الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:36 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

٣٠ يونيو وما قبله .. معركة الصورة

نشر فى : الإثنين 24 يونيو 2013 - 9:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 24 يونيو 2013 - 9:40 ص

السؤال بذاته فى توقيته وسياقة ومكانه كاشف لمدى التدهور فى إدارة الدولة وصورة رئاستها: كيف يصنع القرار السياسى بكل هذه الاعتباطية؟!

 

وزير السياحة «هشام زعزوع» طرح السؤال على اجتماع لمجلس الوزراء عقب أزمة تعيين أحد قيادات «الجماعة الإسلامية»، التى ارتكبت مذبحة السياح الأجانب فى الأقصر عام (١٩٩٧)، محافظا عليها.

 

كانت الألغاز مستحكمة أمامه، فالقرار يقوض صناعة السياحة بصورة كاملة، وقيادات فى الجماعة الإسلامية أبلغته هاتفيا أنها راجعت الرئاسة فى اختيار أحد أعضائها محافظا للأقصر طالبة إسناد محافظة أخرى فى الصعيد إليه، لكن الرئاسة لم تلتفت إلى طلب الجماعة التى أرادت مجاملتها مقابل دعمها فى مواجهات (٣٠) يونيو.

 

تحدث بعده وزيرا الداخلية اللواء «محمد إبراهيم» والدفاع الفريق أول «عبدالفتاح السيسى» على التوالى، كلاهما أيد على طريقته التلخيص الذى ذهب إليه وزير السياحة فى وصف صناعة القرار المصرى.

 

الوجوم خيم على وجه رئيس الوزراء الدكتور «هشام قنديل»، فالانتقادات مقنعة وأدلتها حاضرة فى حافظة مستندات متخمة تتضمن حجوزات سياحية ألغيت وانتقادات دولية تنذر بعواقب أوخم، لكنه نفسه لا يعرف كيف صنع هذا القرار ولا أسباب من يقف وراءه!

 

المرجح تماما الآن أن يجرى التراجع عن تعيين محافظ الأقصر بمبادرة من الجماعة الإسلامية التى ينتمى إليها، وهو تصرف عاقل ينطوى على إدراك سياسى لطبيعة الأزمة يتناقض مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف الذى تبنته على منصة تظاهرات «رابعة العدوية».

 

سؤال «الاعتباطية» فى صناعة القرار السياسى طرح نفسه قبل أزمة الأقصر ومحافظها فى اختيار شخصية مثيرة للتساؤلات والبحث فى علوم النفس وزيرا للثقافة.. وما إذا كانت الإجراءات التى أقدم عليها تعود إلى تكوينه الشخصى أم أنها سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الثقافة المصرية المعاصرة.

 

فى حالة المحافظ تجاهلت الرئاسة والجماعة التى تنتسب إليها الاحتجاجات الداخلية على وقف الحال السياحى والانتقادات الدولية التى وصلت إلى وصف مصر بأنها باتت دولة راعية للإرهاب.

 

وفى حالة الوزير تغافلت رسائل الغضب التى تمددت فى أوساط المثقفين بصورة لا مثيل لها فى التاريخ المصرى الحديث وانطوت عليها اعتصامات مفتوحة فى مقر وزارة الثقافة احتضنت عروضا فنية تدافع عن الثقافة المصرية ومستقبلها، كأن لا شىء يحدث أبدا.. وبدت الرئاسة فى حالة إنكار للحقائق الجارية أمامها لا ترى غير ما ترى جماعتها ولا تتصرف إلا وفق ما يملى عليها.

 

فى الحالتين تجاورت ــ على نحو مثير ــ التصرفات الاعتباطية مع ما هو مقصود لهدم الدولة فى بنيانها.. واستبقت معركة الصورة احتجاجات (٣٠) يونيو.

 

فى السياحة وقضيتها طاردت نظام الحكم الحالى اتهامات تبنى الإرهاب، وكانت الانتقادات الألمانية، الدولة الأوروبية الأكثر نفوذا اقتصاديا، بالغة الحدة فى إبداء القلق، وتدهورت صورة الدكتور «محمد مرسى» فى «الميديا الغربية» الأكثر تأثيرا ورصانة مثل «الإيكونوميست» البريطانية إلى حد وصف مصر تحت رئاسته بأنها «مرسيستان»، أو مرشحة أن تكون أفغانستان أخرى تخاصم الحضارة والثقافة والعصر. الصورة برسائلها تنتقص بفداحة من سمعة الدولة المصرية فى محيطها وعالمها وتنذر بتداعيات وخيمة على مستقبلها.

 

وفى الثقافة ومستقبلها طاردت النظام الحالى اتهامات من النوع نفسه تصمه بالعداء للتراث الإنسانى ولفكرة الحضارة نفسها.. ولأول مرة فى التاريخ الفنى الإنسانى الحديث يعرض باليه كلاسيكى من فرقة أوبرالية محترفة فى عرض الشارع، وموضوع العرض نفسه له دلالاته، فهو عن شخصية «زوربا» التى صاغها الأديب اليونانى «كازنتزاكيس» تعبيرا عن روح التمرد التى تتجلى هنا فى ثوب فنى كلاسيكى. الصورة بذاتها تشى برسالتها، واللغة يفهمها العالم ويتعاطف معها، فطلب الحرية مشروعيته فى موضوعه.

