيعي) وبين الإسلام التركى (السنى) المتحدر من صلب حركة الإخوان المسلمين التى باتت عالمية، والتى تحاول عقد هدنة مع السلفية أو بعض الأنظمة العربية الغنية التى ترتكز فى تشريع هيمنتها على ما أقره «الخلف الصالح».

 

اختفت الهوية العربية التى كانت الأنظمة العسكرية الديكتاتورية قد استنزفتها وهى تتلظى بشعاراتها لتموه حقيقة تفرد قادتها الأفذاذ بالحكم.

 

 ولان « الوطنيات « هى أنماط من «الكيانية» التى تموه الانتماء الدينى أو الطائفى أو المذهبى فقد تشققت الحركة الشعبية التى كان لها هوياتها السياسية المتقدمة.

 

وهكذا انحصر الصراع بين «إسلاميات» صاعدة قد تختلف فيما بينها، ولكنها تتوحد فى مواجهة « الوطنيات» عموما و «العروبة» ومعها أحزاب اليسار خصوصا، وأنها باتت هى المعبر الفعلى عن الوطنية التى هى هى العروبة.

 

●●●

 

هل هى مصادفة أن تقع زيارة مفتى الديار المصرية إلى الكيان الإسرائيلى، بذريعة الصلاة فى المسجد الأقصى، فى هذه اللحظة السياسية تحديدا؟.

 

أليس لافتا أن مثل هذه الزيارة التى لم يتأخر الأزهر الشريف فى شجبها قد وقعت فى هذا التوقيت بالذات... وهل بعد تسع سنوات من تولى المفتى منصبه انه انتبه إلى أن الصلاة فى المسجد الأقصى فعل من أفعال مقاومة الاحتلال الإسرائيلى؟! وماذا يهم أن «يشجب» الإسلاميون، إخوانا وسلفيين، هذه الزيارة المشبوهة، طالما أن المفتى جمعة بقى مفتيا للديار المصرية.. أقله حتى يتحول التصويت فى مجلس الشعب ذى الأكثرية «الإسلامية» بخلعه الى قرار نافذ؟.

 

ثم إلى أى حد يمكن اعتبار هذه الزيارة (إضافة إلى العديد من التصرفات والتصريحات الصادرة عن قادة إسلاميين) مؤشرا على الموقف الفعلى لهذه التيارات والتى تقدم الإسلام السياسى الجديد فى صورة المتساهل مع العدو المتشدد مع العروبة واليسار والوطنية.

 

أوليس هذا هو الوجه الآخر لقبطية متساهلة مع العدو متشددة مع الشريك الوطنى (حتى لا ننسى ذلك الزحف الذى قامت به مجموعات من الأقباط إلى الديار المقدسة، فلسطين، بعد أيام من رحيل البابا شنودة الذى كان قد حرم مثل هذه الزيارة لاعتبارات وطنية ومن ثم دينية تؤكد صلابة موقفه الوطنى وبالتالى العربى من العدو الإسرائيلى؟).

 

هذا عن مصر وميدانها والمخاطر التى تتهدد مستقبل النظام فيها.

 

●●●

 

أما المشرق فيتوزع أبناؤه بين طوائفهم وعليها مما يشيع مناخا يمهد لحروب أهلية مفتوحة بين أتباع الدين الواحد، بينما تبحث الأقليات عن «هويات» بديلة فى بلاد بعيدة.

 

.. ويظل الأمل معلقا بمصر، لعراقة الدولة فيها، وتماسك المجتمع ولسبقها الى الأخذ بالدستور وبناء المؤسسات.

 

وقبل مصر كانت العروبة دعوة رومانسية يُعبر عنها بالشعر أو بالمناظرات الفكرية المؤكدة لعمق انتماء الأمة إلى ذاتها.

 

أما مع مصر فقد باتت العروبة دعوة إلى حماية المستقبل بالدولة القوية التى تقوم على دعائم صلبة، أخطرها إيمان الناس بها باعتبارها الطريق الى غدهم الأفضل.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات