الجمعة 16 نوفمبر 2018 11:19 م القاهرة القاهرة 19.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

حديث المؤامرة.. انظروا فى المرآة

نشر فى : الثلاثاء 24 مايو 2016 - 10:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 مايو 2016 - 10:10 م
لا تصلح الإجابات السهلة لتفسير الأزمات المتفاقمة ولا لدرء المخاطر المحدقة.

ما الذى يربط بالضبط بين الحوادث والكوارث التى تتوالى على المشهد المصرى؟

إذا كانت الإجابة: «إنها المؤامرة» فإنها غواية تجنب النظر فى المرآة، لنرى الصورة على حقيقتها بلا مكياج على وجه أو تبرير لإخفاق.

حتى «المؤامرات» تحتاج إلى ثغرات تنفذ منها لتحقق أهدافها.

عندما تنخفض المناعة السياسية لأى بلد فإنه لا يحتاج إلى مؤامرات تضع مستقبله على المحك.

فى فاجعة الطائرة المصرية القادمة من باريس، تبدى تماسك عام يتلمس الخطر ويخشى عواقبه، غير أنه مؤقت بظروفه إذا ما استمرت بيئة إنتاج الأزمات التى تفاقمها بدلا من أن تساعد على حلها.

بتعبير صحفى إيطالى مخضرم، عمل لسنوات طويلة فى القاهرة: «ما الذى كنتم تتوقعونه فى قضية مقتل جوليو ريجينى؟».

لم تكن هناك رواية مصرية واحدة على شىء من التماسك فى تفسير الحادث المأساوى، ولا بدا أمام الإيطاليين أن هناك جدية فى التوصل إلى القتلة الحقيقيين.

لثلاث مرات طلب السفير الإيطالى «ماوريتسو ميسارى» لقاء وزير الداخلية دون استجابة، حسبما أبلغ حكومة بلاده.

كان ذلك محرجا لرجل يوصف فى الدوائر الدبلوماسية الإيطالية بأنه من أفضل سفرائها الذين عملوا بالقاهرة وتربطه علاقات عمل وثيقة مع عدد من كبار المسئولين المصريين وصداقات ممتدة خارج النطاق الرسمى.

بصياغة «ميسارى» فإن هناك تناقضا بين سعى الحكومات الأوروبية، لبناء تفاهمات استراتيجية واقتصادية مع القاهرة وتوجه «الميديا» و«المنظمات الحقوقية» ومراكز الأبحاث والتفكير، لانتقاد أى اقتراب مع نظامها الذى يتهمونه بانتهاكات فادحة للحريات العامة وحقوق الإنسان.

فى ذروة أزمة «ريجينى» وجد نفسه بلا ظهير بالدولة يساعده على مهمته كسفير لبلد قتل أحد مواطنيه بصورة بشعة.

عندما سحبته حكومته من القاهرة كانت تلك إشارة احتجاج دبلوماسية.

وعندما عينته سفيرا فى بروكسيل حيث الاتحاد الأوروبى فإنها شهادة بمستوى كفاءته.

قد لا تكون مصادفة الكشف عن جثة «ريجينى» ملقاة شبه عارية وعليها آثار تعذيب بشعة فى ذات يوم زيارة وزيرة التجارة الإيطالية على رأس وفد اقتصادى كبير، مما أدى إلى مغادرتها العاصمة المصرية قبل أى مباحثات.

بالنسبة للمصريين قبل الإيطاليين، لا يصح إطلاق أحاديث المؤامرات دون كشف عن القتلة ودوافعهم ومن ورائهم، الحقيقة ولا شىء غير الحقيقة.

تلك الأحاديث لا تقنع أحدا فى العالم، لا أعادت السياحة إلى سابق عهدها قبل سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء ولا ساعدت على إجلاء الحقيقة، بقدر ما أثارت من رثاء لمستوى ما يبث على فضائيات أو يكتب فوق ورق.

المؤامرة موجودة فى التاريخ، غير أن البحث عن مؤامرة وراء كل كارثة يفضى إلى لوثة سياسية وإعلامية لا طاقة لبلد على احتمالها.

قبل أية نتائج نهائية لم يكن العالم مستعدا لاستبعاد فرضية العمل الإرهابى فى حادثة سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء.

بصورة أو أخرى تداخل اعتباران فى مشهد أفضت نتائجه إلى خسائر مصرية مؤكدة.

الأول، إن التقليل من أولوية فرضية العمل الإرهابى قد يفضى إلى تهاون مع الأخطار المحتملة ومكامنها.

