الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:36 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

فى فرنسا.. الجماهير تغير الموازين مرة أخرى

نشر فى : الإثنين 24 أبريل 2017 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 24 أبريل 2017 - 9:50 م

أكتب هذه السطور وقد ظهرت نتائج الجولة الاولى من انتخابات فرنسا الرئاسية وبات أكيدا أن تجرى الجولة الثانية لها بعد أسبوعين بين المتنافسين الحائزين على أعلى الأصوات؛ أحدهما مرشح آت من فراغ سياسى ليس فيه لا حزب ولا تيار ولا ايديولوجية محددة المعالم، والأخرى قائدة اليمين العنصرى الذى ما كان يحلم منذ سنوات قليلة ماضية أن يكون لاعبا أساسيا. وبافتراض أن معظم القوى والاحزاب الخاسرة فى الجولة الأولى سوف تصطف فى الجولة الثانية ضد مرشحة اليمين العنصرى ووراء المرشح الشاب «ماكرون» فإن هذا كفيل بأن يمنحه فوزا سهلا نسبيا وفرصة لم تكن فى الحسبان لرئاسة دولة عظمى تشغل الموقع السادس فى ترتيب اقتصادات العالم.

كما هو الحال فى كل انتخابات مهمة، فإن المعلقين سارعوا بإبراز النتائج الذى تحمل من وجهة نظرهم أهم المعانى والدلالات المستفادة. أهل اليمين احتفوا بالهزيمة الساحقة والمهينة لمرشح الحزب الاشتراكى مؤكدين أنه لم يعد جاذبا للجماهير، وأهل اليسار اعتبروا فوز مرشحى اليسار الواسع معا ــ الاشتراكى والشيوعى ــ بما يقرب من ربع الأصوات علامة مطمئنة، وكثيرون نظروا إلى دخول مرشحة اليمين العنصرى جولة الإعادة باعتباره دليلا على الأزمة التى تجتاح الديمقراطية الغربية، بينما أكد آخرون أن التحالف المرتقب لباقى قوى المجتمع ضدها سوف يعيد الثقة فى حيوية المناخ السياسى ووعى الجماهير.

ومع صحة كثير من هذه الاستنتاجات، إلا أننى أميل إلى اعتبار أن أهم دلالات هذه الجولة هو التأكيد مرة أخرى على ما سبق أن عبرت عنه الانتخابات الامريكية منذ ثلاثة أشهر والاستفتاء البريطانى على الخروج من الاتحاد الاوروبى فى العام الماضى: أن شعوب هذه البلدان الثلاثة قد ضجت بالسياسة التقليدية وبالأحزاب المستقرة منذ عشرات السنوات وبالخطاب المتعالى الذى عبرت به قيادات هذه الاحزاب عن مواقفها حتى وهى تؤكد على انحيازها للشعب وحرصها على مصالح الفقراء. فى المناسبات الثلاث سارت الأغلبية وراء الوجوه التى بدت لها الأكثر خروجا عن المظهر السياسى التقليدى والأكثر قدرة على مخاطبة الجماهير مباشرة دون لف ودوران، حتى بعدما نسب إلى بعضها من تصرفات منفرة اخلاقيا واجتماعيا.

هذا العزوف، بل الكراهية، تجاه الأحزاب التقليدية وتجاه المظهر المعتاد للسياسيين المحنكين هو، فى تقديرى، القاسم المشترك للانتخابات الثلاثة الكبرى التى شهدها العالم أخيرا. حتى الاستفتاء التركى الأخير عبر عن ذات الاتجاه، لأنه بالرغم من أنه انتهى بفوز الرئيس «أردوغان» باغلبية أيدت التعديل الدستورى المقدم منه، فإنه جاء فى تقديرى فوز واهٍ للغاية ويشبه الهزيمة أكثر من النصر لان المعتاد أن الفوز فى استفتاء ليس فيه سوى القبول أو الرفض يكون بفارق أكبر بكثير من الفارق بين متنافسين لكل منهما جمهوره المتحمس.

ومع أن كثيرين من المعلقين وجدوا فى هذه الظاهرة ــ ظاهرة تراجع نصيب الاحزاب التقليدية والسياسيين المحنكين ــ علامة خطر، لما عبرت عنه من زيادة تأثير الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعى على مخيلة الناخبين وتراجع أهمية البرامج الحزبية والصراعات الفكرية، إلا أنه لا شك أن لهذه الظاهرة جوانبها الإيجابية والمتمثلة فى تذكير كل من يعمل بالسياسة أو يفكر فى خوض انتخابات من أى نوع أن جمهور اليوم ليس سهلا ولا يقبل بسهولة الاقتناع بالبرامج والنظريات ولا يعطى ثقته بالضرورة للمرشحين ذوى التاريخ الرصين، بل مستعد لمنح أصواته وثقته للأكثر حرصا على التقرب اليه وكسب وده.

نتائج الانتخابات والاستفتاءات الأخيرة، مهما جاءت محبطة ومخيبة لآمال التيارات الديمقراطية فى أنحاء العالم، إلا أنها عبرت فى النهاية عن واقع جديد يلزم فيه على كل مرشح أن يرجع إلى الجماهير، ويتفهم مشاعرها ومخاوفها، ويحترم ارادتها، ويخرج من عزلته وسطوة حزبه وينزل من السماء التى يحلق فيها إلى أرض الواقع.

فى الستينيات من القرن الماضى انتشر فى العالم شعار أن «العميل دائما على حق» وأن احترامه واجب مهما كانت اختياراته. ونحن اليوم نعيش واقع أن الناخب هو الذى صار على حق وجديرا بالاحترام مهما كانت اختياراته خارجة عن التوقعات التقليدية. فهل تمر سحابة احترام الناخبين علينا يوما ما؟

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.