 

الارتباك الفادح فى إدارة الدولة وملفاتها الحيوية واحدا تلو آخر بدا كأنه مسابقة عدو إلى الفشل، وللفشل أسبابه فى بنية صناعة القرار والتصورات التى تحكمه والأطراف التى تقرر، وللفشل تداعياته على صورة الرئاسة التى تعرضت لانهيارات متعاقبة، وكانت إدارته التى اتسمت بقدر فادح من العشوائية لأزمتى «مياه النيل» و«سوريا» داعية إلى التساؤل عن أهليته لممارسة مهامه وعواقب وجود رئاسة موازية فى المقطم على مستقبل الدولة كلها.

 

تدهور الصور يصاحبها تدهور آخر فى الشرعية، كأن صورة الرئيس وشرعيته تقوضان معا بالتزامن، وللصور رسائلها إلى مجتمعها وعالمها ورسائل أخرى إلى المستقبل، ففيها ما يستقر فى الذهنية العامة من رؤى وانطباعات وتحيزات، والتراكم السلبى فى صورة الرئيس مرة بعد أخرى وأزمة تلو أخرى يفضى فى النهاية إلى تقويض الحكم كله.

 

وبشكل ما فإن الدكتور «محمد مرسى» فقد بصورة فادحة صورته ومستقبله، وبات مستقبله فى الحكم خارج طاقته على التحكم، وما يمانع فيه اليوم قد يضطر إليه غدا لكن بعد فوات الأوان، والمثير أن الميديا الغربية لم تأبه كثيرا فى البداية لحملة «تمرد» لكنها أخذت بالوقت تلتفت إلى الظاهرة وتداعياتها وما يمكن أن تسفر عنه من أوضاع جديدة، وبدأ يتدفق على القاهرة ممثلو كبريات الصحف العالمية لمراقبة التاريخ وهو يتحرك مرة أخرى.

 

وربما لا يكون اليوم الأخير من يونيو يوم «مرسى» الأخير فى الرئاسة لكنه قد يكون بداية لصيف حارق فى الرئاسة المصرية على ما تتوقع «الإيكونوميست» فى تقريرها عن «مرسيستان».

 

إنه رجل فى أزمة لكنه لا يتصرف وفق مقتضياتها، عاجز بصورة كاملة عن المبادرة السياسية، كأن السياسة اختراعا لم يسمع عنه من قبل. مشكلته أنه يتحدث عن الحوار الوطنى والمصالحة الواسعة لكنه لا يبدو جادا فى دعوته التى يعيد إنتاجها يوما بعد آخر. فى كل مناسبة يسهب فى الحديث عن الحوار والدعوة إليه دون أن يقول شيئا يعتد به، والمثير أنه يعتبر تظاهرات «رابعة العدوية» استعادة لروح الثورة ودعوة حضارية لنبذ العنف غافلا عن عمد صورها المريعة ورسائلها السلبية إلى مجتمعها بما تبنته من حملات كراهية وتحريض على العنف والقتل: «من يرشه بالماء سنرشه بالدم» و«قوة. عزيمة. إيمان.. مرسى بيضرب فى المليان»..

 

وبما تخللها من استعراضات كاراتيه وكونغ فو كأننا أمام ميليشيات تستعد للقتال و«سحق» المعارضين، وكلمة «السحق» تكررت على نحو هستيرى فى تظاهرات حملت شعار «نبذ العنف»، وبما رفع من رسومات دعت إلى شنق الإعلاميين، وما جرى فيها من سب القضاء والشرطة والتعريض بالجيش وتاريخه، والأخطر من ذلك كله تكفير المعارضين الداعين إلى احتجاجات (٣٠) يونيو.

 

كأننا فى حرب دينية انقسم المصريون فيها إلى فسطاطين أحدهما للإسلام والآخر للكفر، وهذه محاولة خداع نفس وخداع للآخرين، فالفشل فى إدارة الدولة ينسب إلى أصحابه والتصورات التى يتبنونها لا إلى الدين الحنيف، واصطناع معارك تصور المعارضين كجماعة من الكفار فيه عدوان على الدين نفسه، فليس من حق أحد أن يعتبر فشله فشلا للإسلام، وانتقاده نيلا من قداسة الدين.الكلام فيه غلاظة الجهل بالدنيا والدين معا ومخاصمة مع الديمقراطية والعصر فى الوقت نفسه.

 

فى معركة الصور تناقضت الأهداف مع نتائجها، فالعنوان الرئيسى للحشود التى جلبت من المحافظات إلى «رابعة العدوية» تأكيد هيبة الحضور فى المشهد السياسى، وإثبات قدرة الجماعة وأنصارها على التعبئة، وأنها قادرة على التصدى لـ«تمرد» والتوقيعات المليونية التى حصلت عليها لسحب الثقة من «مرسى» وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

 

غير أن هيبة الجماعة تقوضت أكثر، فلا هى أقنعت أحدا بأنها سلمية، ولا هى بثت التخويف فى قلوب من قرروا الخروج إلى الشوارع فى (٣٠) يونيو، والمشهد كله بوجوه وشعاراته وهتافاته وروح التعجرف فيه صب مزيدا من المخاوف فى إناء امتلأ عن آخره، وأفضت الصور السلبية من على منصة «رابعة العدوية» إلى موجة اشتباكات فى المحافظات تبدت فيها فجوات كراهية تتسع مع الجماعة ورئيسها.

 

معضلة الجماعة الكبرى أنها تواجه مجتمعها، تغض الطرف عن رسائله وأناته، تعاند وتستبعد، تتحدث عن الحوار ولا تقصده، تصر على السلطة دون القدرة عليها، تطلب التكويش على الدولة ولا تتحسب للعواقب الوخيمة، ولا تدرك على أى نحو أن الاستهتار يولد الانفجار، والرئيس ينتظره مع جماعته معجزة تفلته من استحقاقات لم يف بها أبدا وصورته التى تقوضت تغلق الطريق على مستقبله.