ورغم العلاقات الطيبة مع موسكو إلا أنها اضطرت فى النهاية إلى اتخاذ إجراءات خشنة بحق رحلاتها السياحية إلى مصر، شككت فى سلامة الإجراءات الأمنية بمطاراتها، وبدت أكثر تشددا مما أبدته لندن أو أية عاصمة غربية أخرى.

يصعب وصف الموقف الروسى بأنه ضالع فى مؤامرة على مصر إلا إذا كان المنطق قد انتحر.

فى حالة سقوط الطائرة المصرية، خفضت «الميديا الغربية» من مستوى هواجسها وكالت بمكيالين لمطارين، واحد لـ«شرم الشيخ» فيه تشدد واتهام وآخر لـ«شارل ديجول» فيه تفهم وانتظار وربما استبعاد مبكر لفرضية العمل الإرهابى.

المسألة لا علاقة لها بنظريات المؤامرة بقدر صلتها بأحجام الدول وهيبتها وأدوارها والمصالح معها.

والثانى، إن صورة النظام فى عالمه تقوضت بما يرجح سيناريوهات الأخذ بالشبهات، حتى عندما كانت مصر ضحية فى فاجعة سقوط طائرتها فوق المتوسط.

فى جميع الأزمات بدا الجو الإعلامى الغربى سلبيا للغاية دون أن يعنى ذلك نفوذا للجماعة أو قوة شريرة تعمل على إسقاط الدولة.

من غير المستبعد بأى نظر موضوعى أن يكون مقصودا إفساد العلاقات مع إيطاليا وروسيا وفرنسا الأقرب لنظام الحكم الحالى، إلا أنه لابد من الالتفات إلى أن الدول الثلاث تحاول بقدر ما تستطيع تطويق أى آثار سلبية على مستوى العلاقات مع مصر.

الرهانات الاستراتيجية والاقتصادية أخطر من أن تترك للمصادفات غير أنها لا تجد ما يسندها فى السياسات المصرية.

الإيطاليون رشحوا «كانتينى» سفيرا جديدا فى القاهرة خلفا لـ«ميسارى» وموضوعه الرئيسى «التعاون الاقتصادى».

المعنى أن الرهان على حاله فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية لكن دون أسقف عالية، فالرجل لم يسبق أن عمل سفيرا من قبل.

وروسيا تتحسب خطواتها التالية دون أية رهانات كتلك التى سعت إليها بعد «٣٠» يونيو.

وفرنسا تحاول أن تحتفظ بمستوى الدفء فى علاقاتها دون استبعاد أية نكسات محتملة من جراء تصريحات منفلتة تتحدث عن مسئوليتها عن حادث الطائرة المصرية استباقا لأى تحقيقات.

بطبيعة تحقيقات حوادث الطيران فسوف تستغرق وقتا طويلا لا تتحمله أعصاب «الميديا» العالمية التى قد تتورط فى سيناريوهات دون أدلة كما فعلت محطة الـ«CNN» فى ادعاء انتحار قائد الطائرة المصرية المنكوبة.

رغم اعتذار المحطة الأمريكية الشهيرة إلا أن الحقائق لا تغادر مواقعها.

مشروع الدولة الأمنية لا يؤسس لتماسك بالداخل أو هيبة بالعالم.

فى ذروة حساسية العلاقات مع فرنسا، منعت السلطات الأمنية بمطار القاهرة الدولى، دخول صحفى فرنسى مقيم بالقاهرة لوقت طويل نسبيا، بما استدعى تدخل سفيره.

هل هذا معقول؟

بذات القدر هل يعقل أن يشمل التضييق على المجتمع المدنى منظمات الأمم المتحدة نفسها مثل «منظمة الصحة العالمية»، أو بعض المنظمات ذات الصيت الإنسانى بحجم «الصليب الأحمر»، التى تفكر فى إغلاق مكتبها الإقليمى بالخريف المقبل.

ما الذى يمكن أن يستخلصه العالم من تصريحات رئيس مجلس النواب، الدكتور «على عبدالعال» ضد أى نقد للسياسة النقدية متهما مراكز بعضها خاضع للدولة بتدريب النواب وفق أجندات تعمل ضد مؤسسات الدولة.

إذا كان هناك من يريد أن يقول إن مصر مستهدفة، فهو محق تماما، لكنه يجب أن ينظر فى المرآة ليدرك أين الخطأ بالضبط؟.. ولماذا تدهورنا إلى هذا الحد؟.. وإلى أين نحن ذاهبون من هنا؟

لسنا فى حاجة إلى مزيد من المؤامرات، يكفى أن تنظروا فى المرآة.